Thursday, November 22, 2018
فارسي|English
الصفحة الرئيسية|اتصل بنا
القائمة الرئيسية
الزرادشتيون
بلغت هجمات العرب المسلمين المتفرقة على بلدان رقعة حكم الساسانيين أخيراً مرحلتها النهائية في معركة القادسية ونهاوند فسقطت هذه الدولة بهزيمة الجيش الساساني في هاتين المعركتين في 21هـ/642م؛ ولكن فتوح المسلمين في مناطق إيران كانت ذات مسيرة تدريجية وظلت مستمرة باتجاه الشرق حتى السنوات التالية. وكما يبدو من آثار مؤرخين مثل الطبري والبلاذري ، فقد كان المسلمون في غالبية المدن ، أو المناطق التي كانوا يفتحونها يخيرون أهاليها من خلال التفاوض مع حكامها بين 3 طرق: الإسلام والأمان؛ البقاء على دينهم وشريعتهم ودفع الجزية؛ والحرب وانتظار المصير. وإذا ما اعتنق الأهالي الإسلام لم يكن عليهم، سوى دفع ضرائب الدخل – والتي كانت تأتي من عائدات الأرض وأحياناً من العائدات الأخرى وكانت تسمى الخراج-؛ وإذا ما أرادوا البقاء على دينهم، كان عليهم أن يعقدوا معاهدة صلح مع الفاتحين يصبحون بموجبها في عداد أهل الذمة، ويتوجب عليهم في هذه الحالة أن يدفعوا الجزية – التي كانت في الحقيقة ضرائب فردية – بالإضافة إلى الخراج، وفي مثل هذه الحالة كانت الحكومة الإسلامية تتولى المحافظة على أمنهم ويصبحون أحراراً في ممارسة شعائرهم الدينية، بل إن المسلمين لم يكن يحق لهم حسب بعض المعاهدات ، أن يضايقوهم في ممارسة شعائرهم في الأعياد (ظ: البلاذري، 453-454)؛ ومن الواضح أن هؤلاء الأهالي كان عليهم أن يواجهوا جند الإسلام في حالة معارضتهم، أو تمردهم. وقد ذكرت في تاريخ الطبري وفتوح البلدان للبلاذري نماذج كثيرة من هذه المعاهدات، أو النـزاعات في مناطق إيران المختلفة (كنموذج، ظ؛ الطبري، 4/137-138، 141، مخـ؛ البلاذري، 428-429، 433، 437-439). ورغم أن هناك اختلافات بين الفقهاء من السنة والشيعة حول الزرادشتيين والأحكام المتعلقة بهم وهل يعتبرون من أهل الكتاب، أم لا، إلا أن أتباع هذا الدين كانوا يعاملون دوماً كسائر أهل الذمة (ظ: ن.د، أهل الكتاب)

وقد أبقى الفاتحون المسلمون بعد السيطرة على مدن إيران والاستقرار فيها، على نفس النظام الضريـبي الساساني، وكذلك الديوان وجباة الضرائب المحليين والكتّاب (الطبري،2/151-252؛ البلاذري،421؛ أيضاً ظ: دنت، 14,28-31). وقد كانت لغة الديوان في البدء اللغة الفارسية، ولكنها تغيرت إلى العربية بعد تولي الحجاج بن يوسف لزمام الأمور (البلاذري، 422؛ زرين كوب ، دوقرن..، 113-115).

وفي العقود الأولى بعد فتح إيرن، كانت مسيرة تغيير الدين واعتناق الإسلام في المناطق المفتوحة تسير ببطء، حيث كان الزرادشتيون يشكلون أغلبية السكان في كل منطقة، وخاصة في المناطق الريفية، وبالأخص في غرب إيران وكان المسلمون (السكان المحليون الحديثو الإسلام والعرب) يعيشون بشكل متفرق بين هذه الأغلبية (دنر، 568). ولكن اعتناق الدين الجديد أخذ يتسارع تدريجياً على أثر الاحتكاك الأكثر مع المسلمين، وخاصة في المدن وكذلك مع اعتناق الإقطاعيين الكبار، أو الدهاقنة للإسلام للتهرب من دفع جزية المزارعين الذين كانوا يعملون على أراضيهم ، وكذلك من أجل الحصول على فرص اجتماعية واقتصادية أفضل (دنت، 32-33؛ بوليه، 35-36). واستناداً إلى شهادة الإصطخري (ص90، 127-128) والمقدسي (ص323،328،334)، فقد كانت غالبية السكان في القسم الواسع من إيران المسمى بفارس ماتزال في عصرهما زرادشتية ، حتى لم تكن هناك مدينة ومنطقة، إلا وكان فيهما بيت للنار. وكانت شعائر الزرادشتيين جارية في المدن وكانوا يزينون الأسواق في أعيادهم. وحتى في بعض المناطق مثل طبرستان، كان الحكم المحلي بيد الحكام الزرادشتيين الذين كانوا يعرفون بـ (إسبهبدان)، فضلاً عن تواجد عدد كبير من الزرادشتيين فيها وقد استمر هذا الوضع حتى القرن 5هـ/11م (زرين كوب، تاريخ..، المفصل 5؛ آذرگشسب، 79-80).

ورغم أنه كانت هناك عمليات اضطهاد متفرقة في مناطق إيران المختلفة في عهد الخلفاء الراشدين وبني أمية لتغيير الدين وهدم بيوت النار، إلا أن الزرادشتيين كانوا مع كل ذلك يعيشون في رخاء ورفاه نسبيين. وقد كانت الحكومة الإسلامية تعترف بالقائد والزعيم الذي كان يعيش في بارس ويعرف بلقب «هودينان بشوباي» ]زعيم الزرادشتيين[. وكانت قد ألقت على عاتقه مسؤولية إدارة هذا المجتمع (بويس، 147). وفي نفس هذا العهد هاجرت مجموعة من الزرادشتيين إلى منطقة قهستان في خراسان وسكنت خواف وعاشت فيها مايقرب من مائة سنة؛ ولكنهم هاجروا من هناك أيضاً بعد أن تعقدت الظروف، وتوجهوا مع أسرهم إلى ميناء هرمز وبعد إقامتهم فيه 15 سنة، هربوا منه أخيراً بعد هجوم جيش ربيع بن زياد، وفي النصف الثاني من القرن 2هـ/8م توجهوا إلى الهند بالسفن. وقد سكنت هذه المجموعة في البدء كجرات (في سنجان) ثم في مدن أخرى مثل نوسري، بومباي وسورات وشكلوا على مر القرون الأقلية البارسية في الهند. وقد نظم وقائع هذه الهجرة شخص يدعى بهمن كيقباد في رسالة بعنوان قصة سنجان (البلاذري، 551-552؛ پورداود، 2-8 معين، 12-17؛ بويس، 15؛ فيتر، 122-126). لم يقطع البارسيون في الهند على مر القرون علاقاتهم مع الزرادشتيين الساكنين في موطنهم الأصلي، وكانوا يطرحون أسئلتهم الدينية في الرسائل التي كانوا يكتبونها ويستلمون أجوبتها. وقد جمعت هذه الأسئلة والأجوبة في كتابين يحملان اسم روايت داراب هرمزديار وروايت هرمزديار فرامز (آذرگشسب، 95؛ دهاله، 457-458).

وفي بداية العصر العباسي، وخاصة في عهد خلافة المأمون، اكتسب المجتمع الزرادشتي قوة جديدة، فكانت مبادئ عبادة مزدا تطرح أكثر من ذي قبل من خلال المشاركة في النقاشات والمناظرات الدينية والكلامية – التي كانت تتم في حضور المأمون غالباً – وفي هذه الفترة، أي في الفاصلة بين القرنين 3 –4هـ/9- 10م، تم تأليف كتب مهمة مثل دينكرت، بندهشن، گزيده هاي زادسپرم، آثار منوشجهر (نامه ها ودادستان دينيك)، ماتيكان غجستك أباليش وخاصة شكند گمانيك ومجار (تقرير مزيل للشكوك ، كتب في الرد على الإسلام، المسيحية، اليهودية والمانوية) من قبل المفكرين الزرادشتيين . كما ظهرت في هذه الفترة شخصيات علمية بارزة مثل آتور فرنبغ فرخزادان، منوشچهر گوشن جم، أميد أشه وهيشتان، آتورپات أيميدان (أميدان) ومردانِ فرخ أهرمزد دادان (تفضلي، 128-153، 161-166؛ دومناش، 543-565؛ زرين كوب، دوقرن، 322-236؛ بويس، 153-156؛ دهاله، 441). وفضلاً عن ذلك، كما كان هناك عدد من الزرادشتيين أسلم بعضهم فيما بعد، أو المسلمون الذين نشؤوا في أسر زرادشتية، يعدون أيضاً من الوجوه العلمية المعروفة في العصر العباسي. ويمكن الإشارة من بين هذه المجموعة إلى نوبخت وابنه، وكذلك ابن المقفع وعلي بن عباس المجوسي (نصر، 208؛ صفا، 1/56-59؛ أيضاً ظ: ن.د، آل نوبخت ، أيضاً ابن المقفع).

وفي بداية الخلافة العباسية، ظهر في خراسان تيار فكري خاص على يد شخص يدعى «بهافريد ماه فروردين» حيث بقيت آثاره في تلك المنطقة لعشرات السنين بعده. فقد سعى بهافريد من خلال إحداث تغييرات في الدين الزرادشتي، إلى ان يوائمه مع الإسلام، ولكن هذه البدعة أثارت غضب الموبذين الزرادشتيين فشكوه إلى أبي مسلم. فاعتقله الأخير وأمر بقتله (البيروني، 210؛ الشهرستاني، 2/71-72؛ براون، I/308-310؛ آمورتي، 489-490؛ دوشن غيمي، 240؛ يوزبكي، 319- 320).

وفي هذه الفترة نفسها حدثت أيضاً ثورات متفرقة بقيادة إيرانيين مثل سُنباد، أستادسيس، بابك ومازيار، حيث لعب فيها الزرادشتيون دوراً كبيراً، كما كانت بقايا تيار بهافريد الفكري مشهودة فيها (زرين كوب، ن.م، 147-161؛ أمورتي، 494-498؛ دوشن غيمن، 240-241). وفي أواخر الخلافة العباسية ازدادت الضغوط على مجتمعات أهل الذمة ومنهم الزرادشتيون وأدى وضع القوانين المختلفة – ومنها انتقال ملكية الأب الزرادشتي إلى الابن الذي أسلم – إلى تزايد الفقر والعوزبين أبناء هذا المجتمع (بويس، 159؛ يوزبكي، 159-160).

لا تتوفر معلومات كثيرة عن أوضاع الزرادشتيين الاجتماعية تحت حكم الغزنويين والسلاجقة ويبدو أن المؤرخين لم يكونوا يعيرون اهتماماً الى الزرادشتيين بسبب صغر مجتمعهم وبعدهم عن التيارات السياسية في ذلك العصر. وفي عصر هجمات المغول وبعده في عهد تيمور وخلفائه تعرض الزرادشتيون لنفس المصائب والمذابح التي ابتلي بها الإيرانيون بأجمعهم. ويبدو أن المجموعة المتبقية في فارس هاجرت في ظل هذه الأوضاع مع موبذ الموبذين (رئيس الكهنة) ومجموعة من شخصياتهم الدينية إلى منطقة نائية وجبلية في شمال يزد في قريتي شرف آباد وترك آباد كي يكونوا بمأمن من الغزاة. وهكذا، انتقلت الزعامة الدينية الزرادشتية من فارس إلى يزد وكرمان – حيث كان تسكن فيها مجموعة من الزرادشتيين – وأقاموا فيها بعد ذلك بشكل دائم (بويس، 161-165).

وفي العصر الصفوي، نقل الشاه عباس الأول عدداً من الزرادشتيين من يزد وكرمان إلى أصفهان من أجل استغلال أيديهم العاملة الرخيصة وأسكنهم في محلة گبرآباد في هذه المدينة (م.ن،177). وقد جاء وصف هذه المحلة وأهاليها وحياتهم الهادئة والمرفهة نسبياً في رحلات أوروبيين مثل شاردن (8/87،95-96). ودلاواله (ص 77-80).

ومع تسنم خلفاء الشاه عباس الحكم إزدادت الضغوط على الزرادشتيين تدريجياً حتى أمر الشاه سلطان حسين أن يترك جميع الزرادشتيين دينهم، ويسلموا وبعد صدور هذا الأمر ، قتل الكثير من الزرادشتيين في أصفهان من الذين كانوا قد تمردوا على هذا الأمر، وهرب البعض منهم إلى يزيد (بويس، 182).وبعد هذه الحادثة، جاء دور الأفغانيين الذين دمروا محلة گبرآباد التي كانت تقع خارج سور المدينة خلال هجماتهم على كرمان، وارتكبوا المذابح بحق الزرادشتيين الساكنين فيها. ولكنهم قضوا بضع سنوات في أمان مع ظهور كريمخان زند وتخفيف عبء الجزية عن الزرادشتيين في كرمان – حيث كانوا حتى تلك الفترة يجبرون على دفع جزية المقتولين خلال هجوم الأفغان- (سروشيان، 1/17).

وبعد الحكم الزندي – وفي العهد القاجاري – بلغ عدد الزرادشتيين أدنى مستوياته بسبب الاضطهاد والضغوط الاقتصادية (ظ: سروشيان، 1/36 ومابعدها: رسائل مرافعات زرادشتيي كرمان في العهد القاجاري). وفي هذه افترة بعث البارسيون في الهند لمساعدة إخوتهم في الدين في إيران وتحسين أوضاعهم شخصاً يدعى مانكجي ليمجي هارتيا كممثل الى إيران. وقد نجح أخيراً بعد جهود مضنية وتقديم هدايا كثيرة، وفي خلال عدة جولات من المفاوضات، في الحصول على موافقة ناصر الدين شاه لإلغاء الجزية وتأسيس مدرسة ومعهد تعليمي ومنح حريات أخرى للزرادشتيين في إيران وذلك في 123ش/ 1852م. كما أسس مانكجي جمعية تدعى «الجمعية الناصرية للزرادشتيين» ، في يزد أولاً ثم في كرمان، كانت تتولى متابعة شؤون الزرادشتيين ورفع مرافعاتهم . وبهذا التحول تحسنت ظروف حياة الزرادشتيين في إيران شيئاً فشيئاً واستطاع هذا المجتمع أن يتلافى بعضاً من مظاهر التخلف السابقة (م.ن،1/2-3؛ آذرگشسب، 101-107؛ دوشن غيمن، 251).

لاجوردي ، فاطمه.” مدخل إيران “. الموسوعه الاسلاميه الكبري. المشرف العام: السيدكاظم الموسوي البجنوردي. طهران: مركز الموسوعه الاسلاميه الكبري. 1989- ، الجزء 10 ، ص 604 - 602 * منبع :
الروابط