الاثنين, جوييه 28, 2014
فارسي|English
الصفحة الرئيسية|اتصل بنا
القائمة الرئيسية
عقد اول اجتماع للجنة المشتركة للتعاون الثقافي بين ايران والصين
العصر الاسلامي
العصر الإسلامي
أصبحت الفلسفة في إيران في العصر الإسلامي تتمتع بازدهار يبعث على الحيرة واستطاعـت إيران بظهور الفلسفـة الإسلاميـة – والتي كانت إيران خلال الـ 100’1 سنة الماضية المركز الرئيس لنشرها – أن تلعب دوراً أساسياً في تأسيس المذاهب الفلسفية المهمة التي كانت تتمتع بنفوذ عالمي من أوروبا حتى الهند والصين. وبالطبع فإن من غير الممكن فصل الفلسفة في إيران في العصر الإسلامي عن الفلسفة الإسلامية بشكل عام ومن الصعوبة الفصل بين العوامل الإيرانية والعربية فيما يتعلق ببعض الفلاسفة والفئات مثل إخوان الصفاء وتغليب المفهوم الجديد للقومية على العصر الذي كان بعيداً عن مثل هذه التقسيمات. ولذلك، يجب الحديث عن الفلسفة الإسلامية في إيران وخاصة الثقافة الإيرانية التي يعد نطاقها أوسع من إيران الحالية. وبسبب سعة الموضوع، يمكن فصل الفلسفة الإسلامية في شبه القارة الهندية والإمبراطورية العثمانية التي كانت خاضعة لتأثير الثقافة الإسلامية في إيران، عن هذا البحث، ولكن لايمكن اعتبار بلخ وبخارى ومرو وسمرقند خارج نطاق الفلسفة الإسلامية في إيران.

وعلى أي حال، فقد ظهرت الفلسفة الإسلامية منذ القرنين 2و3هـ/8و9م من خلال ترجمة الآثار الفلسفية اليونانية والتفكير بشأنها من المنظار الإسلامي وتجسدت في القرن 3هـ على شكل منظم. ويعد أبو يعقوب الكندي أول فيلسوف إسلامي وقد كان عربي الأصل ومن قبيلة كندة ويسكن بغداد، ولكن ربما كان أم الكتاب الذي يعتبر من أمهات آثار الفلسفة الإسماعيلية وزعم أنه نتيجة سلسلة من البحوث مع الإمام محمد الباقر(ع)، ألف قبله. كما ذكر مع الكندي فيلسوف إيراني من أهل خراسان يدعى أبا العباس الإيرانشهري، حيث نقل عنه البيروني وناصر خسرو.

ومنذ بداية القرن 4هـ/10م نما في إيران المذهبان الفلسفيان الكبيران المشائي والإسماعيلي وبذلك بدأ بشكل رسمي تاريخ الفلسفة الإسلامية في هذا البلد. ومن أجل تسليط أضواء أكثر على أكثر من 000’1 سنة من تاريخ الفلسفة في إيران يمكن تقسيم هذه القرون إلى 5 عهود: 1.منذ البدء وحتى القرن 5هـ/10م وعصر تلامذة ابن سينا الذي يعد العصر الذهبي للفلسفة المشائية وازدهار حكمة الإشراق والتقريب بين المدارس الفلسفية المختلفة. 2. القرنان 5و6 هـ فترة استيلاء الكلام على الفلسفة. 3. من القرن 7 حتى 10هـ/13 حتى 16م ، فترة إحياء الفلسفة المشائية وازدهار الحكمة الإشراقية والتقريب بين المدارس الفلسفية المختلفة. 4. من القرن 10هـ حتى نهاية العهد القاجاري، حيث يبدأ بمدرسة أصفهان وينتهي بمدرسة طهران، 5. من نهاية العهد القاجاري وحتى اليوم وهو عصر غزو الفلسفات الغربية لإيران وفي نفس الوقت إحياء الفلسفة الإسلامية ومواجهة المذاهب الفلسفية الغربية.

1. في العهد الأول انتقل مركز الفلسفة المشائية من بغداد إلى خراسان رغم أن أول فيلسوف كبير من هذه البلاد وهو أبو نصر الفارابي توجه من خراسان إلى بغداد ثم سكن دمشق وتوفي فيها أخيراً. وقد نضجت الفلسفة المشائية التي تعد بحد ذاتها توفيقاً بين أفكار الإسلام التوحيدية والفلسفة الأرسطية والأفلاطونية المحدثة، على يد الفارابي قبل الكندي، رغم أن المصطلحات الفلسفية التي شاعت فيما بعد، لم تكن قد ترسخت بشكل كامل. كتب الفارابي (ح 257-339هـ/ 871-950م) رسائل عديدة في المنطق الصوري كما كان هو الذي وضع أساس المنطق في الفلسفة الإسلامية وبادر أيضاً إلى التوفيق بين فلسفة أفلاطون وأرسطو وكتب أحد أهم آثاره، أي الجميع بين رأيي الحكيمين أفلاطون الإلهي وأرسطو في هذا المجال. كما إن من أهم آثاره كتاب الحروف الذي بحث العلاقة بين الفلسفة واللغة وأخيراً، يجب أن نذكر آراء أهل المدينة الفاضلة كأحد آثاره الرئيسة والذي يعتبر النص الأصلي للفلسفة السياسية الإسلامية. وبالطبع، فإن رسائله القصيرة وذات النفوذ الكبير في ذات الوقت حول العلم وتصنيف العلوم يجب أن نأخذها بنظر الاعتبار أيضاً. وقد لقبه المسلمون بالمعلم الثاني بسبب هذه الآثار وخاصة تعيين حدود الفروع المختلفة من العلوم، كما لقبوا أرسطو بالمعلم الأول.

وبعد الفارابي كانت هناك في النصف الثاني من القرن 4هـ منافسة بين الأوساط الفلسفية في بغداد وخراسان، حيث كان للعوامل الإيرانية أهمية كبيرة فيهما كليهما. وقد كان أبو سليمان السجستاني المنطقي (تـ ح 391هـ، 1001م) يتولى زعامة مدرسة بغداد، حيث كان يميل إلى المنطق ميلاً شديداً كما ألف كتـاباً حول تاريخ الفلاسفة، وكان أبو الحسن العامري (تـ381هـ، 992م) أهم فيلسوف خراساني في الفترة بين الفارابي وابن سينا، ولكنه بقي مغموراً إلى حد كبير بسبب تهجمات الشيخ الرئيس عليه، رغم أن الملا صدرا كان يهتم بأفكاره، وحظيت مؤخراً آثاره الفلسفية المهمة مثل الإعلام بمناقب الإسلام والأمد على الأبد حظيت باهتمام كبير.

ولاشك في أن ابن سينا (370-428هـ/ 980-1037م) يعتبر أهم فلاسفة هذا العصر وأكثر العلماء المسلمين نفوذاً في مجال الفلسفة والعلوم، حيث بلغت الفلسفة المشائية الكمال على يده في نهاية القرن 4 وبداية القرن 5هـ وألف كتباً بقيت خالدة في جميع العصور التالية. وعلى عكس الفارابي، فإنه لم يسافر إلى بغداد أبداً وأمضى عمره كله بعد الهجرة من مسقط رأسه بلخ في مدن إيران المختلفة وخاصة الري وأصفهان وهمدان وتوفي في همدان. ترك هذا المفكر طيلة حياته الملأى بالمنعطفات أكثر من 220 أثراً نصفها في العلوم وخاصة الطب والنصف الآخر في الفلسفة والعلوم المتعلقة بها. وفضلاً عن تأسيس فلسفة طبية معمقة نشهدها في كتابه الأول القانون، فإن ابن سينا استعرض الفلسفة المشائية في سلسلة من الكتب العربية بشكل منظّر. ويعد كتاب الشفاء أهم هذه الكتب، حيث يعتبر أكبر موسوعة علمية طيلة التاريخ كتبت بقلم شخص واحد وهي تتناول العلوم الطبيعية والرياضية بالإضافة إلى الفلسفة. ولكن أهم أقسامه من الناحية الفلسفية هو الإلهيات والقسم الأول من الطبيعيات، كما يشمل قسم المنطق أوسع بحث في مجال المنطق في الفلسفة الإسلامية. وقد لخص الشيخ الرئيس مواضيع الشفاء في كتاب النجاة كما ترجم إلى الفارسية ولأول مرة في دانشنامه علائي دورة من الفلسفة الماشئية وقد كان لهذه المحاولة دور كبير في إعداد اللغة الفارسية كثاني لغة مهمة للفلسفة الإسلامية. وقد تطرق ابن سينا في نهاية عمره إلى «الحكمة المشرقية» فضلاً عن كتابة رسائل صغيرة عديدة حول موضوعات الفلسفة المختلفة وأبدى في الإشارات والتنبيهات الذي هو آخر آثاره الفلسفية، ميلاً إلى البحوث العرفانية. كما كتب عدداً من الرسائل التمثيلية مثل حي بن يقظان ورسالة الطير وسلامان وأبسال ، وتعتبر هذه الآثار القاعدة والنموذج الأولي للحكايات التمثيلية الفلسفية التي بلغت كمالها فيما بعد على يد شيخ الإشراق.

وقد أوضح الشيخ الرئيس الاختلاف بين الوجود والماهية، واتخذ من الامتياز بين الوجوب والإمكان الذي هو أساس الفلسفة الإسلامية، مركزاً لوجهة نظره الفلسفية وأسس في الحقيقة قاعدة فلسفة الوجود، أو معرفة الوجود، حتى أن بعض المؤرخين في الغرب اعتبروه أول «فلاسفة الوجود». ولايمكن أبداً اعتبار ابن سينا مجرد متبع لأرسطو – رغم أنه متمكن بشكل خاص في الفلسفة الأرسطية - ، بل إنه مزج أفكار هذا الفيلسوف المختلفة مع الفلسفة الأفلاطونية المحدثة حول فيضان مراتب الوجود من المبدأ ومع موضوع التوحيد الإسلامي والوحي، مؤسساً بذلك وحدة جديدة. كما كان أول فيلسوف كتب تفسيراً على السور القرآنية. وقد واصل تلامذته مثل الجرجاني وابن زيلة وخاصة بهمنيار صاحب كتاب التحصيل ثم اللوكري، أفكاره حتى منتصف القرن 5هـ/11م، ولكن الفلسفة المشائية بشكل عام وأفكار ابن سينا بشكل خاص تهمشت إلى حد كبير بسبب تنامي نفوذ الكلام الأشعري ومعارضته للفلسفة لقرن، أو قرنين، ولكنها استمرت بقوة في الأندلس في نفس تلك الفترة وانبعثت فيها الحياة مرة أخرى في إيران نفسها فيما بعد على يد الخواجه نصير الدين الطوسي وكسبت أتباعاً كثيرين. وقد كان نفوذ أبي علي واسعاً إلى درجة أننا نرى آثاراً من أفكاره حتى في المذاهب الكلامية، أو الإشراقية والعرفانية.

وتزامناً مع ظهور الفلسفة المشائية، ظهرت ونمت في إيران أيضاً الفلسفة الإسماعيلية. وفي العصر الفاطمي كان جميع الفلاسفة الكبار تقريباً إسماعيليين إيرانيين وقد استمرت هذه الحالة حتى سقوط حركة ألموت. ومنذ القرنين 3و4هـ عمل الفلاسفة الإسماعيليون على بيان الفلسفة الإسماعيلية ونشرها . وقد ترك أبو حاتم الرازي (تـ322هـ/923م) آثاراً مهمة مثل أعلام النبوة وعمد إلى محاربة محمد بن زكريا الرازي. وألف أبو يعقوب السجستاني (القرن 4هـ/10م) بكتابه كشف المحجوب أحـد آثـار هذا المذهب المهمة وأضفى حميد الدين الكرمـاني ( ح 408هـ/1017م) بتأليفه راحة العقل نظاماً جديداً على الفلسفة الإسماعيلية، كما انتشرت في القرن 4هـ، 51 رسالة باسم رسائل إخوان الصفاء التي تعتبر من أكثر مجموعات الفلسفة الإسلامية نفوذاً وتركت بين الشيعة الاثني عشرية والسنة، فضلاً عن الأوساط الإسماعيلية، أثراً يستحق الذكر (ظ: ن.د، إخوان الصفاء). ويعد ناصر خسرو (394-481هـ/1004-1088م) أهم فلاسفة المذهب الإسماعيلي، حيث يعتبر أبرز آثاره الفلسفية وهو جامع الحكمتين محاولة للتوفيق بين الحكمة الإيمانية القائمة على الوحي وبين الحكمة اليونانية. ويعد نصير الدين الطوسي آخر فيلسوف كبير مرتبط بهذا المذهب، حيث انخرط في القرن 7هـ/13م في خدمة حكام ألموت ، ورغم أنه كان من الشيعة الاثني عشرية، إلا أنه كتب آثاراً مثل كتاب التصورات في الفلسفة الإسماعيلية.

كان الفلاسفة الإسماعيليون يعتبرون الفلسفة مرتبطة بالبنية الداخلية للدين فأوجدوا منظومات ضمنوها مسألة التأويل والعلاقة بين مراتب الوجود وسلسلة العقول – حيث كان الفارابي وابن سينا أيضاً قد جعلاها أحد أسس فلسفتهما – والرؤية الإسماعيلية الخاصة بشأن الإنسان ، في منظار فلسفي منظم ومتماسك. كما اهتم فلاسفة هذا المذهب اهتماماً خاصاً بكتابة الفلسفة باللغة الفارسية وأسهموا في نشر الفلسفة بين الناطقين بالفارسية، فقد كتب ناصرخسرو جميع آثاره الفلسفية المهمة بالفارسية.

ورغم أن غالبية الحكماء كانوا في العصر الأول من تاريخ الفلسفة الإسلامية في إيران ينتمون إلى مذهب معين، إلا أن البعض لم يكن مرتبطاً بأي مذهب خاص. ويمكننا أن نذكر منهم محمد بن زكريا الرازي وأبا علي مسكويه وأبا الريحان البيروني. وكان الرازي (تـ313هـ/925م) الذي يعتبر من أبرز الأطباء في تاريخ الطب، فيلسوفاً فريداً في نفس الوقت وكان يعتبر نفسه نظيراً لأرسطو وأفلاطون. ورغم أن معظم آثاره الفلسفية تعرضت لهجوم شديد من قبل المفكرين الآخرين وخاصة الإسماعيلية بسبب ادعائه عدم ضرورة الوحي للوصول إلى الحقيقة، فقد تبقى منه عدد من الآثار الفلسفية أهمها السيرة الفلسفية والطب الروحاني. وكان أبو علي مسكويه (تـ421هـ/1030م) مؤرخاً وفيلسوفاً في نفس الوقت، رغم أن ابن سينا الذي كان معاشراً له، كان يعتبره ضعيفاً في الفلسفة. وبالإضافة إلى الآثار التاريخية وحتى الكيمياوية، فقد أولى أبو علي مسكويه اهتماماً خاصاً للفلسفة العملية وتكمن أهميته قبل كل شيء في تأليف كتاب تهذيب الأخلاق الذي يعتبر من أهم كتب الأخلاق الفلسفية، وترك نفوذاً كبيراً في الآثار الأخلاقية التالية مثل أخلاق ناصري للخواجه نصير. وكان البيروني أيضاً عالماً قليل النظير كالرازي، ولكنه كان يتعاطى الفلسفة أيضاً وكانت له مناقشات مع ابن سينا حول المسائل الفلسفية وخاصة فلسفة الطبيعيات وقد قام في كتاب تحقيق ماللهند أيضاً بتحليل الأفكار الفلسفية في بعض الفصول.

2. وفي القرنين 5و6هـ/11و12م أقصيت الفلسفة إلى حد كبير حتى أن الكثير من الشعراء والمتصوفة في ذلك العصر هبوا لمعارضة الفلاسفة على أثر استيلاء الحكام الأتراك على إيران وخاصة السلاجقة ودفاعهم الرسمي عن الكلام الأشعري. وقد كان أبو حامد محمد الغزالي (450-505هـ/1058-1111م) أول شخصية مؤثرة في هذه المسيرة، رغم أن بالإمكان اعتباره هو نفسه فيلسوفاً بالمعنى الأوسع للكمة. فقد نقدَ بشدة الفلسفة المشائية في المنقذ من الضلال الذي يمثل سيرته الذاتية ولخص في مقاصد الفلاسفة آراء ابن سينا وتناولها بالنقد في تهافت الفلاسفة. ورغم أن الغزالي يبدو أشعرياً في بعض آثاره، إلا أننا لا نستطيع أن نعتبره أشعرياً بالكامل . فهو كان أولاً يولي اهتماماً خاصاً لعلم المنطق وسعى لأن يوضح في آثاره مصطلحات المنطق الصوري بكلمات القرآن ولغته. وثانياً أن الغزالي كان عارفاً وقد كتب آثاراً عدة في المعرفة والعلم الإلهي مثل مشكاة الأنوار والحكمة اللدنية والتي تتمتع بأهمية كبيرة من الناحية الفلسفية فضلاً عن كتابة آثار حول علم الأخلاق الصوفية مثل إحياء علوم الدين – الذي هو أهم كتاب أخلاقي في الحضارة الإسلامية، وتعتبر خلاصته بالفارسية باسم كيمياي سعادت من روائع النثر الفارسي - ومن متكلمي ذلك العصر الآخرين الشهرستاني (تـ 547هـ/1152م) ففي مصارعة الفلاسفة هاجم الفلاسفة، وهو الكتاب الذي أجاب عليه فيما بعد الخواجه نصير، كما فعل ذلك الفيلسوف الأندلسي ابن رشد إذ نقد أثر الغزالي في تهافت التهافت وأجاب على اعتراضاته. ولكن فخر الدين الرازي (543-606هـ/ 1148-1209م) العالم ومفسر القرآن والمتكلم الأشعري المعروف يعد أهم متكلم في هذا العصر من الناحية الفلسفية. وقد تناول الإشارات لابن سينا بالتحليل الدقيق وأوضح معانيه المعقدة رغم انتقاده لهذا الأثر وقد كان هذا الأثر هو نفسه الذي اتخذه الخواجه نصري أساساً له في إحياء الفلسفة المشائية، كما يتضمن شرح الإشارات لنصير الدين والذي يعتبر من أهم كتب الفلسفة الإسلامية، نص ابن سينا ونقد فخر الدين الرازي، وقد أجاب نصير الدين على اعتراضاته الواحد تلو الآخر.

ورغم أفول الفلسفة في القرنين 5و6هـ، ظهرت في هذا العصر بعض الشخصيات الفلسفية المهمة والتي تستحق الاهتمام الكبير. إحداها عمـر الخيـام ( ح 520/1126م) والذي لا ينظر إليه اليوم باعتباره فيلسوفاً مشائياً بسبب شهرة الرباعيات المنسوبة إليه، في حين أنه ربما كان أبرز فيلسوف من مدرسة ابن سينا في هذا العصر وعرف في عصره بتسلطه على الفلسفة وترك بعض رسائل قصيرة، وعظيمة للقيمة في نفس الوقت في الفلسفة.

وبالطبع فإن شيخ الإشراق شهاب الدين السهروردي (549- 587هـ/ 1154-1191م) يعد أهم فلاسفة هذا العصر وأحد أبرز الفلاسفة في تاريخ إيران، حيث أسس رغم عمره القصير الذي انتهى بمقتله في حلب، مذهباً جديداً في الفكر الإسلامي باسم حكمة الإشراق، كان يتمتع بنفوذ كبير في إيران والهند والدولة العثمانية إلى حدما. وقد تناول الفلسفة المشائية بالنقد في آثار مهمة مثل المقاومات والمشارع والمطارحات ثم بين في رائعته حكمة الإشراق أساس حكمة الإشراق كما كتب عدداً من الرسائل الفلسفية بالفارسية تعتبر من أبرز النصوص الفلسفية باللغة الفارسية وتتعامل أكثر مع الحكايات التمثيلية . كان شيخ الإشراق يعتبر نفسه وارثاً لكل من الفلسفة اليونانية وفلسفة حكماء الفرس وكان يرى أن الحكيم الحقيقي يجب أن يجمع بين الحكمة البحثية والحكمة الذوقية التي تتأتى عبر تزكية النفس والإشراق. وقد مزج في الحقيقة الفلسفة السابقة مع التصوف وأسس مذهب الإشراق الكبير الذي انتشر في العالم الإسلامي وخاصة إيران بفضل الشرحين الأساسيين اللذين كتبهما شمس الدين الشهرزوري وقطب الدين الشيرازي على حكمة الإشراق بعد جيلين منه، وأخضع لنفوذه معظم فلاسفة القرون التالية في إيران والهند الإسلامية.

3. العصر الطويل نسبياً الممتدة لثلاثة قرون ونصف والذي يوصل الخواجه نصير بالميرالداماد، وهو عصر ذهبي للفلسفة الإسلامية، ولكنه للأسف خضع لدراسة محدودة بالنسبة إلى العصور الأخرى، وعلى أن الكثير من النصوص المهمة في هذا العصر والتي ماتزال محفوظة على شكل مخطوطات في المكتبات، ليست في متناول أيدي العلماء. بدأ هذا العصر بظهور أحد أكبر فلاسفة إيران وعلمائها في الرياضيات، أي الخواجه نصير الدين الطـوسي (597-672هـ/1201- 1273م).كتب نصير الدين خلال حياته المليئة بالاضطرابات المتزامنة مع هجوم المغول على إيران، كتباً بالغة الأهمية في الفلسفة والكلام الاثني عشري، فضلاً عن الآثار الكلامية والفلسفية الإسماعيلية، وأسس بالإضافة الى كتابة شرح على الإشارات لابن سينا، قاعدة الكلام الفلسفي الاثني عشري من خلال كتاب تجريد الاعتقاد. ويعد كتابه أخلاق ناصري رائعة في الأخلاق الفلسفية وهو باللغة الفارسية مثل الكثير من آثاره الأخرى - ومنها أساس الاقتباس في المنطق الذي يتمتع بأهمية خاصة من الناحية اللغوية - ورغم أنه كان عارفاً بالفلسفة الإشراقية، إلا أنه كان يميل أكثر إلى ابن سنيا. وبنشاطاته انبعثت الحياة في الفلسفة المشائية وتخرج في القرن الذي تلاه عدة فلاسفة مشائيين من مدرسة نصير الدين وتعاليمه، مثل الكاتبي القزويني (تـ 675هـ/1276م) صاحب حكمة العين وأثير الدين الأبهري (تـ ح 663هـ/1265م) صاحب الهداية الذي نال شهرة واسعة بفضل شرح الميبدي والملاصدرا وكان لقرون الكتاب الدراسي للمذهب المشائي – وقطب الدين الرازي (692-776هـ/ 1293-1365م) صاحب المحاكمات في الحكم بين الشروح المختلفة للإشارات. ويعد قطب الدين الشيرازي (634-710هـ/1237-1310م) أهم مساعدي نصير الدين في مرقب مراغة الفلكي حيث كان من أبرز العلماء المسلمين وفيلسوفاً وطبيباً وفقيهاً في نفس الوقت. ويعد كتابه درة التاج موسوعة في الفلسفة المشائية وقد كتب بالفارسية وهو من أهم نصوص هذا المذهب مثل الشفاء، ولكن بلون إشراقي، وكذلك شرحه على حكمة الإشراق.

ومن الفلاسفة الآخرين المعاصرين لنصير الدين والذي كانت تربطه علاقة قرابة معه أيضاً على ما ذكر بعض كتّاب التراجم، أفضل الدين الكاشاني (تـ644هـ/ 1246م)، المعروف ببابا أفضل. ويعد من أكثر الفلاسفة المسلمين خلاقية وقد كتب آثاره بالفارسية وقدم مواضيع جديدة أيضاً، خاصة في مجال المعرفة، رغم أنه كان يتبع الفلاسفة السابقين. ويمكن القول إنه فيلسوف معرفة النفس وجميع أفكاره قائمة على هذا الأساس. وتعتبر آثار بابا أفضل الفارسية من روائع النثر الفلسفي الفارسي كما تبقى منه عدد من الرباعيات أيضا. وقد جمع في كيانه بين التصوف والفلسفة، رغم أنه لم يتطرق في آثاره إلى التصوف، إلا قليلاً.

كان مركز الفلسفة في العصر موضوع البحث، في إيران بشكل رئيس ويمكن الحديث عن مدرسة شيراز التي تبدأ بقطب الدين وتنتهي بعد شمس الدين الخفري (تـ ح 960هـ/1553م) وتتداخل في نهاية حياتها الفعالة مع مدرسة أصفهان من الناحية الزمنية. كانت شيراز أولاً في هذا العصر مركز الكلام الفلسفي الأشعري أيضاً، علماً أن أهل السنة هم الذين كانوا يحكمونها، وقد ظهرت من هذه المدرسة شخصيات مهمة مثل عضد الدين الإيجي (تـ 756هـ/ 1355م) صاحب كتاب المواقف وسعد الدين التفتازاني (تـ792هـ/1390م) صاحب شرح الشمسية وميرسيد شريف الجرجاني (تـ 816هـ/ 1413م) صاحب شرح المواقف ومازالت آثار هؤلاء المتكلمين الفلاسفة تحظى باهتمام كبير في الأوساط العلمية لأهل السنة. كما يجب أن نذكر من بين هؤلاء المفكرين جلال الدين الدواني (830-908هـ/1427-1502م) الذي كتب آثاراً عديدة في الكلام والفلسفة وكان في نفس الوقت ميالاً إلى فلسفة الإشراق وكتب شرحاً على هياكل النور للسهروردي والذي كان يُدَّرس في الهند لقرون.

وفي الفلسفة المحضة، يعتبر ميرصدر الدين محمد الدشتكي (828-903هـ/ 1425-1498م) أهم شخصيات هذه المدرسة بعد قطب الدين الشيرازي، وقد لقب أيضاً بـ«سيد السند» و«سيد المدققين». ولم يكن هذا الحكيم القدير ماهراً في العلوم المختلفة والفلسفة فحسب، بل يعد من الفلاسفة المشائيين من الطراز الأول، في نفس الوقت الذي كان فيه مطلعاً على العرفان أيضاً. وكتب رسائل حول الوجود الذهني ولغز الجذر الأصم الذي كان يهتم به الكثير من فلاسفة شيراز وكذلك في معرفة الجواهر والفلاحة، ولكن أهم آثاره شرح الكبير على شرح الجديد للتجريد والذي تطرق فيه إلى مسائل مهمة من قبيل الوجود الذهني وأصالة الوجود، واستند إليه فيما بعد الملاصدرا. كما كانت له مناظرات كثيرة مـع الدوانـي وردت الإشارة إليها في الأسفار للملاصدرا . كما أسس ميرصدر الدين مدرسة المنصورية المهمة التي ماتزال قائمة في شيراز وكانت حتى أكثر من 100 سنة بعده المركز الرئيس للنشاطات الفلسفية في شيراز.

وكان ابن مير صدر الدين، ميرغياث الدين منصور الدشتكي (866-948هـ/1462-1541م) أكبر فلاسفة هذا العصر وكان كالخواجه نصير يتميز بشمولية في العلوم تبعث على الدهشة. ويصفه الملاصدرا الذي عرف عنه أنه لم يكن يثني على حكماء السلف ويشيد بهم، إلا قليلاً، بأنه «المؤيد من عالم الملكوت». كان غياث الدين منصور مطلعاً على المذهبين المشائي والإشراقي والعرفان، ولكنه كان يبقيهما منفصلين عن بعضهما. وأهم آثاره الشرح على التجريد والشرح على هياكل النور. يجدر ذكره أن هناك أشخاصاً آخرين من هذه الاسرة كانوا من بين الفلاسفة المعروفين، وكانوا أيضاً يدافعون بشكل رسمي عن علوم الشيعة بعد أن أصبح المذهب الشيعي المذهب الرسمي في إيران. وقد ذهب البعض منهم إلى الهند، مثل نظام الدين أحمد الذي نشر في دكن فلسفة ابن سينا والمذهب الشيعي وكذلك ابنه سيد علي خان كبير. وكذلك الفيلسوف والعالم المعروف الميرزا فتح الله الشيرازي (تـ 977هـ/1569هـ) الذي ذهب الهند وكان له دور كبير في نشر الفلسفة الإسلامية في ذلك البلد، فقد كان منتمياً إلى مدرسة الدشتكيين وكذلك تلميذه محمد بن محمود دهدار الشيرازي (947-1016هـ/ 1540-1607م) الذي وفق بين الحكمة والعرفان الشيعي وترك رسائل عديدة بالفارسية. وفيما يتعلق بالعلاقة بين شيراز والهند الإسلامية في مجال الفلسفة تجب الإشارة أيضاً إلى شاه طاهر (تـ952هـ/1545م) تلميذ الخفري الذي انشغل في الدكن بتدريس الفلسفة ونشر المذهب الشيعي وترك آثاراً فلسفية.

ويعد الملا شمس الدين محمد فخري آخر فلاسفة مدرسة شيراز المهمين، حيث قضى فترة من عمره في كاشان. وقد كان واحداً من أكثر علماء الطراز الأول في تاريخ الإسلام اختفاءً عن الأضواء، ولكنه خطا في نفس الوقت خطوة كبيرة باتجاه مدرسة الملاصدرا ومزج إلى حدٍ ما بين البرهان والعرفان والقرآن. وقد ابتعد في مسألة العلم الإلهي عن المشائيين وكانت وجهة نظره قريبة مما ذكره الملاصدرا في الأسفار وكان الملاصدرا يولي له أهمية كبيرة. ويمكن أن نذكر من آثاره المحاكمات بين الطبقات الذي هو تقييم لشروح التجريد المختلفة وحاشية على شرح القوشجي الجديد على التجريد وكتاب الأسفار الأربعة وعدد من الشروح الفلسفية على القرآن الكريم. ويعد كتابه الفلكي التكملة في شرح التذكرة أحد أهم كتب تاريخ الفلك في العالم، حيث لم يتم الالتفات إلى أهميته العلمية حتى السنين الأخيرة.

وبالطبع فقد ظهر في هذا العصر خارج نطاق شيراز شخصيات فلسفية مهمة أخرى، مثل السيد حيدر الآملي (تـ بعد 782هـ/1380م) صاحب جامع الأسرار وشرح على النصوص، حيث أدخل الأفكار العرفانية عالم الفكر الديني للشيعة الاثني عشرية وصائن الدين تركة الأصفهاني (تـ836هـ/1433م) صاحب تمهيد القواعد الذي يعتبر من أهم الكتب الدراسية العرفانية وكذلك الكثير من الرسائل الفلسفية والعرفانية التي تظهر ميله إلى المذاهب الثلاثة المشائي، الإشراقي والعرفاني. وبصورة عامة، فإن صائب الدين لم يكن وحده، بل إن الكثير من فلاسفة هذا العصر سعوا أيضاً لأن يقربوا بين المذاهب الفلسفية المشائية والإشراقية والعرفان وبين كلام أهل السنة والشيعة وعلى أثر هذه الجهود تهيأت الأرضية لظهور مدرسة أصفهان وخاصة فلسفة الملاصدر الدين التي هي مزيج من المذاهب السابقة للفكر الإسلامي.

4. مع قيام الدولة الصفوية وانتشار المذهب الشيعي الذي ينسجم مع العلوم العقلية أكثر من علم الكلام لدى أهل السنة، تهيأت الأرضية لانتشار الفلسفة في إيران وتأسست مدرسة جديدة في الفلسفة كان مركزها أصفهان ولذلك، عرفت بمدرسة أصفهان. وكان الميرالداماد يتبع أبا علي وكان في نفس الوقت يهتم بآثار السهروردي، بل إنه كان يتخلص في شعره باسم «الإشراق» . وقد كان الميرالداماد يحمل أفكاراً بديعة في مسألة الزمان والعلاقة بين الحادث والقديم والمعروفة بالحدوث الدهري وقد طرحت في أهم آثاره الفلسفية وهو القبسات. وقد خرّج تلاميذ مهمين بالإضافة إلى تأليف كتب عديدة بالعربية والفارسية، ومنهم الملا شمسا الجيلاني (تـ ح 1064هـ/1654م) صاحب كتاب مسالك اليقين والسيد أحمد العلوي (تـ ح 1060هـ/1650م) صاحب الحواشي على كتاب الشفاء وقطب الدين الأشكوري (تـ بعد 1075هـ/1664م) صاحب كتاب محبوب القلوب وهو كتاب كبير في تاريخ الفكر الفلسفي؛ ولكن الملاصدر الدين كان بالطبع أهم تلامذته والذي ما لبثت شهرته أن تجاوزت أستاذه الكبير والمعروف الذي أسس مدرسة أصفهان.

وقد كــان معاصر الميرالداماد أبو القاسم الميرفندرسكي (تـ 1050هـ/1640م) في أصفهان يتعامل في الغالب مع آثار أبي علي وكان معروفاً باعتباره فيلسوفاً مشائياً، ولكنه سافر هو أيضاً إلى الهند وكتب حاشية على جوك بَشَت ثم إنه دافع في قصيدته المعروفة عن الـمُـثُل الأفلاطونية التي كان ابن سينا قد رد عليها. وقد كانت له يد أيضاً في العلوم الغريبة، وتبقت منه أيضاً رسالة في الكيمياء. وكان أشهر تلامذته الملارجب علي التبريزي (تـ 1080هـ/1669م) صاحب رسالة إثبات الواجب والآقاحسين الخوانساري (تـ1098هـ/1687م) صاحب التعليقات على الشفاء والإشارات من الفلاسفة المشائيين المعروفين.

وقد كان صدر الدين محمد بن إبراهيم الشيرازي (679-1050هـ/1571-1640م) المعروف بالملاصدرا أكبر شخصيات مدرسة أصفهان وربما أبرز حكيم إيراني في مجال الحكمة الإلهية. والذي كان تلميذاً لكل من الميرالداماد والشيخ بهاء الدين العاملي الفقيه، الصوفي، الشاعر وعالم الرياضيات المعروف في ذلك العصر. فقد وفق الملاصدر الدين بين المذاهب الفكرية قبله ومزج بين القرآن والبرهان والعرفان في وحدة جديدة وأسس مذهباً جديداً يدعى الحكمة المتعالية والذي يعتبر حتى اليوم أهم المذاهب الفلسفية الإسلامية في إيران. وتعتبر رائعته الأسفار الأربعة أفضل كتاب في الحكمة النظرية، حيث كتبت عليه شروح وتعليقات عديدة. ونحن نلاحظ في كتاب الملاصدرا أفكار الشيخ الرئيس وأتباعه وشيخ الإشراق وابن عربي وكذلك المتكلمين الشيعة والسنة وخاصة الغزالي وفخر الدين الرازي والخواجه نصير وفي نفس الوقت أقصى استغلال للمصادر التي أدرجت في كتاب مثل أصول الكافي الذي كتب عليه الملاصدرا شرحاً مهماً. كما كتب الملاصدرا تفاسير مهمة على القرآن الكريم وبيان تأويله وشرح معانيه الباطنية. ولكن جميع مظاهر النفوذ هذه صُـبّت في وحدة قوية، وهي عوامل كانت مؤثرة للغاية في ظهور مذهب الحكمة المتعالية، دون أن يكون بالإمكان اعتبار هذا المذهب حصيلة جمع بينها فقط.

أمضى الملاصدرا القسم الأخير من حياته في مسقط رأسه وانشغل فيه بتدريس الفلسفة في مدرسة خان التي كانت بنيت له . ومن أهم تلامذته الملامحسن الفيض الكاشاني (تـ 1091هـ/1680م) المحدث، الشاعر، المتكلم، العارف والفيلسوف المعروف الذي ألف كتاب المحجة البيضاء في إحياء الأحياء وهو أثر أخلاقي فلسفي شيعي مهم ونظم رسالة أصول المعارف في مذهب أستاذه والآخر هو الملا عبد الرزاق اللاهيجي (تـ 1072هـ/1662م) صاحب جوهر مراد ومشارق الإلهام في الكلام الفلسفي. وقد كان هو أيضاً شاعراً بارزاً كالفيض، ولكنه لم يكن يتحدث بشكل علني عن الحكمة المتعالية بسبب المعارضة التي كانت قد ظهرت ضد تعاليم الملاصدرا ولم يترك أثراً في هذا المجال. وكان تلميذهما القاضي سعيد القمي (تـ 1103 أو 1104هـ/1692 أو 1693م) صاحب أسرار العبادات والتعليقات على الأثولوجيا ، ميالاً إلى التصوف أكثر وكان في الفلسفة يتبع في الغالب الملا رجب علي التبريزي والفلسفة المشائية ولم يكن يذكر الحكمة المتعالية. وفي الحقيقة فإن فلسفة الملاصدرا كانت قد هُـمّشت في إيران لقرن، أو قرنين.

كان إحياء فلسفة الملاصدرا وتأسيس مدرسة فلسفية جديدة في إيران على يد الملا علي النوري (تـ 1246هـ/ 1830م) في أصفهان. وقد كان يدرّس كتب الملاصدرا لما يقرب من 70 سنة وخرّج عدة أجيال من هذا المذهب فضلاً عن كتابته تعليقات مهمة على الأسفار. وقد كان من تلامذته الملا محمد إسماعيل الأصفهاني (تـ 1281هـ/1864م) صاحب الحواشي على الشوراق والعارف الكبير السيد رضي اللاريجاني (تـ 1270هـ/1854م) والذي لم يصلنا منه أثر والملا عبدالله الزنوزي (تـ 1264هـ/1848م) صاحب الأنوار الجلية واللمعات الإلهية. وكان الملا هادي السبزواري (1212-1289هـ/ 1797-1872م) العارف والفيلسوف المعروف في القرن 13هـ والذي مازالت آثاره مثل أسرار الحكم وشرح المنظومة متداولة في أوساط تدريس الفلسفة ومن أهم الكتب الدراسية، حيث كان يتصل بحلقة الملاعلي النوري القيّمة عن طريق الملا محمد إسماعيل الأصفهاني وأدرك أيضاً لبضع سنوات محضر الملاعلي النوري. كما كان الملاهادي يميل بشدة إلى التصوف وكتب شرحاً على المثنوي لمولوي وكان هو نفسه يتخلص في أشعاره العرفانية باسم «أسرار». كما عمل كالملا علي النوري على إحياء فلسفة الملاصدرا ولم يضف ملاحظة من عنده على الإيضاحات التي قدمها حوله، سوى في موضين جزئيين.

وفي القرن 13هـ/19م وباختيار طهران عاصمة للأسرة القاجارية أصبحت هذه المدينة تدريجياً مركزاً للفلسفة وظهرت مدرسة طهران. رغم أن النشاطات الفلسفية كانت ماتزال قائمة إلى حدما في خراسان وشيراز وأصفهان نفسها. وقد دعي الملا عبد الله الزنوزي إلى طهران وأقام مع ابنه المـلاعلـي الـزنـوزي (تـ 1307هـ/1890م) في دار الخلافة. وبقي تلميذ الملاعبدالله، جهانگير القشقائي (تـ 1328هـ/1910م) في أصفهان واستمرت الأنشطة الفلسفية في تلك المدينة إلى حدٍ ما على يده، وتواصلت حتى العصر الحديث بحضور شخصيات مثل الميرزارحيم أرباب؛ ولكن إقامة الملاعبد الله في طهران نقلت مركز الثقل إلى هذه المدينة. وقد كان الملاعلي الزنوزي أبرز فيلسوف صدري في ذلك العصر وصاحب كتاب بدايع الحكم والتعليقات المفصلة على الأسفار، كان فيلسوفاً خلاقاً ومبدعاً ولعلنا نستطيع اعتباره رائد الفلاسفة في ذلك العصر من حيث الإبـداع الفلسفي. وقد كان هو وآقا محمدرضا القُمشئي (تـ 1306هـ/ 1889م) – الذي كان من تلامذة سيد رضي اللاريجاني وأكبر أساتذة العرفان النظري في عصره – والميرزا أبو الحسن جلوه (تـ 1314هـ/1896م) – شارح آثار ابن سينا والذي كان مشائي المذهب – يمثلون 3 تيارات فلسفية مهمة هي الحكمة المتعالية وعرفان ابن عربي وحكمة أبي علي في طهران كما خرّجوا تلامذة كثيرين يتصلون بواسطتين بأساتذة الفلسفة الكبار في العصر الأخير مثل الميرزا مهدي الآشتياني والميرزا أحمد الآشتياني والميرزا طاهر التنكابني ومحمد كاظم عصار وأبي الحسن رفيعي القزويني ومحمد حسين الطباطبائي.

5. منذ نهاية العصر القاجاري وحتى اليوم عملت الفلسفة في إيران إلى حد كبير على أحياء أساسها التقليدي من جهة والتصدي للمشاكل الناجمة عن مواجهة الفلسفات الغربية من جهة أخرى. وقد ترجمت منذ ترجمة كتاب مقالة في الأسلوب لديكارت إلى اللغة الفارسية في العصر القاجاري وحتى اليوم آثار كثيرة للفلاسفة الغربيين إلى الفارسية، وقد انجذبت مجموعة من الإيرانيين إلى المذاهب الفلسفية الغربية. ومن جهة أخرى، فقد استمر في العصر الأخير تدريس الفلسفة الإسلامية وازداد ازدهاره بهمة أساتذة الحكمة الكبار في هذا العصر – مثل محمد كاظم عصار، رفيعي القزويني، أبي الحسن الشعراني وأخيراً محمدحسين الطباطبائي الذي أحيى الفلسفة في الحوزة العلمية بقم. وفي هذه الأثناء، سارع البعض مستندين إلى الفكر الفلسفي الإسلامي إلى مواجهة الفلسفات المتشكّكة والمادية والعبثية الغربية وسعوا لأن يفتحوا باباً جديداً في الفلسفة الإسلامية في مواجهة الفكر الغربي. ومن بين الفلاسفة التقليديين كان للطباطبائي في كتاب أصول الفلسفة والمذهب الواقعي وكذلك مرتضى المطهري في بعض آثاره ومهدي الحائري اليزدي في هرم هستي وعلم حضوري دور بارز في هذا المجال. ومن جهة أخرى، فقد سعت مجموعة من المفكرين الإيرانيين الذين كانوا قد تعلموا الفلسفة في كل من المدارس الفلسفية التقليدية في إيران، والغرب، لأن يخطوا خطوات مؤثرة في هذا الطريق.

ويمكن اعتبار إيران المركز الرئيس للفلسفية الإسلامية حتى الآن، فقد شهدت السنوات الأخيرة إقبالاً متزايداً بين مجموعة من الجامعيين وكذلك في الحوزات العلمية على الفلسفة الإسلامية والفلسفة المقارنة وكذلك تقييم الفلسفات الغربية من منظار الفلسفة الإسلامية. وبالطبع فقد مالت مجموعة أصغر لايعتبر عدد أفرادها كبيراً، إلى بعض الفلسفات الغربية؛ ولكن الجهود التي بذلت في العقود الماضية أصبحت الآن تتكلل بالنجاح بشكل عام وأخذ الميل إلى إشاعة الفلسفة والعلوم العقلية يتزايد من جديد في إيران. وهذا الوضع من شأنه أن يؤثر على سائر البلدان الإسلامية والهند وكذلك الغرب، ويتواصل السعي في البلدان الأخرى أيضاً للتعريف بالفلسفة التقليدية الإيرانية وخاصة فلسفة الملاصدرا، حيث بدأ في إيران في الأربعينات والخمسينات من القرن 14ش.

نصر ، سيد حسين .” مدخل إيران “. الموسوعه الاسلاميه الكبري. المشرف العام: السيدكاظم الموسوي البجنوردي. طهران: مركز الموسوعه الاسلاميه الكبري. 1989- ، الجزء 10 ، ص 612 - 607 * منبع :
الروابط