الأسواق الإيرانية

الأسواق الإيرانية

الأسواق الإيرانية

عندما نذكر السوق، فما أول ما يخطر ببالك؟ المحال التجارية، وضجيج البيع والشراء، وروائح العطور والتوابل والجلود. لكن السوق التقليدي في إيران كان شيئًا مختلفًا تمامًا؛ فلم يكن مجرد مركز للتسوق، بل كان مدينةً داخل مدينة. كانت ممراته المسقوفة أشبه بشرايين الجسد، تنقل الحركة والحياة إلى جميع أجزائه. ففي قلب السوق كان يوجد مسجد، ومدرسة، وحمّام، وخان للقوافل، ومقهى، بل وحتى زورخانة، وهي صالة رياضية تقليدية. لذلك، لو أقام شخص في السوق أسبوعًا كاملًا، لما احتاج إلى مغادرته لأداء الصلاة، أو طلب العلم، أو الاستحمام، أو تناول الطعام، أو ممارسة الرياضة.

كانت الأسواق التقليدية في إيران تُقام عادةً في قلب المدينة، بالقرب من القلعة الحكومية والجامع الكبير. ولم يكن هذا الموقع وليد الصدفة؛ إذ كان يتيح للحاكم الإشراف على النشاط التجاري، كما يسهّل وصول الناس إليها. وكان السوق يتكوّن من شارع رئيسي واحد أو عدة شوارع رئيسية، تتفرع عنها ممرات أصغر تصل إلى مختلف أحياء المدينة. وقد بلغ طول بعض الأسواق عدة كيلومترات. ويُعد سوق تبريز، أكبر سوق مسقوف في العالم، أبرز مثال على ذلك، إذ تمتد ممراته لأكثر من سبعة كيلومترات. ويمتد شارعه الرئيسي من الشرق إلى الغرب، بينما تتفرع منه ممرات تتجه شمالًا وجنوبًا، حتى إن الضياع فيه أمر يسير.

وكان سقف السوق يُشيَّد عادةً على هيئة قباب أو عقود، تتخللها فتحات علوية للإنارة تُعرف باسم «جامخانة» أو «روزن». وكانت هذه الفتحات تسمح بدخول ضوء النهار دون أن تنقل حرارة الشمس المباشرة، مما يحافظ على اعتدال درجة الحرارة داخل السوق؛ فيبقى باردًا نسبيًا في الصيف ودافئًا في الشتاء. كما أسهمت سماكة العقود والبناء بالطوب في توفير عزلٍ طبيعي، وفي بعض الأسواق أُضيفت أبراج رياح فوق الأسقف لتجديد الهواء باستمرار، فكان التجول في السوق مريحًا وغير خانق.

وكانت أرضية السوق تُرصف بالطوب، وعلى جانبي الممر تُقام مصاطب بارتفاع يقارب نصف متر تُعرف باسم «التخت». وخلف هذه المصاطب كانت تقع الدكاكين، حيث تُعرض البضائع فوقها بينما يقف الزبون أو يجلس لتفحصها. كما كان السوق منظمًا وفق الحِرَف؛ فللصاغة شارع خاص، ولتجار السجاد شارع آخر، وللعطارين شارع مستقل، وهو تنظيم كان يساعد المتسوق على العثور بسهولة على ما يبحث عنه. ولا تزال هذه الأسماء باقية حتى اليوم في سوق طهران الكبير، مثل شارع الصاغة، وشارع البزّازين، وشارع الإسكافيين.

لكن السوق لم يكن مجرد ممر للعبور، بل كانت تتسع فيه عند نقاط التقاطع ساحات تُعرف باسم «چهارسوق». وكانت هذه الساحات تمثل ملتقى الشوارع الرئيسية، وغالبًا ما تعلوها قبة مرتفعة تتدفق منها الإضاءة عبر فتحاتها العلوية. وكانت «چهارسوق» مكانًا لتجمع الناس، وإعلان الأخبار، وأحيانًا لإلقاء الخطب واندلاع الاحتجاجات. وفي أكبر هذه الساحات كانت توجد بركة ماء تتوسط المكان، تحيط بها بعض الأشجار، فيجلس التجار والمتسوقون إلى جوارها ليستريحوا بعد عناء البيع والشراء، ويرتشفوا الشاي.

وفي قلب السوق كانت توجد أيضًا «التيمجة» و«السرا». فالتيمجة عبارة عن قاعة تجارية مسقوفة تعلوها قبة شاهقة وتتخللها فتحات عديدة للإنارة، وكانت تُخصص عادةً لبيع السلع النفيسة مثل السجاد والأقمشة الحريرية. وتُعد «تيمجة حاجب الدولة» في سوق طهران من أجمل نماذجها. أما «السرا» فهي مساحة أكثر انفتاحًا، تتوسطها ساحة مكشوفة وتحيط بها حجرات من جميع الجهات. وكانت السرا تُستخدم في الغالب كمستودع للبضائع أكثر من كونها مكانًا للبيع بالتجزئة؛ إذ كانت القوافل تفرغ حمولتها فيها، ويعقد التجار الكبار صفقاتهم داخلها.

ومن العناصر الأساسية الأخرى في السوق الخان. وكانت الخانات الواقعة داخل الأسواق أصغر حجمًا من الخانات المنتشرة على الطرق التجارية، لكنها شُيِّدت وفق التصميم نفسه؛ إذ تضم ساحةً مركزية، وحجراتٍ لتخزين البضائع، وإسطبلاتٍ في الجهة الخلفية. وعندما كانت القوافل تصل إلى المدينة، تُنيخ جمالها في الخان، وتفرغ حمولتها، ثم تُنقل البضائع إلى «السرايات» التجارية، بينما يستريح أفراد القافلة في الغرف العلوية. ولا تزال خانات سوقي تبريز وأصفهان قائمة حتى اليوم، غير أن الجمال والقوافل التي كانت تضفي عليها الحياة قد غابت منذ زمن.

ولم يكن السوق يكتمل من دون المسجد، والمدرسة، والحمّام. فمسجد السوق كان يقع عادةً بالقرب من «الجهارسوق» الرئيس، مثل مسجد الإمام (الشاه) في سوق أصفهان، والجامع العباسي في سوق تبريز. وإلى جوار المسجد كانت تقوم المدرسة الدينية، حيث يقيم طلاب العلوم الشرعية في حجراتها، ويتلقون دروسهم، ويعمل بعضهم أحيانًا في السوق. ويجسد هذا الترابط بين التجارة والدين إحدى السمات العميقة في التاريخ الإيراني. أما حمّام السوق، فقد خُصص أساسًا لأهل السوق والتجار، مثل حمّام حاجي رئيس في أصفهان، وحمّام حاجي فرج الله في تبريز. وكان الاستحمام والاستراحة بعد يوم طويل من العمل في المتاجر جزءًا من الروتين الأسبوعي للتجار.

غير أن السوق لم يكن عمارةً فحسب، بل كان أيضًا منظومةً من السلوك والعادات. فقد كانت له تقاليده الخاصة؛ فإذا دخل الزبون متجرًا، كان من آداب الضيافة أن يُقدَّم له الشاي. وإذا أعاد سلعة اشتراها، كان من حقه – خلال ثلاثة أيام – استرداد ثمنها كاملًا إذا لم يكن فيها عيب. كما كان إغلاق الأسواق في المناسبات الدينية وأيام الحداد العام من الأعراف الراسخة. وكان لكل من «الزبون» و«التاجر» حقوق وواجبات، بينما كانت الغش والخداع مرفوضين، على الأقل من الناحية النظرية. أما النظام الحرفي القائم على الأساتذة والمتدربين، فقد كان يتولى تنظيم شؤون السوق، من تحديد الأسعار، وضبط جودة السلع، إلى الإشراف على عدد المتدربين في كل متجر.

ولم يكن السوق مكانًا للتجارة فحسب، بل كان أيضًا مركزًا لتبادل الأخبار والأفكار. ففي العصر القاجاري، كانت الأخبار السياسية والاجتماعية تنتشر في السوق قبل أي مكان آخر. وكان وجود مكتب البرق داخله، ووصول التجار من مختلف المدن، وإقامة المسافرين في الخانات، كلها عوامل جعلت السوق ملتقىً للأخبار والآراء، لا للبضائع وحدها. وقد أدّى السوق دورًا محوريًا في حركة تحريم التبغ، والثورة الدستورية، وحركة تأميم النفط؛ إذ كان التجار يغلقون متاجرهم، ويجتمعون في المساجد، ويعلنون الإضراب. وقد شكّل هذا «البست» أو الاعتصام الذي نظمه أهل السوق أحد أقوى أساليب الاحتجاج في التاريخ الإيراني المعاصر.

أما اليوم، فقد تغيّر حال الأسواق التقليدية. فمراكز التسوق الحديثة، بما توفره من سلالم كهربائية، ومواقف للسيارات، وأنظمة تكييف متطورة، أصبحت منافسًا قويًا للأسواق القديمة. ويفضّل كثير من الشباب ارتياد المجمعات التجارية الحديثة بدلًا من الأسواق التقليدية. ومع ذلك، لا تزال هذه الأسواق تستقطب السياح من مختلف أنحاء العالم؛ إذ تُعد أسواق تبريز، وأصفهان، وكرمان، وسوق القيصرية من أبرز الوجهات السياحية في إيران. فالأزقة التاريخية، والعقود المبنية بالطوب، والمقاهي التقليدية، ومحال السجاد والصناعات اليدوية، تمنح الزائر تجربة لا يمكن أن يجدها في المراكز التجارية الحديثة. كما استعادت بعض الأروقة التي أصابها الركود نشاطها بفضل تجارة الهدايا التذكارية والحرف التقليدية.

ومع ذلك، فإن السوق ليس مجرد معلم سياحي، بل ما زال كائنًا حيًا ينبض بالحياة. ففي الصباح ترتفع أبواب المتاجر، وتنتشر روائح العطارة، وتتعالى أصوات الباعة. وعند الظهيرة، ومع رفع الأذان، يُعلَّق العمل ويتجه الجميع إلى المسجد. ثم يعود السوق إلى نشاطه مع اعتدال الجو في المساء، قبل أن يهدأ ليلًا، فلا يبقى مضاءً سوى مقهى أو اثنان، يجلس فيهما بعض كبار السن يحتسون الشاي أو يدخنون النرجيلة. إنه إيقاع حياة تكرر عبر قرون طويلة؛ فقد تتغير البضائع، لكن روح السوق وسلوك أهله لا يزالان إلى حد كبير كما كانا.

إن أسواق إيران تحكي قصة التجارة، لكنها لا تحكي التجارة وحدها، بل تروي أيضًا كيف يشتري الناس ويبيعون، وكيف يبنون الثقة، ويختلفون، ثم يتصالحون ويتعايشون. ولا يزال السوق، في قلب المدينة، حيًا يتنفس. وما دام هناك من يبيع، ومن يشتري، فسيظل السوق باقيًا.

الإسم الأسواق الإيرانية
الدولة إیران

استنادا الي الضرورات الآنفه الذكر في مجال العلاقات الثقافيه مع شعوب العالم ، فان رابطه الثقافه و العلاقات الاسلاميه حددت اهدافها ضمن اطر معينه ، منها تطوير و تعزيز العلاقات الثقافيه مع الشعوب و الامم المختلفه في العالم ، في سبيل ايجاد لغه واحده للحوار و التفاهم ، و ايضا القيام بالتبادل الثقافي ، و تقديم الصوره الكامله و اللائقه للثقافه و الحضاره الايرانيه و الاسلاميه ، و السعي لتعزيز العلاقات الثقافيه بين ايران و سائر دول العالم و كذلك المنظمات الدوليه ، و السعي الجاد لتحقيق الوحده الاسلاميه ، و التعريف الصحيح بمذهب اهل البيت (ع) و التخطيط و التحرك في مسير تحقيق الهدف المقدس و هو حوار الاديان و الحوار بين الحضارات [المزید]

أدخل النص الخاص بک واضغط على Enter

تغییر حجم الخط:

تغییر المسافة بین الکلمات:

تغییر ارتفاع الخط:

تغییر نوع الماوس: