القرى المدرّجة في إيران؛ عمارة تصالح الجبل والإنسان
القرى المدرّجة في إيران
عندما تنظر إلى الجبل من بعيد، ترى البيوت ملتصقة بسفحه. بيت فوق بيت. سطح المنزل السفلي هو فناء المنزل العلوي. الأزقة فيها درجات، لا منحدرات. صوت خطوات شخص قادم من الأعلى يصل إليك قبل أن تراه بعدة درجات. ثم يظهر ظله على الجدار، وبعدها يظهر هو نفسه. في هذه القرى لا يوجد أي سطح مستوٍ تقريبًا؛ لا الأرض مستوية، ولا الجدران قائمة على نمط واحد.
القرى المدرّجة في إيران هي نموذج معماري وُلد من تضاريس الجبال. فالمهندس المعماري الأول لهذه القرى كان الجبل نفسه، وليس حرفيًا منفردًا. لقد نحت الناس بيوتهم داخل انحدار الجبل، ولم يبنوها على أرض مستوية. وحين كان الجبل شديد الانحدار، والحجر متوفراً، والأراضي الزراعية قليلة، كان على القرية أن تتحرك نحو الأعلى. ماسولة في جيلان، وأبيانه في كاشان، وكندوان في أذربيجان، وبالَنگان في كردستان؛ لكل واحدة منها انحدارها الخاص وموادها المختلفة، لكنها تشترك جميعًا في حقيقة واحدة: البيت العلوي يقع فوق سطح البيت السفلي، والبيت السفلي يصبح جدارًا داعمًا للبيت الأعلى. إنها رياضيات صامتة لم يعلّمها أستاذ لتلميذه، ومع ذلك كان الجميع يعرفونها بالفطرة.
في ماسولة، كان السكان يستخدمون الحجر والخشب. كانوا يبنون الجدران بالحجر، ويغطّون الأرضيات بالعوارض الخشبية، ثم يضعون القرميد على الأسقف. فرطوبة جيلان لا تسمح باستخدام الطين المجفف، لذلك كانوا يجلبون الحجر من الجبل والخشب من الغابة. كانت البيوت متلاصقة إلى درجة أن بعض الأزقة تختفي بين منزلين. وللوصول إلى بيتك، قد تضطر إلى المرور فوق سطح جارك. الدرجات الحجرية تكون دائمًا رطبة، حتى في الصيف. ومن أعلى القرية، تبدو الأسطح الخضراء المغطاة بالطحالب كأنها درجات تمتد حتى أعماق الوادي.
أما أبيانه فهي قرية طينية. تقع على سفح جبل كركس. جدرانها حمراء اللون ونوافذها خشبية. انحدارها شديد، لكنه ليس إلى درجة تجعل استخدام الحجر أمرًا ضروريًا. كان السكان يصنعون الطوب الطيني من تراب القرية نفسها. وقد رُصفت أرضيات الأزقة بالحجارة الصغيرة حتى لا تجرفها مياه الأمطار. سطح كل بيت هو في الوقت نفسه فناء للبيت الأعلى وطريق للعبور. في أبيانه لا توجد أفنية خاصة بالمعنى المعروف، بل هناك مساحة صغيرة فوق الأسطح للجلوس وتجفيف الملابس وأحيانًا للنوم ليلًا. شُيّدت الجدران الطينية العالية للحفاظ على خصوصية العائلة. أما النوافذ الخشبية المزخرفة فتفتح نحو الوادي لا نحو الأزقة. عندما تمشي في أبيانه، تستطيع من نافذة البيت السفلي أن ترى داخل بيت أعلى، لكنك لا تستطيع رؤية البيت المقابل. فالعمارة المدرّجة لها قوانينها الخاصة.
أما كندوان في أذربيجان، فهي ذات شكل أكثر غرابة. فقد نحت السكان بيوتهم داخل الصخور البركانية. كل بيت محفور داخل كتلة صخرية مخروطية الشكل. لا يوجد باب بالمعنى التقليدي، بل فتحة دخول. ولا توجد نافذة واسعة، بل شق صغير. لكن داخل المنزل تظهر غرفة بسيطة ذات رفوف ومنحوتات جصية محفورة داخل الصخر نفسه. الموقد في وسط الغرفة يدفئ البيت، بينما يحافظ عمق الصخر على برودته. عاش سكان كندوان قرونًا داخل الصخور. ولا أحد يعرف من بدأ هذه الفكرة أول مرة. ربما كان راعيًا احتمى ذات يوم من المطر تحت صخرة، ثم حفر داخلها وجلب عائلته، وبعده جاء الجيران، وهكذا تشكلت القرية.
في بالنگان بمنطقة أورامانات، يمر النهر وسط الوادي. تمتد البيوت من قاع الوادي حتى القمم، ملتصقة بسفح الجبل. الدرجات الحجرية تربط أزقة القرية بعضها ببعض. لا توجد شوارع بالمعنى المعتاد، بل خطوط حجرية يستخدمها الناس للتنقل. تجلس النساء قرب الدرجات ويغزلن الخيوط، ويسمع الجيران أصوات بعضهم من دون أن يروا بعضهم دائمًا. ومن أعلى القرية لا يُسمع سوى صوت النهر وصوت الملاعق وهي تصطدم بالقدور.
الحياة في هذه القرى لم تكن سهلة. كان على السكان نقل المياه من الأسفل أو من ينابيع أعلى الجبل. وكان عليهم توجيه مياه الصرف بطريقة لا تتسرب إلى البيوت السفلى. وقد علّمتهم سنوات طويلة من التجربة مقدار ميل الأرضية المطلوب حتى تتحرك المياه نحو الأسفل لا إلى داخل المنازل. كانوا يبنون الدرجات بأبعاد محسوبة حتى لا تتجمع مياه الأمطار عليها، ويصممون أرضيات البيوت بحيث إذا تسرب الماء من الجدار العلوي لا يدخل إلى الغرف. هذه المعرفة لم تُكتب في كتب، لكنها انتقلت من الآباء إلى الأبناء.
للضوء في العمارة المدرّجة خصوصية مميزة. فالبيت السفلي قد يستقبل ظل البيت الأعلى، لكن المعمار المحلي كان يعرف حركة الشمس بدقة. كان يدرك أن شمس الشتاء تكون منخفضة، لذلك كان يوجه الغرف بحيث تحصل على أكبر قدر ممكن من الضوء. يدخل ضوء الصباح من شقوق الأبواب، وضوء الظهر من فتحات السقف، وضوء العصر من النوافذ الخلفية. في اليوم المشمس، قد يدخل الضوء إلى البيت الحجري من ثلاث جهات، لكن عبر فتحات مختلفة في كل مرة. أطفال القرية يعرفون أماكن الضوء؛ يعرفون أين يضعون الطعام ليصل إليه الدفء، وأين يضعون العشاء حتى يبقى ساخنًا مدة أطول.
أما الخصوصية في العمارة المدرّجة فلها معنى مختلف. فمن البيت السفلي يمكنك سماع أصوات أطفال البيت الأعلى وهم يلعبون فوق السطح، وقد تشم رائحة طعامهم، لكنك لا تستطيع رؤية فناء خاص بهم، لأنه لا يوجد فناء بالمعنى التقليدي. الجار الأعلى قد يراك جالسًا على سطح بيتك، لكنك لا تراه إلا إذا وقفت ونظرت من حافة السقف. إنها اتفاقية غير مكتوبة: على كل شخص أن يحترم حرمة سطح جاره. في هذه القرى، سطح المنزل هو حدود الإنسان الخاصة. خلف السقف يوجد الجار، وهنا توجد مساحته الخاصة.
اليوم لا تزال ماسولة وأبيانه وكندوان وبالنگان مأهولة، لكن عدد سكانها أقل من الماضي. فقد انتقل الشباب إلى المدن ذات الشوارع المستوية والطرق المعبدة. بعض البيوت الحجرية والطينية بقيت فارغة، وبعضها اشتراه السياح، وبعضها تحول إلى أماكن إقامة بيئية. ما زالت النساء المسنات يجلسن أمام الأبواب وينظرن إلى الدرجات. يصل صوت خطوات أحذية المتنزهين من الأعلى، وتنتشر رائحة الخبز الطازج في الأزقة، وتقفز قطة من سطح إلى آخر. الحياة لا تزال مستمرة، لكنها أبطأ مما كانت عليه في الماضي.
عمارة القرى المدرّجة هي حكاية وضع بيت فوق بيت، فوق المنحدر، فوق الحجر، وفوق الطين. إنها قصة أناس أخذوا طريقهم من الجبل لا من مخططات المدن. لا توجد شوارع مستقيمة وطويلة، ولا تناظرات هندسية صارمة، ومع ذلك اجتمعت آلاف الدرجات الحجرية وآلاف النوافذ الخشبية جنبًا إلى جنب حتى تبدو القرية من بعيد كأنها رقعة شطرنج عملاقة. شطرنج قطعُه هي بيوت الناس، وكل قطعة احتضنت عائلة لسنوات طويلة؛ في برد الشتاء وحرارة الصيف، وهي معلّقة على سفح الجبل.
| الإسم | القرى المدرّجة في إيران؛ عمارة تصالح الجبل والإنسان |
| الدولة | إیران |
_1.jpg)
_1.jpg)
_1.jpg)
_1.jpg)
_1.jpg)
_1.jpg)
Choose blindless
العمى الأحمر العمی الأخضر العمی الأبیض اللون الأحمر من الصعب رؤیته اللون الأخضر من الصعب رؤیته اللون الأزرق من الصعب رؤیته أحادی اللون أحادی اللون خاصتغییر حجم الخط:
تغییر المسافة بین الکلمات:
تغییر ارتفاع الخط:
تغییر نوع الماوس: