تخت جمشید؛ منصّةُ الإمبراطورية

تخت جمشید؛ منصّةُ الإمبراطورية

تخت جمشید؛ منصّةُ الإمبراطورية

تخت جمشید؛ صفّةُ الحُكم

عمودٌ من الحجر الأبيض، أعلى من شجرة السَّرو، يقف شامخًا في وسط السهل. تشرق شمس الصباح من خلفه، فتلقي بظلٍّ طويلٍ ونحيلٍ على الأرض. عند قاعدة العمود، درجاتٌ حجرية عريضة ومنخفضة. وعلى كتفه تاجٌ حجري على هيئة ثورٍ جالس، برأسين ينظران إلى جهتين متعاكستين. كان عارضٌ خشبي يستقر بين الرأسين، جزءًا من سقفٍ كان قائمًا ذات يوم. أمّا اليوم، فلم يبقَ من العارض سوى الحجر والظل. هنا تخت جمشيد؛ المكان الذي نطق فيه الحجر الصامت بلغة التاريخ.

لم تكن تخت جمشيد مجرّد قصر. إنها صفّةٌ عظيمة ترتفع عدة أمتار عن سطح الأرض، مستندةً إلى سفح جبل الرحمة. حُفرت الأرض، ورُصّت الحجارة والتراب، حتى تشكّلت منصةٌ هائلة تتجاوز مساحتها مئةً وعشرين ألف متر مربع. ويبلغ ارتفاع الصفّة من أدنى نقطة فيها إلى أعلاها أربعة عشر مترًا. كان الإنسان الذي يصعد درجاتها الواسعة والمنخفضة لا يشعر بالتعب ولا بالعجلة؛ بل تتاح له الفرصة ليتأمل النقوش البارزة على الجدران: صفوفًا من شعوب مختلفة، لكل شعب لباسه وعاداته. يحملون الهدايا بأيديهم؛ أحيانًا أقمشة حريرية من الشرق، وأحيانًا كؤوسًا ذهبية من ليديا، أو عاج الفيلة من الهند، أو جمالًا ذات سنامين من باختر. جميعهم يتجهون نحو المركز. هناك نظام واضح في هذه الحركة، ليس نظامًا مفروضًا بالقوة، ولا حركة عفوية، بل نظامٌ من طبيعة الحكم والسلطة.

حكم الأخمينيون من نهر السند إلى النيل. عشرات الشعوب، وعشرات اللغات، وعشرات المعتقدات. ولإدارة هذا الامتداد الواسع، كانت القوة قادرة على فرض السيطرة، لكنها لم تكن كافية لصناعة الاستمرار. كانت الإمبراطورية بحاجة إلى فكرة تجمع هذا التنوع كله في صورة واحدة. وكانت تخت جمشيد هي تلك الصورة.

فهي ليست معبدًا، ولا ضريحًا، ولا قصرًا ملكيًا بالمعنى التقليدي. إنها مكان «البَار العام»؛ حيث كان الملك يستقبل وفود الشعوب في عيد النوروز. إن عمارتها تعيد تمثيل طقس الاستقبال، وتحوّل التنوع السياسي والثقافي للإمبراطورية إلى مشهد بصري منظم.

تصعد السلالم من جهتين إلى الصفّة. يأتي الضيوف من اليمين واليسار، وفي الوسط تجمعهم بوابة عظيمة تُعرف باسم «بوابة الأمم». وعلى مدخليها يقف ثوران مجنّحان برأس إنسان، يبلغ ارتفاع كل منهما نحو خمسة أمتار. وعندما تعبر تلك البوابة، تصل إلى شارع واسع يُعرف باسم «شارع الجيش». وعلى جانبي الطريق، تمتد جدران من الطوب والحجر تحمل نقوش الجنود الأخمينيين الخالدين. ومن هناك تصل إلى القاعة الكبرى، إلى «الأبادانا»؛ قلب المشهد الإمبراطوري في تخت جمشيد.

قاعة الأبادانا: بيانٌ حجريّ عن النظام والإمبراطورية

تضم قاعة الأبادانا ستةً وثلاثين عمودًا. يتجاوز ارتفاع كل عمود منها عشرين مترًا. أمّا السقف فكان خشبيًا، لا حجريًا ولا مقببًا. وكان الخشب يُجلب من لبنان، من أشجار الأرز ذات الرائحة العطرة والمقاومة للحشرات. تستقر العوارض الخشبية على أكتاف تيجان الأعمدة التي تأخذ شكل الثيران والأسود. لكل تاج رأسَان؛ أحدهما ينظر نحو الشرق والآخر نحو الغرب. وتوضع العارضة الخشبية بين الرأسين لتنقل وزن السقف إلى العمود.

كان الثور رمزًا للخصوبة والزراعة، والأسد رمزًا للقوة والملكية. أما الرأسين المتجهين إلى جهتين متعاكستين، فيرمزان إلى الحكم الممتد شرقًا وغربًا. إن قاعة الأبادانا، بأعمدتها وتيجانها ونقوش سلالمها، كانت بيانًا معماريًا واضحًا: النظام، والسلطة، والوحدة في التنوع. وقدّر علماء الآثار أن هذه القاعة كانت قادرة على استيعاب نحو عشرة آلاف شخص.

تُعدّ السلالم الشرقية للأبادانا أشهر أجزاء تخت جمشيد. تمتد النقوش البارزة على جانبي الدرجات في صفوف أفقية متعددة. في الصف الأعلى يظهر المبعوثون الفرس والميديون، وتحتهم وفود اليونان وبابل ومصر والحبشة والهند وسوغديا وعشرات الشعوب الأخرى. تختلف الهدايا التي يحملونها؛ فهذا يقدم الأقمشة، وذاك يحمل الأواني الذهبية، وآخر يحمل عاج الفيل، ورابع يقود الأغنام. لكنهم جميعًا يسيرون في صف واحد، بإيقاع واحد، نحو المركز.

لا نرى في هذه النقوش أسرى أو مشاهد حرب. بل نرى احترامًا دقيقًا لهوية كل شعب: الملابس، وتسريحات الشعر، واللحى، والقبعات، والأحذية، كلها نُحتت بعناية فائقة. وفي الصف الأعلى يظهر الملك جالسًا على العرش، وخلفه ولي العهد، وأمامه رئيس المراسم. لا يحمل الملك سيفًا ولا رمحًا، بل يمسك زهرة اللوتس. إنها صورة لحكم لا يقوم على العنف والغزو، بل على النظام والعدل وإدارة الإمبراطورية.

تخت جمشيد لا يتحدث عن الحرب، بل عن النظام. نظام لا يحتاج إلى إعلان الحرب، لأن مرحلة الصراع قد انتهت.

في تخت جمشيد لا يقف أي مبنى منفردًا عن الآخر. فقصر داريوس (التَّچَر)، وقصر خشايارشا (الهدِيش)، وقصر أردشير، وقاعة المئة عمود، والخزانة، والحريم؛ كلها مترابطة عبر الممرات والبوابات والساحات. لكل مبنى وظيفته، لكنه جزء من وحدة متكاملة.

كانت قاعة المئة عمود، ثاني أكبر قاعات تخت جمشيد، تضم مئة عمود حجري، وربما كانت مخصصة لاجتماعات كبار رجال الدولة والوزراء أثناء مراسم الاستقبال. أما قصر التچر، فهو القصر الخاص بداريوس، والمبني من الحجر الأسود. وتحمل درجاته نقوشًا للخدم وهم يحملون المناشف والعطور والأواني. أما الحريم الواقع في الجنوب الشرقي من الصفّة، فكان يضم غرفًا متعددة للنساء وأبناء الملك.

هذا التنظيم المتكامل كان صورة مصغرة للإمبراطورية نفسها: عناصر متعددة، لكل منها دور مختلف، لكنها تعمل ضمن نظام واحد. لم يكن المعمار الأخميني يبني قصورًا متفرقة، بل كان يريد أن يقول إن النظام يأتي من المركز، وإن كل شيء يرتبط بالمركز.

انظروا إلى الحجر تحت أقدامكم. صُنعَت صفّة تخت جمشيد من كتل حجرية ضخمة، من دون استخدام الملاط، بل عبر تقنيات دقيقة من الوصل والتثبيت المعدني. قُطعت الحجارة وصُفّت بحيث تبقى متماسكة عبر الزمن. مرّت عليها خمسة وعشرون قرنًا من المطر والشمس، ولم تتحرك من مكانها. بعض هذه الحجارة يزن عدة أطنان.

كيف قطعوها ونقلوها ورفعوها إلى هذا الارتفاع؟ باستخدام الرافعات البدائية، والبكرات، والقوة البشرية. لم تكن هناك رافعات حديثة ولا شاحنات، ومع ذلك بلغت الدقة حدًّا يجعل الفجوات بين بعض الحجارة بالكاد تسمح بمرور ورقة. هذه المتانة كانت انعكاسًا لمتانة الفكرة التي أرادت الإمبراطورية ترسيخها: بناء يتحدث حتى بعد آلاف السنين.

لكن تخت جمشيد ليس مجرد نظام وقوة. ففي تفاصيله الصغيرة تظهر الحياة اليومية. على درجات قصر التچر نرى خادمًا يحمل منشفة، وفي موضع آخر شخصًا يحمل وعاءً. وفي الألواح الطينية التي عُثر عليها في الموقع، سُجلت أسماء العمال. رجال ونساء، فرس ومصريون وبابليون ويونانيون. لم يكونوا مجهولي الهوية، بل كانوا يتقاضون أجورًا، أحيانًا على شكل سلع وأحيانًا من الفضة.

إن عمارة تخت جمشيد صُممت من الأعلى، لكنها بُنيت من الأسفل. وهذا أيضًا صورة عن الإمبراطورية: الأمر يأتي من المركز، والعمل يأتي من الجميع.

أحرق الإسكندر المقدوني تخت جمشيد. وتروي بعض الروايات أنه أحرق القصر في إحدى الولائم بتحريض من امرأة يونانية. احترقت الأسقف الخشبية وسقطت، لكن الأعمدة الحجرية بقيت واقفة. فالنار لا تهزم الحجر.

واليوم نراها بلا أسقف، بلا أحمال، وسط السهل. كانت قاعة الأبادانا تضم ستةً وثلاثين عمودًا، بقي منها ثلاثة عشر عمودًا قائمًا. وفي قاعة المئة عمود لم يبقَ سوى جذوع الأعمدة، بينما ترقد التيجان الحجرية على الأرض، كأن الثيران والأسود عادت إلى التراب.

لكن السلالم والمداخل والنقوش ما زالت في أماكنها. وظلال الأعمدة تتحرك كل يوم من الصباح حتى الغروب فوق الصفّة.

ذلك العمود الحجري الذي رأيته في البداية لا يزال واقفًا. ثوراه ذوَا الرأسين ما زالا ينظران نحو الشرق والغرب. كان يومًا يحمل سقفًا من خشب الأرز يحمي الناس من الحر والبرد. أما اليوم، فلم يعد الحر والبرد هو المهم. بقيت القامة فقط.

قامة فكرة جمعت شعوبًا مختلفة تحت سقف واحد. احترق السقف، لكن الفكرة لم تحترق.

تخت جمشيد لا يشرح، ولا يقول من كان على حق. إنه فقط يقف. ووقوفه في قلب السهل الأحمر، أمام الجبال العارية وتحت سماء صافية بلا غيوم، هو بحد ذاته أعظم درس.

الإسم تخت جمشید؛ منصّةُ الإمبراطورية
الدولة إیران

استنادا الي الضرورات الآنفه الذكر في مجال العلاقات الثقافيه مع شعوب العالم ، فان رابطه الثقافه و العلاقات الاسلاميه حددت اهدافها ضمن اطر معينه ، منها تطوير و تعزيز العلاقات الثقافيه مع الشعوب و الامم المختلفه في العالم ، في سبيل ايجاد لغه واحده للحوار و التفاهم ، و ايضا القيام بالتبادل الثقافي ، و تقديم الصوره الكامله و اللائقه للثقافه و الحضاره الايرانيه و الاسلاميه ، و السعي لتعزيز العلاقات الثقافيه بين ايران و سائر دول العالم و كذلك المنظمات الدوليه ، و السعي الجاد لتحقيق الوحده الاسلاميه ، و التعريف الصحيح بمذهب اهل البيت (ع) و التخطيط و التحرك في مسير تحقيق الهدف المقدس و هو حوار الاديان و الحوار بين الحضارات [المزید]

أدخل النص الخاص بک واضغط على Enter

تغییر حجم الخط:

تغییر المسافة بین الکلمات:

تغییر ارتفاع الخط:

تغییر نوع الماوس: