الحمّامات الإيرانية
عندما نذكر الحمّام، فما أول ما يخطر ببالك؟ لعلّك تتخيّل فضاءً مكسوًّا بالبلاط، تتصاعد فيه أبخرة الماء الساخن، وتفوح فيه رائحة الصابون. لكن الحمّامات التقليدية في إيران كانت شيئًا مختلفًا تمامًا. فلم تكن مجرد أماكن لغسل الجسد، بل كانت مؤسسةً اجتماعيةً لها قوانينها غير المكتوبة، وعمارتها المعقدة، وعاداتها التي ترافق الإنسان منذ طفولته حتى شيخوخته. وكان الذهاب إلى الحمّام جزءًا من إيقاع الحياة الأسبوعي، لا مجرد نشاط ترفيهي في عطلة نهاية الأسبوع.
في إيران القديمة، كان للماء مكانة مقدسة. ففي الديانة الزرادشتية كان الحفاظ على نقاء الماء والتراب والنار من الواجبات الدينية. غير أن هذه القداسة لم تمنع من إنشاء الحمّامات العامة. فقد عرفت المدن الساسانية حمّامات مزودة بنظام تدفئة أرضية (الهيبوكوست)، وهو النظام نفسه الذي استخدمه الرومان. إلا أن آثارًا قليلة فقط بقيت من تلك الحقبة، أما معظم الحمّامات التي نراها اليوم فتعود إلى العصر الإسلامي، ولا سيما منذ القرن الرابع الهجري فصاعدًا. وقد بلغ فن بناء الحمّامات في إيران أوجه، شأنه شأن كثير من الفنون الأخرى، في العصر الصفوي ثم القاجاري.
والآن، لندخل حمّامًا تقليديًا، لا بوصفنا سياحًا، بل بوصفنا شخصًا عاديًا جاء ليغتسل استعدادًا لصلاة الجمعة.
بمجرد دخولك، تصل أولًا إلى السَّربينة، وهي قاعة واسعة تعلوها قبة، تتخللها فتحات للإنارة، وتتوسطها منصة مرتفعة. وكانت السربينة مكانًا لتبديل الملابس، لكنها لم تقتصر على ذلك؛ فقد كانت أيضًا مكانًا للحديث، واحتساء الشاي، وتدخين النرجيلة، وعقد الصفقات، بل وحتى الاتفاق على الزيجات. وكان الناس يمضون فيها ساعات طويلة، يجلس فيها الغني والفقير جنبًا إلى جنب، ولا يميز بينهما إلا موضع الجلوس؛ فالمصاطب المرتفعة كانت مخصصة لكبار السن ووجهاء القوم، أما الآخرون فيجلسون على المصاطب العادية.
وبعد اجتياز السربينة، يوصلك ممر قصير ومتعرج إلى الگرمخانة (قاعة الاستحمام الساخنة). وقد صُمم هذا الممر بحيث يمنع تسرب الهواء البارد إلى الداخل، ويحافظ في الوقت نفسه على حرارة القاعة. وفي وسط الگرمخانة توجد بركة كبيرة، تحيط بها مصاطب من الحجر أو الرخام. أما السقف المقبب، فتنتشر فيه فتحات صغيرة تسمح للضوء بالتسلل برفق، فيضيء المكان بنور هادئ غير مبهر. وكانت درجة الحرارة تتراوح بين ثلاثين وأربعين درجة مئوية مع رطوبة مرتفعة، حتى يتصبب العرق من الجسد. وهناك كان الناس يغسلون أجسادهم، ويفركونها بالكيس التقليدي، ويغسلون شعورهم. وفي هذا المكان أيضًا كان يعمل الدلّاكون، وهم رجال أقوياء اشتهروا بتدليك الأجسام، وكانت مهنتهم تنتقل من الآباء إلى الأبناء.
لكن الگرمخانة لم تكن مجرد بركة وعدة مصاطب، بل كانت تخفي تحتها نظامًا معماريًا متقنًا. فأسفل أرضيتها كان يوجد فرن يُعرف باسم تختهدون، تُشعل فيه النار، فتنتقل الحرارة عبر الفراغات الموجودة تحت الأرضية الحجرية لتدفئة المكان. أما الدخان، فكان يخرج عبر مداخن مخفية داخل الجدران. وكان هذا النظام يشبه نظام الهيبوكوست الروماني، لكنه نُفذ بمواد محلية وخبرة هندسية إيرانية. ولو تحطمت بلاطات الأرضية يومًا، لأمكن رؤية الفراغات التي تمر عبرها الحرارة والدخان. والمدهش أن الأرضية، رغم وجود النار تحتها، لم تكن حارقة، لأن المسافات وسماكة الحجارة حُسبت بدقة بحيث تنقل دفئًا مريحًا لا حرارة مؤذية.
أما الماء الساخن، فكان يُسخَّن في قدور نحاسية كبيرة تُعرف باسم ديگ الحمّام، توضع فوق الفرن نفسه. وكان الماء البارد يصل إليها من القناة الجوفية (القَناة/القَنات) أو من البئر، بعد أن يُخزن في خزان فوق السطح أو في الطابق السفلي، ثم يُنقل عبر أنابيب فخارية إلى القدور. وبعد تسخينه، يُوزع بواسطة أنابيب نحاسية أو فخارية إلى بركة الگرمخانة. ولم يكن الماء الخارج منها شديد السخونة فيحرق الجلد، ولا باردًا، بل بدرجة حرارة معتدلة. وقد استطاع المعماريون الإيرانيون التحكم في حرارة الماء من خلال ضبط المسافة بين القدور والنار وسرعة دوران المياه، وكل ذلك بحسابات هندسية دقيقة، لا بأجهزة قياس أو منظمات حرارة حديثة.
ولنعد الآن إلى الفضاء الداخلي. ففي الگرمخانة، وإلى جانب المصاطب العامة، كانت توجد أحيانًا حجرات صغيرة تُعرف باسم الخلوة. وقد خُصصت هذه الحجرات للأسر الميسورة أو لمن يرغب في الاستحمام بعيدًا عن أنظار الآخرين. وكان مدخل الخلوة منفصلًا عن السربينة، ولها باب يُغلق من الداخل. كما كانت بعض الحمّامات تضم قسمين منفصلين، أحدهما للرجال والآخر للنساء، أو كانت تخصص ساعات معينة من اليوم للنساء. أما في الحمّامات الصغيرة التي لم يكن الفصل المعماري فيها ممكنًا، فكان يُرفع علم فوق السطح؛ فإذا كان مرفوعًا علم الناس أن الحمّام مخصص للنساء، وإذا أُنزل كان مخصصًا للرجال.
لم يكن الذهاب إلى الحمّام يقتصر على الاغتسال فحسب، بل كان طقسًا اجتماعيًا يرتبط بمختلف مراحل الحياة. ففي ليلة چهارشنبه سوري كان الناس جميعًا يقصدون الحمّام، وقبل الزواج كان العريس والعروس يذهبان كلٌّ على حدة إلى الحمّام، وبعد الولادة كانت الأم تُؤخذ إليه للاستحمام. وهكذا رافق الحمّام الإنسان منذ المهد حتى اللحد.
ولم تكن الحمّامات تخلو من الزخارف والجمال؛ فقد زُيّنت بالبلاط الفسيفسائي ذي الرسوم النباتية، والجداريات المستوحاة من قصص الشاهنامة، والرخام الوردي، والطوب المزجج. وقد يبدو غريبًا أن تُبذل كل هذه العناية الجمالية في مكان يقصده الناس للاستحمام، لكن الحمّام لم يكن مجرد مرفق خدمي، بل كان جزءًا من هوية المدينة. وكان تشييد الحمّام، شأنه شأن بناء المسجد، يُعد من أعمال البر والإحسان. لذلك كان المحسنون والواقفون، بل وحتى الملوك والوزراء، يبنون الحمّامات تخليدًا لأسمائهم، وتُسجل أسماؤهم وتاريخ البناء على نقوش تعلو المداخل. وبعض هذه الحمّامات، مثل حمّام خان في يزد وحمّام گنجعلي خان في كرمان، يتمتع بجمال معماري يثير الإعجاب حتى يومنا هذا.
لكن مع دخول شبكات المياه الحديثة والحمّامات المنزلية في أواخر العصر القاجاري وبدايات العصر البهلوي، بدأت الحمّامات العامة تفقد مكانتها تدريجيًا. فلم يعد الناس بحاجة إلى ارتيادها كل أسبوع، بعدما أصبح الماء الساخن متوفرًا في المنازل، وانتشرت شبكات الصرف الصحي. وفقد الدلّاكون مهنتهم، وخَلَت قاعات تبديل الملابس من روادها، وبردت قاعات الاستحمام. وهُدمت بعض الحمّامات، وحُوّل بعضها الآخر إلى مخازن أو متاجر، بينما بقي بعضها قائمًا حتى اليوم، ولكن من دون ماء يملأ أحواضه.
ومنذ أواخر سبعينيات القرن الرابع عشر الهجري الشمسي (أواخر تسعينيات القرن العشرين)، بدأت موجة واسعة لترميم الحمّامات التاريخية. واليوم تحوّل كثير منها إلى متاحف، أو مقاهٍ ومطاعم تقليدية، أو معارض فنية. ومن أبرزها حمّام وكيل في شيراز، وحمّام الشاهزادگان في أصفهان، وحمّام چهار فصل في أراك، حيث اكتسب كل منها وظيفة جديدة. وفي بعضها، مثل حمّام خان في يزد، لا تزال الأرضيات الرخامية تحتفظ ببريقها الذي صقلته أقدام ملايين الزوار عبر القرون. وإذا جلست هناك في صمت، فقد تتخيل أنك تسمع صوت قطرات الماء وهي تتساقط من القباب، أصواتًا ترددت عبر مئات السنين، ثم خفتت مع مرور الزمن.
إن الحمّامات الإيرانية تروي جانبًا مهمًا من العمارة الإيرانية؛ فقد كانت أماكن للنظافة، والصحة، واللقاء، والاستراحة بعد أسبوع طويل من العمل والمشقة. وهي عمارة استطاعت، بوساطة النار والماء والحجر والآجر، أن تمنح الناس الراحة والكرامة. واليوم، بعدما لم يعد ارتياد الحمّام طقسًا من طقوس الحياة اليومية، لعل التأمل في هذه الفضاءات الصامتة يذكّرنا بأن تطهير الجسد كان، في كثير من الأحيان، يقترن أيضًا بتطهير الروح.
| الإسم | الحمّامات الإيرانية |
| الدولة | إیران |
_1.jpg)
_1_1.jpg)
_1.jpg)
_1_1.jpg)

_1.jpg)
_1_1.jpg)
_1.jpg)
_1_1.jpg)

Choose blindless
العمى الأحمر العمی الأخضر العمی الأبیض اللون الأحمر من الصعب رؤیته اللون الأخضر من الصعب رؤیته اللون الأزرق من الصعب رؤیته أحادی اللون أحادی اللون خاصتغییر حجم الخط:
تغییر المسافة بین الکلمات:
تغییر ارتفاع الخط:
تغییر نوع الماوس: