شيراز: عمارة الشعر، والحدائق، وعتبة الجمال

شيراز: عمارة الشعر، والحدائق، وعتبة الجمال

شيراز: عمارة الشعر، والحدائق، وعتبة الجمال

 

لفهم عمارة شيراز، ينبغي أن نضع المخططات والمسطرة جانبًا للحظة، ونفتح بدلًا منها ديوان حافظ. فهذه المدينة لا تُفهم بمنطق الهندسة الجاف، بل بمنطق الشعر. وإذا كانت العمارة في كثير من أنحاء العالم تروي قصة سلطة الملوك، وعظمة الإمبراطوريات، وهيبة القلاع، فإن عمارة شيراز تهمس بحكاية مختلفة؛ حكاية بستانٍ أنزل الفردوس إلى الأرض، وضريحٍ تحوّل إلى معبد للحب والفكر، وفضاءٍ محا الحدود بين الأرض والسماء، حتى يشعر فيه الزائر والسائح، على السواء، بالخفة والانعتاق.

لقد اشتهرت شيراز، مدينة الشعر والخمر (في الأدب) والسرو، عبر تاريخها بالفكر والأدب والفنون أكثر مما اشتهرت بالسياسة والحروب. وقد انعكست هذه الروح بصورة مدهشة في عمارتها أيضًا. فعلى خلاف المباني المهيبة التي تُجسّد السلطة، تقوم عمارة شيراز على الانطواء الرقيق، والفضاءات البينية، والدعوة إلى التأمل والتوقف. إنها عمارة لا تهدف إلى إبهار الإنسان أو إخضاعه، بل إلى احتضانه.

الحديقة الإيرانية: فردوسٌ مسوَّر على الأرض

ولكي تبدأ رحلة فهم عمارة شيراز، فلا بد أن تبدأ من الحديقة، لا بوصفها خلفية خضراء للمبنى، بل باعتبارها الفكرة المعمارية ذاتها. فالحديقة الإيرانية، التي أدرجتها اليونسكو ضمن التراث العالمي تحت عنوان «الحدائق الإيرانية»، تبلغ في شيراز ذروة نضجها المفهومي والفراغي. وحدائق إرم، وجهان‌نما، ودلگشا ليست مجرد أسماء شاعرية، بل هي برامج مكانية تعكس طبيعة هذه الفضاءات.

فالحديقة الإيرانية تقوم على نظام هندسي دقيق، ينبثق من رؤية ميتافيزيقية للعالم. إذ تُقسَّم إلى أربعة أقسام بواسطة قناتين مائيتين متقاطعتين (نظام جهار باغ)، تلتقيان في حوض يتوسط الحديقة. وهذا التخطيط ليس مجرد نموذج جمالي لتنسيق الحدائق، بل هو تجسيد أرضي لصورة الجنة الواردة في القرآن الكريم: ﴿جناتٍ تجري من تحتها الأنهار﴾. فالمعماري الإيراني، حين يرسم مجاري المياه ويغرس أشجار السرو والأشجار المثمرة بينها، إنما يؤطر قطعةً من السماء على سطح الأرض.

وما يميز هذا الفضاء عن الحدائق الحديثة هو مبدأ الاحتواء. فالحديقة الإيرانية تُحاط بجدران طينية عالية تعزلها عن الصحراء وعن صخب العالم الخارجي. وما إن تعبر بوابتها حتى تشعر وكأن ستارًا قد انكشف عن عالم آخر. إن هذه الجدلية بين الداخل والخارج هي جوهر تجربة الحديقة الشيرازية: في الخارج غبار، وحرارة، وضجيج المدينة؛ وفي الداخل سكون، وظلال، وعبير زهر النارنج، وهمس المياه.

أما الكوشك، وهو المبنى الرئيس الذي يتوسط الحديقة أو يقع في نهايتها على محور «جهار باغ»، فليس كتلةً معماريةً ثقيلة تفرض حضورها، بل هو إيوان مفتوح على هذا الفردوس، تحمله أعمدة رشيقة توحي وكأن السقف معلق في الهواء. ويمثل مبنى حديقة إرم، بإيوانه الواسع وزخارفه الجدارية، نموذجًا لهذا المفهوم؛ فهو ليس بناءً مغلقًا، بل فضاء شبه مفتوح، أو عتبة تسمح لسكانه بأن يجلسوا فيها، وأن يعيشوا الطبيعة من دون أن ينفصلوا عنها أو يذوبوا فيها بالكامل. وهذه العمارة القائمة على مفهوم العتبة تعد من أهم الدروس التي تقدمها شيراز للعمارة المعاصرة.

 

الحافظية: حيث يتحول الضريح إلى مزار

ولكن إذا أردنا اختيار مبنى واحد بوصفه التجسيد الكامل لروح العمارة الشيرازية، فلا شك أن ذلك المبنى هو مجموعة ضريح حافظ (الحافظية). فقصة هذا المكان هي قصة تحوّل قبرٍ بسيط إلى «معبد علماني» للحب والحرية والصفاء الروحي؛ وهي حكاية نادرة جدًا في العالم الإسلامي، إن لم تكن فريدة من نوعها.

لقد بلغ حافظ، شاعر القرن الرابع عشر الميلادي، عبر القرون مكانة شاعرٍ يكاد يُنظر إليه في الثقافة الإيرانية بوصفه رمزًا للحب والحكمة والتمرّد على القيود. ويوضع ديوانه إلى جانب القرآن في كثير من البيوت، كما أصبح التفاؤل بأشعاره عادةً ثقافية يومية. وتُعد عمارة الحافظية انعكاسًا رائعًا لهذه المكانة الاستثنائية.

أما البناء الحالي، فقد أُعيد تصميمه بشكل أساسي في عهد رضا شاه البهلوي الأول على يد المعماري وعالم الآثار الفرنسي أندريه غودار، اعتمادًا على مفاهيم العمارة الإيرانية، ليصبح مزيجًا بين عبقرية التصميم التقليدي وروح الحداثة.

عندما تدخل المجمع، تمر أولًا عبر فناء خارجي تتوسطه بركة كبيرة. هذا الفضاء يمثل نوعًا من «التهيئة الروحية» التي تفصل الزائر عن إيقاع الحياة اليومية. ثم تصعد عبر عدة درجات لتصل إلى إيوان يقع الضريح تحته. هنا تصمم العمارة حركةً عمودية؛ إذ ينبغي للزائر أن يصعد لكي يصل إلى الشاعر. وهذا الصعود الجسدي يتحول إلى استعارة عن الارتقاء الروحي.

أما الأعمدة الحجرية الطويلة والبسيطة في الإيوان، فعلى خلاف أعمدة القصور المزخرفة، تتميز بالرشاقة والامتداد والخفة. وكأنها تريد أن تصل بالإنسان سريعًا إلى السماء وإلى القبة الفيروزية التي تعلو ضريح الشاعر.

وتُعد قبة الحافظية من أكثر عناصر هذا المجمع إشراقًا. فهي المعروفة باسم «الكلاه فرنگي»، وعلى خلاف القباب الضخمة في المساجد، تتميز بصغر حجمها ورقتها. أما لونها الفيروزي فيرمز إلى الجنة، وشكلها المقسم ذو الطابع النجمي يذكّر بسماء الليل فوق شيراز.

لقد اختار المعمار، بدلًا من إنشاء بناء مغلق وثقيل يرسخ حضوره على الأرض، أن يخلق فضاءً شبه مفتوح وخفيفًا. فحجر الضريح، الواقع في مركز هذا الفضاء المفتوح، يبقى خلال النهار تحت ضوء الشمس، وفي الليل تحت نور القمر. فلا يوجد هنا جدار يفصل الشاعر عن السماء.

وتحوّل الحافظية، بصورة مدهشة، مفهوم «المقبرة» من فضاء مغلق وحزين إلى «حديقة-ضريح» مفتوحة وشاعرية. فالزوار يأتون وديوان حافظ في أيديهم، يجلسون بجوار الضريح، يقرؤون الشعر، ويقومون بالتفاؤل بأبياته. وعلى الرغم من أن المكان ضريح، فإنه ممتلئ بالحياة والهمس والأمل.

إن العمارة هنا لا تكتفي بحفظ ذكرى شاعر، بل تخلق مسرحًا لطقس ثقافي حيّ؛ مكانًا يستمر فيه الشعر، ويظل فيه الحوار بين الإنسان والجمال والسماء مفتوحًا.

 خانه‌های شیراز: در جست‌وجوی فضای گمشده

ولإكمال هذه الرواية، ينبغي أن ننتقل من الحدائق الملكية والأضرحة الفخمة إلى النسيج السكني لمدينة شيراز. فالمنازل التاريخية في شيراز، مثل بيت زينت الملك وبيت فروغ الملك، تمثل نماذج مشرقة للعمارة الداخلية المنفتحة على الذات، وقد صُممت بدرجة عالية من الدقة والرهافة.

لكن روح شيراز تظهر في هذه البيوت أيضًا؛ في الأفنية المركزية المزينة بأحواض الزهور وأشجار النارنج، وفي البرك التي تجلب انعكاس السماء إلى داخل المنزل، وفي الإيوانات ذات الأعمدة الخشبية الرفيعة التي تنفتح بالكامل نحو الفناء. وعلى خلاف البيوت الصحراوية التي تتميز بالجدران السميكة والفتحات الصغيرة، تمتلك هذه المنازل نوافذ الأرُسي الكبيرة والملونة التي تعرض لعبة الضوء وتحوّلاته داخل الفضاء.

أما القاعات المزينة بالمرايا والأسقف ذات النقوش الخشبية الدقيقة، فهي تكشف عن روح ثقافية تبحث عن الجمال ليس في العظمة والضخامة، بل في التفاصيل والرقة والانسجام.

وفي النهاية، ماذا تخبرنا عمارة شيراز؟
إنها تهمس بأن الفضاءات التي يصنعها الإنسان يمكن أن تكون، بدلًا من أن تكون تجسيدًا للقوة والثروة، مرآةً لروح ثقافة رقيقة وحساسة.

حدائق شيراز تصالح العمارة مع الطبيعة. والحافظية تحوّل الضريح من بناء تذكاري بارد وصامت إلى فضاء مدني دافئ وحيوي يجتمع فيه عشاق الشعر. وتعلّم شيراز المعماريين ومخططي المدن اليوم أن المكان يصبح خالدًا حين يستطيع الناس إقامة علاقة عاطفية معه؛ حين يقرأون فيه الشعر، ويحبّون، ويرفعون أبصارهم نحو السماء.

في شيراز، ليست العمارة نهايةً مغلقة، بل بداية؛ بداية لحوار شعري مفتوح بين الإنسان والطبيعة والفضاء.

الإسم شيراز: عمارة الشعر، والحدائق، وعتبة الجمال
الدولة إیران

استنادا الي الضرورات الآنفه الذكر في مجال العلاقات الثقافيه مع شعوب العالم ، فان رابطه الثقافه و العلاقات الاسلاميه حددت اهدافها ضمن اطر معينه ، منها تطوير و تعزيز العلاقات الثقافيه مع الشعوب و الامم المختلفه في العالم ، في سبيل ايجاد لغه واحده للحوار و التفاهم ، و ايضا القيام بالتبادل الثقافي ، و تقديم الصوره الكامله و اللائقه للثقافه و الحضاره الايرانيه و الاسلاميه ، و السعي لتعزيز العلاقات الثقافيه بين ايران و سائر دول العالم و كذلك المنظمات الدوليه ، و السعي الجاد لتحقيق الوحده الاسلاميه ، و التعريف الصحيح بمذهب اهل البيت (ع) و التخطيط و التحرك في مسير تحقيق الهدف المقدس و هو حوار الاديان و الحوار بين الحضارات [المزید]

أدخل النص الخاص بک واضغط على Enter

تغییر حجم الخط:

تغییر المسافة بین الکلمات:

تغییر ارتفاع الخط:

تغییر نوع الماوس: