الهندسه المعمارية

حديقة الكتاب في طهران: جنّة عشّاق الكتب؛ أكبر مكتبة لبيع الكتب في العالم في قلب العاصمة

تجمع عمارة حديقة الكتاب بين الحداثة والعناصر التقليدية في العمارة الإيرانية. وتتميّز الواجهة الخارجية للمبنى بمظهر عصري مهيب، بفضل مزيج من الحجر والزجاج والمعدن. أما الأفنية المركزية الصغيرة، بما تضمّه من أحواض مائية ونباتات، فتسمح للضوء الطبيعي والانتعاش بالتغلغل إلى داخل الفضاء، وتُقيم في الوقت نفسه اتصالًا بصريًا مع منتزه طالقاني في الخارج.

في قلب طهران، وعلى الجانب الشمالي من منتزه طالقاني الكبير والخضراء، يرتفع صرحٌ لا يُعدّ مجرد مكتبة لبيع الكتب، بل هو «مدينة للكتب»، و«جنّة لعشّاق الكتب»، و«بيان ثقافي» للعاصمة الإيرانية. وتمتد حديقة الكتاب في طهران على مساحة مبنية تبلغ 65 ألف متر مربع، موزعة على طابقين، وتتسع لعرض أكثر من 400 ألف عنوان في شتى الموضوعات. وهي لا تُعدّ أكبر مكتبة لبيع الكتب في إيران فحسب، بل واحدة من أكبر المكتبات في العالم. ولعلّ الأجدر أن تُسمّى حديقة الكتاب «جنّة عشّاق الكتب»؛ فهي فضاء تتشابك فيه العمارة الحديثة والمهيبة، والتصميم الداخلي المبتكر والجذّاب، والحبّ للكتاب والقراءة، على نحو يخلق تجربة جديدة لا تُنسى وعميقة المتعة في اقتناء الكتب، والمطالعة، وقضاء أوقات الفراغ. ولا يقتصر هذا المجمع الثقافي الضخم على كونه مكانًا لشراء الكتب، بل هو أيضًا «وجهة» حيوية وشعبية للعائلات، والطلاب، والباحثين، والسياح من داخل إيران وخارجها، ولكل المهتمين بالكتاب والثقافة.

بدأت حكاية حديقة الكتاب بحلم طموح وملهم: إنشاء فضاء يُخرج الكتاب من رفوف المكتبات التقليدية الضيقة والمعتمة، ويحوّله إلى «تجربة» حيّة وشاملة؛ تجربة يأتي فيها الزائر ليس لشراء الكتب فحسب، بل للتجوّل بينها، واستعراض عناوين لا حصر لها، ولمس الأغلفة والصفحات، وقراءة بضع صفحات من رواية جديدة، والاستمتاع بالحضور في فضاء يفيض بالمعرفة والثقافة. وقد استُلهمت هذه الفكرة من المكتبات الكبرى والحديثة في العالم، مثل «بارنز أند نوبل» في الولايات المتحدة و«ووترستونز» في بريطانيا، ثم تحوّلت، من خلال تصميم وتنفيذ المشروع على نطاق هائل، وإضافة مجموعة متنوعة من الفضاءات الثقافية والتعليمية والترفيهية، إلى حديقة الكتاب في طهران. ولم يكن الهدف الأساسي من إنشاء هذا المجمع مجرد بيع الكتب، بل «نشر ثقافة القراءة بين جميع فئات المجتمع» و«إيجاد فضاء ثقافي عام حيوي وجذّاب» لسكان طهران والزائرين. وقد بدأ تشييد هذا المجمع الكبير عام 1389 هـ.ش، وبعد نحو سبع سنوات من العمل المتواصل، والتخطيط الدقيق، والجهود الحثيثة ليلًا ونهارًا، دخل حيّز التشغيل أخيرًا عام 1396 هـ.ش، ومنذ أيامه الأولى حظي بإقبال لافت وحماسي من سكان طهران والسياح.

تتكوّن حديقة الكتاب من قسمين رئيسيين ومنفصلين: قسم الكبار، وقسم الأطفال والناشئة. ويضم قسم الكبار، بفضائه الواسع والفسيح والمشرق، رفوفًا طويلة ومرتفعة من الكتب، مرتبة بعناية ودقة وفق موضوعات متنوعة، تمتد من الأدب الكلاسيكي والمعاصر في إيران والعالم إلى التاريخ، والفلسفة، وعلم النفس، والعلوم، والفنون، والعمارة، والطبخ، والكتب المرجعية. ويمنح هذا الفضاء، بفضل الأسقف العالية التي توحي بالعظمة والفخامة، والإضاءة الهادئة وغير المباشرة التي تحول دون إجهاد العينين، والممرات العريضة والمريحة، الزائر إحساسًا بأنه داخل مكتبة كبيرة ومهيبة. كما وُزّعت المقاعد والأرائك المريحة في أرجاء المكان وبين الرفوف، بحيث يستطيع الزائر الجلوس، وتصفّح كتاب، وقضاء لحظات من المطالعة في هدوء وسكينة. كذلك أُقيمت طاولات كبيرة للقراءة في أجزاء من الفضاء، يستطيع الطلاب والباحثون استخدامها للمطالعة وتدوين الملاحظات.

أما قسم الأطفال والناشئة في حديقة الكتاب، فهو عالم مختلف تمامًا ومدهش بكل معنى الكلمة. فهذا القسم، بتصميمه الداخلي المبتكر والملوّن والخيالي، يدعو الأطفال والناشئة إلى عالم من الحكايات والأساطير والمغامرات التي لا تنتهي. وقد صُممت رفوف الكتب هنا على هيئة بيوت صغيرة، وأشجار ضخمة، وسفن شراعية، وقلاع أسطورية، وغيرها من العناصر الخيالية التي توقظ في نفوس الأطفال روح الفضول والمغامرة. كما خُصّص فضاء لرواية القصص، يضم مقاعد ملوّنة وجدرانًا مرسومة، ومسرح للعرائس بمنصة مخصصة، إلى جانب ورش تعليمية للرسم، والأعمال اليدوية، والكتابة الإبداعية، وصناعة الدمى. ولا يقتصر الهدف من هذا التصميم على بيع الكتب للأطفال، بل يتمثل في «جعلهم محبّين» للكتاب والقراءة، من خلال خلق تجربة ترفيهية وتفاعلية لا تُنسى. ففي هذا الفضاء يستطيع الأطفال الركض واللعب وقراءة الكتب بحرية، واللقاء بشخصياتهم القصصية المحبوبة.

وإلى جانب مساحات بيع الكتب، تضم حديقة الكتاب العديد من الفضاءات الثقافية والترفيهية. ومن بينها قاعات للمؤتمرات ومدرّج لإقامة الندوات الأدبية، وحفلات إطلاق الكتب وتوقيعها من قبل المؤلفين، وصالات عرض فنية لعرض الأعمال البصرية، ومقاهٍ ومطاعم للاستراحة، و«حديقة العلوم» لتعريف الأطفال والناشئة بالمفاهيم العلمية بصورة تفاعلية. وتعرّف حديقة العلوم الأطفال إلى مفاهيم الفيزياء، وعلم الفلك، وعلم الأحياء، والرياضيات، من خلال أجهزة وشاشات تفاعلية، فتحوّل عملية التعلّم إلى لعبة ومغامرة.

كما تستفيد حديقة الكتاب في طهران من أحدث التقنيات لجعل تجربة اقتناء الكتب أكثر سهولة ومتعة للزائرين. فقد وُضعت أكشاك تعمل باللمس في أنحاء حديقة الكتاب، يستطيع الزائرون من خلالها البحث عن الكتاب الذي يريدونه، والحصول على معلومات حول مؤلفه، وملخصه، والنقد والمراجعات المتعلقة به.

وتجمع عمارة حديقة الكتاب بين الحداثة والعناصر التقليدية في العمارة الإيرانية. وتتميّز الواجهة الخارجية للمبنى بمظهر عصري مهيب، بفضل مزيج من الحجر والزجاج والمعدن. أما الأفنية المركزية الصغيرة، بما تضمّه من أحواض مائية ونباتات، فتسمح للضوء الطبيعي والانتعاش بالتغلغل إلى داخل الفضاء، وتُقيم في الوقت نفسه اتصالًا بصريًا مع منتزه طالقاني في الخارج.

وتشكّل حديقة الكتاب في طهران بالنسبة إلى المعماريين، ومصممي الديكور الداخلي، ومخططي البرامج الثقافية، درسًا عمليًا وملهمًا في «خلق الفضاءات الثقافية متعددة الوظائف»، و«دمج التجارة والثقافة والترفيه»، و«التصميم القائم على تجربة الزائر»، و«أهمية الفضاءات العامة في نشر ثقافة القراءة». ويُظهر هذا المجمع كيف يمكن تحويل مكتبة لبيع الكتب من فضاء تجاري وتقليدي بحت إلى «وجهة ثقافية» نابضة بالحياة، جذابة ومحبوبة لجميع أفراد الأسرة. ولا تزال حديقة الكتاب في طهران، هذه الجنّة لعشّاق الكتب، تهمس في قلب العاصمة، بين رفوفها الملوّنة وفضائها المفعم بالحيوية، بحكاية الحبّ للكتاب وحلم المدينة الثقافية القارئة.