الهندسه المعمارية

خانُ مشير الملك في برازجان: جوهرة قاجارية في قلب بساتين النخيل جنوب إيران

لم يكن خانُ مشير الملك مجرد محطة للاستراحة على الطريق، بل كان «مجمعًا تجاريًا وسكنيًا» متكاملًا. فإلى جانب الحوانيت والإسطبلات، كان يضم مرافق مخصصة لتخزين البضائع، ومكتبًا لإدارة التجارة، بل ومسجدًا صغيرًا لإقامة الصلاة للتجار والمسافرين. وقد جعل هذا التكامل بين الوظائف المختلفة من الخان «مركزًا تجاريًا» مهمًا على الطريق الذي يربط بوشهر بشيراز.

 

 

في قلب بساتين النخيل الخضراء والدافئة في سهل دشتستان، وفي ضواحي مدينة برازجان بمحافظة بوشهر، يقوم صرحٌ على الرغم من فخامته وعظمته اللافتة، ظلّ مختبئًا خلف شهرة الخانات الصحراوية في إيران، ولم يحظَ بما يستحقه من اهتمام. إنه خانُ مشير الملك، هذه «الجوهرة القاجارية المنسية»، الذي يُعدّ أكبر خان مبني بالآجر في جنوب إيران، وواحدًا من أفخم الخانات الواقعة داخل المدن في البلاد. وقد شُيّد في العصر القاجاري بأمر أحد أكثر تجار الجنوب نفوذًا وإحسانًا، الحاج ميرزا أبو الحسن مشير الملك. ويمكن وصف خان مشير الملك بأنّه «عروس خانات الجنوب»؛ فهو صرح امتزجت فيه العمارة الرسمية والبلاطية القاجارية بالتقاليد المحلية لجنوب إيران وتأثيرات التجارة البحرية في الخليج الفارسي، في توليفة أفرزت لغةً معمارية جديدة وفريدة في عمارة الخانات.

ولفهم أهمية خان مشير الملك وعظمته، ينبغي أولًا فهم الموقع الاستراتيجي الذي كانت تتمتع به برازجان في العصر القاجاري. فقد كانت برازجان تقع على الطريق الذي يربط بوشهر، أهم موانئ إيران على الخليج الفارسي، بشيراز، عاصمة الدولة الزندية وأحد المراكز المهمة في العصر القاجاري، ومن هناك إلى أصفهان وطهران. وكانت المدينة بوابةً لدخول السلع الأوروبية والهندية والأفريقية إلى الهضبة الوسطى الإيرانية، كما كانت طريقًا لتصدير السلع الإيرانية إلى الأسواق العالمية. وكانت القوافل التجارية التي تنطلق محمّلة بالبضائع من ميناء بوشهر تصل إلى برازجان بعد اجتياز الطريق الساحلي الحار والمرهق، فتستريح فيها، وتستبدل بعض بضائعها، وتستعد لمواصلة رحلتها نحو شيراز وأصفهان. ومن هنا، لم يكن وجود خان كبير وآمن ومجهز في هذه النقطة ترفًا، بل ضرورة حيوية لاقتصاد جنوب إيران وتجارتها.

وقد أدرك الحاج ميرزا أبو الحسن مشير الملك، أحد كبار تجار العصر القاجاري وذوي النفوذ فيه ومن أهل الإحسان، هذه الضرورة، فأصدر أمرًا ببناء خان فخم في برازجان. وكان، بوصفه أحد الناشطين في التجارة البحرية في الخليج الفارسي، قد جمع ثروة طائلة من هذا النشاط، وأراد أن ينشئ صرحًا يلبي الاحتياجات العملية للتجار وأفراد القوافل، ويكون في الوقت نفسه رمزًا لقوته وثروته ومكانته في المنطقة، وتذكارًا خالدًا لاسمه وأسرته. وقد اكتمل بناء الخان عام 1287 للهجرة القمرية، الموافق لنحو 1249 للهجرة الشمسية، فكانت النتيجة صرحًا لا يزال، رغم ما لحق به من أضرار وتخريب كبيرين، يروي حتى اليوم عن هيبة الماضي وعظمته.

ويتكوّن خان مشير الملك من مخطط مستطيل تبلغ أبعاده نحو 110 أمتار طولًا و70 مترًا عرضًا، ويضم فناءً مركزيًا واسعًا وأربعة إيوانات شاهقة وفخمة تتوزع على الجهات الأربع الرئيسية. وقد استُلهم هذا المخطط رباعي الإيوانات من تقاليد بناء الخانات في العصر الصفوي، ثم امتزج في هذا الصرح بمواد البناء المحلية في جنوب إيران، من الحجر والآجر والجص، وبزخارف متأثرة بالعمارة القاجارية. وكان الفناء المركزي في الماضي يعجّ بحركة أفراد القوافل والتجار والدواب، أما اليوم فقد أصبح فضاءً هادئًا خاليًا، غير أنه لا يزال قادرًا على أن يوقظ في الخيال رنين أجراس القوافل وضجيج الحركة التجارية. وكانت تتوسط الفناء بركة كبيرة، تُزوّد مياهها من القنوات المحيطة، وتشكّل مصدرًا للمياه لسدّ عطش المسافرين ودوابهم.

ويقع المدخل الرئيسي للخان في الجهة الجنوبية، ويستقبل المسافرين بواجهة مدخل شاهقة وفخمة، تعلوها قنطرة مدببة، وتتزين بالآجر والبلاط المزخرف. وعلى الرغم من أن هذه الواجهة فقدت اليوم جزءًا من زخارفها، فإن تناسباتها المتناغمة وارتفاعها اللافت لا يزالان يكشفان عن عظمة الصرح وفخامته. وبعد عبور المدخل، يصل الزائر إلى دهليز واسع مثمّن الأضلاع، تغطيه أقبية آجُرّية وتخترقه فتحات علوية لإدخال الضوء، وكان يوفر فضاءً باردًا شبه معتم للانتقال من حرارة الخارج إلى أجواء الداخل. ومن هذا الدهليز يصل الزائر إلى الفناء المركزي.

وتنتظم حول الفناء حجرات المسافرين على طابقين. وكانت حجرات الطابق الأرضي، التي تطل على الفناء عبر أروقة صغيرة، توفر للتجار فضاءً للجلوس والاستراحة. أما حجرات الطابق العلوي، بنوافذها الخشبية وشرفاتها الصغيرة، فكانت مخصصة لإقامة المسافرين المميزين والتجار الأكثر ثراءً. وخلف هذه الحجرات، أُعدّت إسطبلات واسعة لإيواء خيول القوافل وبغالها وجمالها. وقد أتاح هذا التنظيم المكاني الذكي، الذي كان شائعًا في الخانات الإيرانية، للمسافرين أن يستريحوا في حجراتهم، مع البقاء في الوقت نفسه قريبين من بضائعهم ودوابهم ومراقبتها.

وتشكّل زخارف خان مشير الملك مزيجًا بين الفن القاجاري والتقاليد المحلية في جنوب إيران. ومن أبرز العناصر الزخرفية المستخدمة في المبنى، الأعمال الآجرية الدقيقة ذات الأنماط الهندسية، والزخارف الجصية البسيطة ولكن المهيبة، والبلاطات السباعية الألوان المزينة بنقوش الأرابيسك والزخارف النباتية والطيور. وللأسف، تعرّض كثير من هذه الزخارف على مر الزمن، وبسبب الإهمال والعوامل الجوية، للتلف أو الاندثار، إلا أن ما تبقى منها لا يزال شاهدًا على روعة المبنى وجماله في الماضي.

ولم يكن خان مشير الملك مجرد محطة للاستراحة على الطريق، بل كان «مجمعًا تجاريًا وسكنيًا» متكاملًا. فإلى جانب الحجرات والإسطبلات، كان يضم مرافق مخصصة لتخزين البضائع، ومكتبًا لإدارة التجارة، بل ومسجدًا صغيرًا لإقامة الصلاة للتجار والمسافرين. وقد جعل هذا التكامل بين الوظائف المختلفة من الخان «مركزًا تجاريًا» مهمًا على الطريق الذي يربط بوشهر بشيراز.

أما اليوم، فعلى الرغم من تسجيل خان مشير الملك ضمن قائمة الآثار الوطنية في إيران، فإنه لا يمر بأفضل حالاته. فقد تهدمت أجزاء من المبنى، وأصبحت الحجرات خالية من السكان، وحلّ الصمت في الفناء المركزي محلّ ضجيج القوافل وحركتها. ومع ذلك، تتواصل الجهود لترميم هذا الصرح القيّم وإحيائه، ويُؤمل أن تستعيد هذه الجوهرة المنسية حياتها من جديد.

ويمثّل خان مشير الملك بالنسبة إلى المعماريين ومرمّمي الآثار المعاصرين درسًا قيّمًا في «العمارة المستدامة في الجنوب»، و«دمج التقاليد المحلية بالعمارة الرسمية»، و«أهمية الحفاظ على التراث المعماري في المناطق الأقل شهرة». فهذا الصرح يبيّن كيف يمكن، في المناخ الحار والرطب للجنوب، وباستخدام المواد المحلية والتصميم الذكي، ابتكار فضاء عملي وجميل ودائم للتجارة والإقامة.