الهندسه المعمارية

دزفول: مدينة الآجر والنهر؛ تحفة معمارية في شمال خوزستان

يُعدّ النسيج التاريخي لمدينة دزفول واحدًا من أكثر الأنسجة التاريخية المبنية بالآجر حفاظًا على أصالته، ومن أوسعها نطاقًا في إيران. وقد شُيّد هذا النسيج من الآجر المشوي ذي الألوان الدافئة والترابية، ويضم عددًا كبيرًا من البيوت التاريخية، والمساجد، والحمّامات، والأسواق التقليدية. وتُمثّل البيوت التاريخية في دزفول، مثل بيت تيزنو، وبيت زرگر، وبيت سهرابي، نماذج بديعة للعمارة السكنية الملائمة للمناخ الحار والرطب. فقد صُمّمت هذه البيوت بأفنية مركزية، وأحواض للمياه، وأقبية باردة تُعرف باسم «الشوَادون»، إلى جانب ملاقف هوائية من الآجر، لتوفير أجواء لطيفة ومريحة للعيش خلال فصول الصيف الطويلة في خوزستان.

 

 

في شمال محافظة خوزستان، وفي المكان الذي يندفع فيه نهر دزّ الصاخب، متدفقًا بين صخور زاغروس العريقة نحو سهول الجنوب الشاسعة، تقع مدينة تبدو عمارتها وكأنها سمفونية من الآجر والضوء والظل. إنها دزفول، هذه المدينة العريقة الراسخة، التي تعود جذورها إلى العصر الساساني، وتُعدّ واحدة من أكثر مراكز العمارة الإيرانية إثارةً للدهشة، وإن كانت في الوقت نفسه من أقلها شهرةً وحضورًا على خريطة السياحة. ولعلّ خير وصف لدزفول هو «مدينة الآجر والنهر»؛ فهي مدينة نجح فيها المعماريون، باستخدام أبسط مواد البناء، أي الآجر والملاط، في ابتكار أكثر الفضاءات تعقيدًا وجمالًا، ووفّقوا بذكاء بالغ بين العمارة والمناخ الحار والرطب في خوزستان.

ترتبط قصة دزفول ارتباطًا وثيقًا بنهر دزّ وجسره العريق. فقد نشأت المدينة في العصر الساساني بالتزامن مع تشييد جسر دزفول الضخم. ويُعدّ جسر دزفول القديم، المعروف أيضًا باسم «الجسر الروماني»، واحدًا من أقدم الجسور في العالم وتحفةً هندسية من عصر العصور القديمة. ويعود تاريخ هذا الجسر إلى أكثر من 1700 عام، ويبلغ طوله نحو 370 مترًا، ويضم 14 فتحة، ليربط بين ضفتي نهر دزّ. وما يحوّل هذا الجسر إلى أعجوبة هندسية هو دعاماته الحجرية الضخمة المشيّدة بملاط الساروج، والمدعّمة بكتل مثلثة الشكل تساعدها على مقاومة الفيضانات العارمة للنهر. وقد خضع جسر دزفول للترميم وإعادة البناء مرات عديدة على مدى القرون، غير أن بنيته الأساسية لا تزال راسخة وصامدة. فهذا الجسر ليس مجرد ممر للعبور، بل هو رمز لهوية دزفول وتاريخها.

لكن أبرز سمات العمارة الدزفولية وأكثرها تفردًا تتمثل في «السباطات» و«الشناشير» المبنية من الآجر. ففي النسيج التاريخي للمدينة، تمتد شبكة متداخلة من الأزقة الضيقة والمغطاة تُعرف باسم «السباط». والسباطات ممرات مسقوفة تغطيها الأقواس الآجرية، فتوفّر ظلالًا باردة ودائمة في الأزقة. وفي صيف خوزستان الحار والمرهق، تشكل هذه السباطات ملاذًا للمارة، وتساعد على خفض درجة حرارة الهواء بما يصل إلى عشر درجات مقارنةً بالفضاء المكشوف. والمشي في هذه الأزقة الظليلة، وتأمل تلاعب الضوء والظل فوق الآجر العتيق، تجربة لا تُنسى.

أما «الشناشير»، فهي شرفات أو بلكونات خشبية أو آجُرّية مشبكة، تُقام في الطوابق العليا من المباني، وتطل على الأزقة أو النهر. وقد نُفّذت الشناشير في عمارة دزفول غالبًا بالآجر، وبزخارف هندسية معقدة، وتؤدي وظيفتين رئيسيتين: فمن جهة، تسمح بدخول النسائم إلى داخل البيوت وتحافظ على برودة الفضاءات، ومن جهة أخرى، تخلق فضاءً شبه عام وشبه خاص، يستطيع السكان من خلف شبكات الآجر أن يراقبوا الأزقة والمدينة من دون أن يكونوا عرضةً لأنظار الآخرين. وقد بلغ هذا «الفضاء الانتقالي» الذي يُعرف في العمارة الإيرانية أيضًا باسم «المشربية»، ذروة جماله وكفاءته الوظيفية في دزفول.

ويُعدّ النسيج التاريخي لمدينة دزفول واحدًا من أكثر الأنسجة التاريخية المبنية بالآجر حفاظًا على أصالته، ومن أوسعها نطاقًا في إيران. وقد شُيّد هذا النسيج من الآجر المشوي ذي الألوان الدافئة والترابية، ويضم عددًا كبيرًا من البيوت التاريخية، والمساجد، والحمّامات، والأسواق التقليدية. وتُمثّل البيوت التاريخية في دزفول، مثل بيت تيزنو، وبيت زرگر، وبيت سهرابي، نماذج بديعة للعمارة السكنية الملائمة للمناخ الحار والرطب. فقد صُمّمت هذه البيوت بأفنية مركزية، وأحواض للمياه، وأقبية باردة تُعرف باسم «الشوَادون»، إلى جانب ملاقف هوائية من الآجر، لتوفير أجواء لطيفة ومريحة للعيش خلال فصول الصيف الطويلة في خوزستان.

ويُعدّ «الشوادون» أو «الرواق تحت الأرض» واحدًا من أكثر العناصر المعمارية إثارةً للدهشة في دزفول. والشوادونات عبارة عن فضاءات عميقة تحت الأرض، حُفرت أسفل البيوت، بل وحتى تحت الأزقة، وتقع على عمق يتراوح بين خمسة وعشرة أمتار تحت سطح الأرض. وتُعدّ هذه الفضاءات، بما تحتويه من أقبية آجُرّية، وجدران سميكة، وأحواض للمياه، أبرد أجزاء البيوت خلال صيف خوزستان الحار. ولم تكن الشوادونات ملاذًا من الحر فحسب، بل كانت تُستخدم أيضًا لتخزين المواد الغذائية، بل وللنوم فيها خلال ليالي الصيف. وبعض هذه الشوادونات عميق وواسع إلى درجة أنها تتصل ببعضها بعضًا، فتشكّل شبكةً تحت الأرض من الفضاءات الباردة.

وتتميّز الزخارف الآجرية في دزفول، بدورها، بتفرّد لافت. فقد نجح المعماريون الدزفوليون، باستخدام الآجر البسيط، في ابتكار أنماط هندسية معقدة، وأقواس مدببة، ومقرنصات آجُرّية، تضفي على المباني عمقًا وثراءً وجمالًا بصريًا. وتُعدّ تقنية «خوون‌چینی» أو «التشابك الآجري» من أبرز التقنيات الزخرفية في عمارة دزفول. وفي هذه التقنية، تُرصّ الآجرات بطريقة خاصة، مع إحداث بروزات وانخفاضات، لتشكيل أنماط هندسية وزخارف على هيئة النجوم والمثلثات والمعينات. وتظهر هذه الزخارف الآجرية في مداخل البيوت، والأروقة، وحتى على واجهات المساجد، فتمنح الفضاءات، من خلال تلاعب الضوء والظل، مظهرًا حيًا وديناميكيًا.

ويُعدّ مسجد دزفول الجامع أيضًا من أبرز معالم المدينة. ويعود تاريخ هذا المسجد إلى العصر الصفوي، ويضم إيوانًا مرتفعًا، ورواقًا ذي أعمدة آجُرّية، ومئذنة جميلة، ليشكّل نموذجًا للعمارة الدينية في خوزستان. ومن المساجد التاريخية الأخرى في دزفول مسجد لبّ الخندق ومسجد السوق.

أما سوق دزفول القديم، بأقواسه الآجرية، وحوانيته التقليدية، وممراته المتعددة، فلا يزال حتى اليوم نابضًا بالحركة التجارية والحياة اليومية. وتباع في هذا السوق الحرف اليدوية، والمنتجات المحلية، والحلويات التقليدية التي تشتهر بها دزفول.

وبالنسبة إلى المعماريين ومخططي المدن المعاصرين، تمثّل دزفول كتابًا دراسيًا متكاملًا في «التصميم المناخي للمناطق الحارة والرطبة»، و«الاستخدام الإبداعي للمواد المحلية مثل الآجر»، و«ابتكار الفضاءات الباردة تحت الأرض»، و«أهمية الظل والتهوية الطبيعية». وتُظهر هذه المدينة كيف يمكن، في واحدة من أكثر مناطق إيران حرارةً، وباستخدام أبسط مواد البناء، ابتكار فضاءات مريحة ومستدامة وجميلة للحياة.