الهندسه المعمارية

سوق گنجعلي خان في كرمان: تحفة معمارية صفوية

في الوقت الحاضر، لا يزال مجمّع گنجعلي خان، بعد قرون من إنشائه، حيًّا ونابضًا بالحركة والازدهار. ولا يزال السوق مركزًا لتجارة السجاد الكرماني الفاخر، والحرف اليدوية النحاسية، ولا سيما الأواني النحاسية والبسط العشائرية، فضلًا عن التوابل المتنوعة والحلويات المحلية، مثل «كلمپه» و«قاووت». أما حمّام گنجعلي خان، فقد حُوّل بعد عمليات ترميم دقيقة ومتخصصة إلى متحف للإثنوغرافيا، حيث تعرض التماثيل الشمعية مشاهد تجسد تقاليد الاستحمام التقليدي في إيران. وقد أعادت هذه العملية الذكية لـ«إعادة التوظيف التكيفي» الحياة إلى المجمع، وحوّلته إلى أحد أبرز المقاصد السياحية في كرمان.

 

في قلب مدينة كرمان التاريخية، وبين أزقتها الضيقة وأبراجها الهوائية الشاهقة، ينتصب مجمّع معماري يُعدّ من أكثر النماذج تكاملًا وجمالًا للعمارة الإيرانية في العصر الصفوي. وقد شُيّد مجمّع گنجعلي خان في مطلع القرن السابع عشر الميلادي بأمر من گنجعلي خان، الحاكم الشهير لكرمان في عهد الشاه عباس الأول الصفوي. وليس سوق گنجعلي خان مجرد سوق، بل هو «ميدان حضري» متكامل، تداخلت فيه التجارة والعبادة والتعليم والاستحمام والحياة الاجتماعية إلى درجة يصعب معها رسم حدود واضحة تفصل بين هذه الوظائف. ويضم هذا المجمع السوق والميدان والمسجد والحمّام والمدرسة والخان وخزان المياه ودار الضرب، ويُعدّ نموذجًا لافتًا للتخطيط الحضري الصفوي على نطاق أصغر، لكنه لا يقل روعةً عن ميدان نقش جهان في أصفهان.

كان گنجعلي خان أحد أبرز قادة الشاه عباس الأول وأكثرهم ولاءً له، وقد عُيّن حاكمًا على كرمان سنة 1005هـ، وظل يحكم هذه الولاية الواسعة نحو ثلاثين عامًا. وكان، بحسب وصف المؤرخين، محبًا للعمران وشغوفًا بإعمار المدن وتطويرها، فأطلق خلال فترة حكمه برنامجًا واسعًا لإعادة إعمار كرمان وتوسعتها. وكان سوق گنجعلي خان يمثل قلب هذا المشروع العمراني. فقد أراد أن ينشئ مركزًا تجاريًا وثقافيًا يلبي الاحتياجات الاقتصادية للمدينة، ويجسد في الوقت نفسه قوة الدولة الصفوية وعظمتها في هذه المنطقة البعيدة عن العاصمة، ويخلّد اسمه وذكراه. وكانت حصيلة هذا الطموح مجمّعًا لا يزال، بعد مرور أربعة قرون، نابضًا بالحياة والحركة.

ويشكل ميدان گنجعلي خان قلب هذا المجمع؛ وهو ميدان مستطيل الشكل، صغير نسبيًا مقارنة بميدان نقش جهان، لكنه لا يقل عنه حيويةً ونشاطًا. وكان الميدان في الماضي مكانًا لتجمع القوافل، وإقامة الاحتفالات والمراسم العامة، وتبادل السلع، وقد أُحيط من جهاته الأربع بالسوق والمسجد والحمّام والخان، ليشكل فضاءً حضريًا متكاملًا مكتفيًا بذاته. وعلى خلاف ميدان نقش جهان، الذي يتميز باتساعه وانفتاحه، يتمتع ميدان گنجعلي خان بطابع شبه مغلق وأكثر حميمية، بفضل العقود الآجرية والحوانيت المحيطة به، مما يجعله أقرب إلى «ساحة عامة» منه إلى ميدان احتفالي فخم. ويُعد هذا المقياس الإنساني وهذا الطابع الحميمي للفضاء من أبرز الخصائص التي تميز المجمع عن غيره من الميادين الكبرى والمهيبة.

ويبدأ السوق الرئيسي من الجهة الجنوبية للميدان، ويمتد في صورة ممر طويل مسقوف نحو الجنوب. وتغطي هذا الممر عقود نصف دائرية مرتفعة وفتحات علوية للإنارة، فيما تصطف على جانبيه حوانيت التجار ذات المصاطب الحجرية. وتسمح فتحات السقف، الموزعة بانتظام على امتداد العقود، لأشعة الشمس بالنفاذ إلى الداخل، فتشكل على الآجر والسجاد المعلق على الجدران تدرجات رقيقة من الضوء والظل، وتخلق أجواءً نابضة بالحياة والحركة والشاعرية. ومع اختلاف ساعات النهار، يتغير اتجاه الضوء وشدته، فيتخذ السوق في كل مرة ملامح مختلفة. وتمثل هذه «هندسة الضوء»، التي لم يُستخدم فيها الضوء الطبيعي للإضاءة فحسب، بل لصناعة تجربة مكانية وحسية متكاملة، واحدة من أروع مظاهر تصميم الأسواق التقليدية في إيران.

وعلى جانبي السوق الرئيسي، تتفرع الأسواق الجانبية والتيمچهات، وقد كان لكل منها اختصاص مهني محدد؛ فهناك سوق النحاسين، حيث كانت تتردد أنغام مطارقهم، وسوق العطارين الذي تفوح منه روائح التوابل والأعشاب الطبية، وسوق باعة السجاد بألوان السجاد الكرماني الآسرة، فضلًا عن تيمچهات مخصصة لتجارة السلع الأكثر قيمة، مثل المجوهرات والأقمشة المطرزة بخيوط الذهب. وكان هذا «التقسيم المهني للمجال التجاري» يُطبق في سوق گنجعلي خان قبل قرون طويلة من اعتماده في المراكز التجارية الحديثة بوصفه مبدأً إداريًا وتنظيميًا، مما يكشف عن براعة استثنائية في تنظيم الفضاء ضمن العمارة الإيرانية التقليدية.

غير أن جوهرة هذا المجمع بلا منازع هي حمّام گنجعلي خان. ويقع هذا الحمّام في الجهة الجنوبية من الميدان، ويُعدّ واحدًا من أجمل الحمّامات التاريخية وأكثرها فخامة في إيران. ويقود مدخل الحمّام، عبر ممر متعرج صُمم للحد من تبادل الحرارة والحفاظ على الخصوصية، إلى الفضاء الرئيسي المعروف بـ«السربينه». وهي قاعة واسعة مثمنة الأضلاع تتوسطها بركة كبيرة، وتحيط بها مصاطب مخصصة للجلوس وتبديل الملابس. وقد زُيّن سقفها بزخارف جصية عميقة ورسوم جدارية تصور مشاهد الصيد ومجالس اللهو والطبيعة. غير أن أكثر ما يميز هذا الحمّام هو استخدام ألواح رخامية شفافة ولامعة في الأرضيات والجدران، كانت تعكس ضوء المصابيح الزيتية. كما تُعد التماثيل الحجرية المعروفة بتماثيل الحمّالين، التي تنتصب في زوايا الحمّام وتعلو رؤوسها قبعات حجرية، من أكثر عناصره الزخرفية إثارةً للاهتمام. أما نظام التدفئة، فقد صُمم بذكاء؛ إذ كانت قاعة الاستحمام الرئيسية، أو «الگرمخانه»، تُدفّأ عبر قنوات تحت الأرض تُعرف باسم «گربه‌رو»، بينما كان بخار الماء يضفي على المكان جوًا دافئًا ومريحًا.

وفي الجهة الشرقية من الميدان يقع مسجد گنجعلي خان، وهو مسجد صغير، لكنه بالغ الدقة والفخامة، يتميز بقبة فيروزية ومحراب مزين بالبلاطات القاشانية وإيوان داخلي ذي أعمدة حجرية. أما في الجهة الغربية، فتقع المدرسة وخان گنجعلي خان، اللذان كانا مخصصين لإقامة التجار وإيواء طلاب العلوم الدينية. وقد أدى وجود هذه الوظائف المتنوعة ضمن مجمع واحد متكامل إلى تحويل سوق گنجعلي خان من مجرد مركز تجاري إلى «مدينة صغيرة» و«مركز اجتماعي» متكامل، يلبي مختلف الاحتياجات اليومية لسكان كرمان.

وتتميز زخارف مجمع گنجعلي خان بمزيج متناسق من أعمال الآجر، والبلاطات القاشانية المعرّقة، والزخارف الجصية، والرسوم الجدارية. فقد اجتمعت الآجرّات المشذبة ذات الأشكال الهندسية المعقدة مع البلاطات الفيروزية واللازوردية المزينة بالنقوش الأرابيسكية والكتابات القرآنية، لتشكّل فضاءً نابضًا بالحياة، لكنه متوازن ومنسجم. أما الرسوم الجدارية في الحمّام، بألوانها الدافئة والترابية، فتروي مشاهد من الحياة اليومية ومناطق الصيد وقصص الحب. وعلى خلاف بعض المباني الصفوية التي تغرق في كثافة البلاطات والزخارف البراقة، تتميز زخارف هذا المجمع بالتوازن والتناسب وحسن الانسجام مع المكان.

واليوم، لا يزال مجمع گنجعلي خان، بعد مرور قرون على إنشائه، حيًا ونابضًا بالنشاط. فالسوق ما زال مركزًا لتجارة السجاد الكرماني الفاخر، والحرف اليدوية النحاسية، والبسط البدوية، والتوابل الملونة، والحلويات المحلية مثل «كلمپه» و«قاووت». أما حمّام گنجعلي خان، فقد تحول بعد عمليات ترميم دقيقة ومدروسة إلى متحف للإثنوغرافيا، تعرض فيه تماثيل شمعية مشاهد من تقاليد الاستحمام في إيران القديمة. وقد أسهمت عملية «إعادة التوظيف التكيفي» هذه في إضفاء حياة جديدة على المجمع، وتحويله إلى واحد من أبرز المقاصد السياحية في كرمان.

ويمثل مجمع گنجعلي خان بالنسبة إلى المعماريين ومخططي المدن المعاصرين درسًا عمليًا في «تصميم المجمعات متعددة الوظائف»، و«دمج التجارة والعبادة والتعليم والخدمات العامة»، و«إنشاء فضاءات حضرية ذات مقياس إنساني». ويبرهن هذا المجمع على إمكانية تحويل مركز تجاري إلى قلب نابض للحياة الاجتماعية في مدينة، وإنشاء فضاء يظل، بعد قرون من بنائه، حيًا وحيويًا ومحببًا إلى الناس. ويذكّرنا گنجعلي خان، بكل ما يتمتع به من فخامة وجمال، بأن العمارة الخالدة ليست تلك التي تُشيّد لاستعراض القوة، بل تلك التي تُبنى لخدمة الإنسان.