الهندسه المعمارية

المبنى الجديد لمجلس الشورى الإسلامي

يمثّل المبنى الجديد لمجلس الشورى الإسلامي، بالنسبة إلى المعماريين والمصممين المعاصرين، درساً مهماً في «عمارة الحكم». ويُظهر هذا الصرح كيف يمكن، من خلال اختيار الأسلوب والمواد وتنظيم الفضاءات، ترجمة مفاهيم مجردة مثل «القانون» و«الشفافية» و«الاستدامة» و«الديمقراطية» إلى لغة معمارية وبصرية متجسدة.

 

في قلب العاصمة، وبجوار ميدان بهارستان التاريخي، وعلى مقربة من مبنى مجلس الشورى الوطني العريق، يقوم صرحٌ يجسّد في هيئته المادية مفهوم «بيت الأمة»، ويرمز إلى الحكم القائم على إرادة الشعب في إيران المعاصرة. فالمبنى الجديد لمجلس الشورى الإسلامي، هذا الصرح الضخم والمهيب والفخم، ليس مجرد مبنى إداري مخصص للتشريع، بل هو «بيان معماري»، و«رمز للقوة الوطنية»، ومزيج ذكي من فخامة العمارة الكلاسيكية واحتياجات البرلمان الحديث. وقد شُيّد هذا المبنى في الجهة الشمالية من المبنى التاريخي لمجلس الشورى، المعروف بـ«قصر مجلس الشيوخ»، ويبعث، من خلال تصميمه المتناظر، ومواده المتينة، وتفاصيله الفنية، إحساساً بالصلابة والاستمرارية وهيبة المؤسسة التشريعية في نفس المشاهد. فهذا المبنى ليس مجرد مساحة للعمل، بل هو مكان تُرسم فيه ملامح مصير أمة، ولذلك كان ينبغي لعمارتها أن تتجاوز حدود البناء التقليدي، وأن تعبّر عن مفاهيم مثل الشفافية، والصلابة، والحكمة الجماعية، والارتباط بالتاريخ.

بدأت قصة تشييد هذا الصرح استجابةً لحاجة ملحّة ولا مفرّ منها. فالمبنى القديم لمجلس الشورى، الذي يعود إلى عهد الأسرة البهلوية، وكان في حد ذاته أثراً قيّماً من آثار عمارة تلك الحقبة، لم يعد، مع تزايد عدد النواب، وتعقّد عمليات التشريع، والارتفاع الكبير في حجم أعمال اللجان المتخصصة، يمتلك المساحة والتجهيزات اللازمة لبرلمان حديث. وكانت الممرات الضيقة والمعتمة، والمكاتب الصغيرة والمحدودة، وغياب المساحات المتخصصة لعقد اجتماعات اللجان في وقت واحد، ونقص المرافق الخدمية والترفيهية للنواب والموظفين، تجعل إنشاء مبنى جديد أمراً لا مفر منه. ومن جهة أخرى، كان نظام الجمهورية الإسلامية بحاجة إلى صرح يستطيع أن يجسّد الهوية السياسية الجديدة للبلاد من خلال العمارة، وأن يكون رمزاً لصلابة المؤسسات المنبثقة عن الثورة الإسلامية واستقرارها. وقد بدأت أعمال تصميم هذا المبنى وتشييده في أواخر عقد 1370هـ.ش، وبعد سنوات من الجهود المتواصلة والعمل ليلاً ونهاراً وتجاوز التحديات الفنية والتنفيذية والمالية، دخل المبنى حيز التشغيل في عقد 1380هـ.ش. ويُعرف هذا المبنى الجديد أيضاً باسم «المبنى الأخضر» أو «مبنى اللجان»، وهو اليوم القلب النابض للعملية التشريعية في إيران، ويستقبل يومياً مئات النواب والخبراء والمستشارين والصحفيين والمراجعين.

وتتمثل أولى السمات البارزة للمبنى في الاختيار الواعي لأسلوب «العمارة الكلاسيكية الحديثة» للتعبير عن مفاهيم مثل النظام، وسيادة القانون، والاستدامة. وعلى خلاف التيارات المعمارية العابرة التي تأتي كل يوم بموضة جديدة، اختار مصممو هذا الصرح لغةً متجذرة في التقاليد العريقة للعمارة الحكومية، وتنقل إحساساً بالخلود والخروج من حدود الزمن. وقد غُطيت الواجهة الخارجية للمبنى بأحجار منحوتة كبيرة الحجم، تنقل إحساساً بالصلابة والثقل والديمومة. كما أن استخدام الحجر، بوصفه مادة تتميز بطول عمرها، يشكل في حد ذاته استعارةً لـ«الدستور» و«المؤسسات المستقرة» التي ينبغي أن تظل راسخة وثابتة في مواجهة التحولات السياسية والاجتماعية. وتخلق الواجهة، بخطوطها العمودية المرتفعة ونوافذها المستطيلة المنتظمة، إيقاعاً متجانساً ومهيباً يوحي للناظر بالنظام والانضباط. كما أضفى اللون الدافئ والطبيعي للأحجار على المبنى شخصيةً رسمية وجادة، وفي الوقت نفسه هادئة ومبعثة على الطمأنينة.

وقد صُمّم التنظيم الفضائي للمبنى على أساس التماثل المحوري. ويتميّز المدخل الرئيسي ببوابة مرتفعة ومهيبة تحيط بها أعمدة ضخمة. وتمتد هذه الأعمدة على ارتفاع عدة طوابق، فتستحضر إلى الأذهان الأروقة الحجرية في تخت جمشيد، والإيوانات الفخمة للقصور الإيرانية القديمة. ويضع هذا الاستحضار التاريخي الذكي «بيت الأمة» في سياق استمرارية تاريخ عريق من الحكم والحضارة، ويذكّر الزائر بأن التشريع وإدارة شؤون الحكم لهما جذور عميقة في تاريخ هذه الأرض. وبعد الدخول، تمتد قاعة مركزية واسعة وفسيحة، أو «أتريوم»، تشكل القلب الاتصالي للمبنى. وتسمح هذه المساحة، بسقفها المرتفع وفتحات الإضاءة العلوية، بدخول الضوء الطبيعي إلى الداخل، فتخلق فضاءً مشرقاً وحيوياً. كما زُيّنت جدران هذه القاعة بأبيات من أشعار كبار شعراء إيران، ولا سيما الأشعار الوطنية والأخلاقية.

أما القلب النابض للمبنى، فيتمثل في قاعات اللجان المتخصصة، ولا سيما القاعة الرئيسية للجلسات العامة. وقد استند تصميم هذه القاعات إلى مبدأي «الشفافية» و«تكافؤ الوصول». ونُظمت مقاعد النواب بصورة دائرية ومدرّجة حول منصة هيئة الرئاسة، بما يتيح لجميع النواب رؤيةً متساوية ووصولاً متكافئاً إلى مركز اتخاذ القرار. ويجسّد هذا الترتيب الدائري رمزاً لتساوي الأصوات وتكافؤ المكانة بين جميع ممثلي الأمة. كما صُممت إضاءة القاعات بحيث توفر أجواءً مركزة وخالية من الوهج، بما يسمح بساعات طويلة من النقاش وتبادل الآراء.

وتزخر الزخارف والتفاصيل الفنية للمبنى أيضاً بالرموز والدلالات. فقد نُقشت على الجدران والأسقف أبيات من أشعار كبار شعراء إيران، ولا سيما الأشعار الوطنية والأخلاقية. وتذكّر هذه الأشعار بالصلة بين التشريع والثقافة والأخلاق والهوية الوطنية. كذلك أسهم استخدام الزخارف الإسليمية والهندسية في أعمال الجصّ والتبليط الداخلي في إضفاء روح وهوية إيرانية على الفضاء الحديث للمبنى.

ويمثّل المبنى الجديد لمجلس الشورى الإسلامي، بالنسبة إلى المعماريين والمصممين المعاصرين، درساً مهماً في «عمارة الحكم». ويُظهر هذا الصرح كيف يمكن، من خلال اختيار الأسلوب والمواد وتنظيم الفضاءات، ترجمة مفاهيم مجردة مثل «القانون» و«الشفافية» و«الاستدامة» و«الديمقراطية» إلى لغة معمارية وبصرية متجسدة. كما يُعد هذا المبنى نموذجاً ناجحاً لـ«التنمية الحساسة للسياق»، إذ استطاع، مع احترام مبنى المجلس القديم التاريخي، أن يعرّف لنفسه هويةً مستقلة ومعاصرة. ولا يزال المبنى الجديد لمجلس الشورى، هذا التجسيد المعماري للديمقراطية، قائماً في قلب العاصمة، يشهد بصلابته ووقاره على قرارات ترسم ملامح مصير أمة.