في قلب النسيج التاريخي لمدينة رشت، تتجلّى عمارة سكنية مختلفة تمامًا عن أنماط العمارة في المناطق الجافة من إيران. فقد طوّر معماريّو جيلان، بحكم طبيعة الإقليم شديد الرطوبة وكثرة الأمطار ووفرة الغطاء النباتي، تصورًا خاصًا لمفهوم «البيت». هنا لا نجد الأفنية المركزية المغلقة، ولا الجدران الطينية العالية والسميكة، ولا الانغلاق على الداخل الذي يميز العمارة الصحراوية. وتُعدّ دار قديري في رشت، التي شُيّدت في العهد القاجاري وبدايات العهد البهلوي في حي سبزه ميدان، في قلب النسيج القديم للمدينة، نموذجًا بارزًا وفخمًا للعمارة الجيلانية المنفتحة على الخارج، بما تتميز به من أروقة واسعة ممتدة، وأسقف مائلة مكسوة بالقرميد، وفضاءات شبه مفتوحة تنفتح على الطبيعة الخضراء الغزيرة الأمطار في شمال إيران.
ولفهم الاختلاف الجوهري بين العمارة في جيلان وعمارة الهضبة الوسطى الإيرانية، لا بد أولًا من فهم منطقها المناخي. ففي المناطق الصحراوية، يتمثل الهدف الأساسي للعمارة في الحماية من الحرارة وأشعة الشمس الحارقة؛ ولذلك تتجه البيوت إلى الداخل، وتكون جدرانها سميكة وعالية، ويؤدي الفناء المركزي دور الرئة والمبرّد الطبيعي. أما في جيلان، فالمشكلة الأساسية ليست الحرارة، بل الرطوبة المرتفعة والمستمرة، والأمطار الغزيرة والطويلة، والحاجة الملحّة إلى حركة دائمة للهواء لمنع تعفّن الأخشاب وتكوّن العفن وتلف مواد البناء. وفي مثل هذا المناخ، كان إغلاق الفضاءات وإنشاء فناء مركزي محاط بالجدران سيؤدي إلى نتائج كارثية، ويسرّع تلف المبنى. لذلك كان الحل الذكي الذي ابتكره معماريّو جيلان هو الانفتاح على الخارج: بيت ينفتح على الطبيعة، ويضم أروقة واسعة ومرتفعة، ويسمح للهواء بالمرور بحرية في أرجائه.
شُيّدت دار قديري على قطعة أرض مستطيلة تبلغ مساحتها نحو 650 مترًا مربعًا، وكانت ملكًا لأحد تجار الحرير والشاي المعروفين والأثرياء في جيلان، الحاج محمد جعفر قديري. وعلى خلاف البيوت الصحراوية التي تختبئ خلف جدران عالية وقاسية، تنفتح هذه الدار على الشارع والحديقة المحيطة بها من خلال شرفاتها ونوافذها العديدة والكبيرة، وتقيم حوارًا دائمًا وتعايشًا متناغمًا مع الطبيعة المحيطة بها.
ويتمثل العنصر الأبرز والأكثر تميزًا في دار قديري في الأروقة الواسعة الممتدة التي تحيط بالمبنى من مختلف الجهات في طابق واحد أو طابقين. وترتكز هذه الأروقة على أعمدة خشبية رفيعة وأنيقة ومحكمة الصنع، فتشكّل فضاءً شبه مفتوح ومريحًا، لا هو داخل بالكامل ولا خارج بالكامل. وفي الأيام الممطرة، التي تشغل جزءًا كبيرًا من السنة في جيلان، كان بإمكان السكان الجلوس في هذه الأروقة، واحتساء الشاي الساخن، ومراقبة المطر والاستماع إلى صوته الهادئ، من دون أن تبتلّ ملابسهم. وحتى في الأيام المشمسة، وهي قليلة ونادرة في جيلان، كانت هذه الأروقة توفر ظلالًا لطيفة وباردة.
وقد أُحيطت الأروقة بسياجات خشبية دقيقة ومشبكة، تُعرف محليًا باسم «نرده خراطي»، أي الدرابزين الخشبي المشغول بالخراطة. وإلى جانب توفير قدر من الحماية وتحديد الفضاء ومنع السقوط، لم تكن هذه السياجات تعيق حركة الهواء، بل كانت تسمح لنسائم جيلان الرطبة بالمرور بحرية عبر أرجاء البيت وإبعاد الرطوبة عن الأسطح. ومن ثمّ، يمكن النظر إلى أروقة البيوت الجيلانية بوصفها «غلافًا متنفّسًا» و«مرشحًا مناخيًا» ذكيًا، يخفف تأثير الهواء الرطب عن السكان ويوفر قدرًا أكبر من الراحة الحرارية في مناخ جيلان الرطب والممطر.
أما السمة الثانية المميزة والرمزية في بيوت جيلان فهي الأسقف المائلة المغطاة بالقرميد المزجج. ففي إقليم يتجاوز فيه معدل الهطول السنوي 1300 مليمتر، ويكاد المطر يكون حاضرًا على الدوام، كان السقف الأفقي المسطح، الشائع في العمارة الإيرانية التقليدية، خيارًا غير عملي. لذلك صمّم المعماريون الجيلانيون أسقفًا شديدة الميلان نسبيًا، بحيث تنساب مياه الأمطار بسرعة عن سطحها ولا تتجمع فوقها. وكانت هذه الأسقف تُغطى بقرميد مزجج بألوان الأزرق والفيروزي والأخضر، وهو ما يضفي عليها جمالًا بصريًا وانسجامًا مع الطبيعة الخضراء لجيلان، فضلًا عن دوره في الحد من تسرب الرطوبة إلى داخل المبنى.
كما أن شكل الأسقف يجمع بين الوظيفة والجمال. فالأسقف المائلة في البيوت الجيلانية تتميز بحواف بارزة وامتدادات واسعة قد تخرج أحيانًا نحو متر عن مستوى الجدران، فتحمي الأروقة من مياه الأمطار، وتمنح المبنى في الوقت نفسه هيئة متموجة وحيوية وجذابة. وتُعرف هذه الامتدادات الواسعة في العمارة التقليدية الجيلانية باسم «لبهپوش»، وقد أدت دورًا أساسيًا في حماية الهيكل الخشبي للمبنى وجدرانه الطينية من الأمطار الغزيرة والرطوبة المستمرة.
وجيلان منطقة نشطة زلزاليًا، وقد أدرك المعماريون المحليون هذه الحقيقة منذ قرون. ولذلك كانت البيوت التقليدية في جيلان تعتمد عادةً على هياكل خشبية تُملأ بمواد خفيفة مثل الطين والقرميد. وكان هذا الهيكل الخشبي، المصنوع من أخشاب الأشجار القوية والمرنة في غابات هيركان، ولا سيما أشجار الآلدر والقيقب، يتمتع بمرونة عالية وقدرة أفضل على مقاومة الزلازل. وعلى خلاف الجدران الثقيلة والصلبة المصنوعة من الآجر والحجر، التي قد تتشقق وتنهار أثناء الزلازل، يستطيع الهيكل الخشبي امتصاص الاهتزازات والانحناء معها، مما يقلل من احتمال انهيار المبنى بالكامل.
أما الفضاء الداخلي لدار قديري، فقد زُيّن بأعمال جصية دقيقة، ورسوم جدارية بألوان هادئة، ونوافذ خشبية تتخللها قطع صغيرة من الزجاج الملون. وكانت الغرف تفصل بينها أبواب خشبية مزخرفة بالحفر والنقش، كما وفّرت التجاويف والرفوف المتعددة في الجدران أماكن لحفظ الأدوات والأشياء الزخرفية والعملية. وعلى خلاف البيوت الصحراوية التي يغلب فيها استخدام الجص والمرايا في الزخرفة، يحتل الخشب في بيوت جيلان مكانة أساسية؛ فالدرابزينات الخشبية المشغولة بالخراطة، والأبواب والنوافذ الخشبية، والأعمدة المنحوتة، كلها تعكس براعة الحرفيين الجيلانيين ومهارتهم في صناعة الخشب.
واليوم، وبعد عمليات ترميم دقيقة ومتخصصة، تُستخدم دار قديري بوصفها متحفًا إثنوغرافيًا ومركزًا ثقافيًا، وتستقبل السياح والمهتمين بعمارة جيلان وثقافتها. ويمكن للزائرين التجول في أروقتها الواسعة، والاستمتاع بمشهد المطر الجيلاني، والتعرف عن قرب إلى أنماط الحياة والعمارة التقليدية في هذه المنطقة.
وتقدم دار قديري في رشت للمعماريين المعاصرين درسًا متكاملًا وملهمًا في التصميم المتوافق مع المناخ. فهي تبيّن كيف تستطيع العمارة، بدلًا من مقاومة الطبيعة وفرض نفسها عليها، أن تتعايش معها، وأن تحول قيودها إلى فرص جمالية، وأن تستخلص من التحديات المناخية حلولًا ذكية ومستدامة. فالأروقة الواسعة، والأسقف المائلة، والهيكل الخشبي، كلها حلول مبتكرة لمواجهة تحديات الرطوبة والأمطار والزلازل في شمال إيران، ويمكن أن تشكل مصدر إلهام لتصميم المساكن في مناطق أخرى من العالم تتسم بغزارة الأمطار والنشاط الزلزالي.