الهندسه المعمارية

بازار تبريز: أكبر سوقٍ مسقوف في العالم؛ مدينةٌ تحت الأقواس الآجرية

لفهم عظمة سوق تبريز، لا بد أولًا من إدراك الموقع الاستراتيجي الذي احتلته المدينة عبر التاريخ. فقد ظلت تبريز قرونًا طويلة تقع على أحد أهم شرايين طريق الحرير، ذلك الطريق الذي كان يربط شرق آسيا بأوروبا. وكانت قوافل التوابل والحرير والسجاد والمجوهرات والمعادن النفيسة القادمة من الصين والهند وإيران والدولة العثمانية والبندقية تلتقي في تبريز، حيث كانت السلع تُتداول وتُعقد الصفقات التجارية. وقد زار الرحالة الفينيسي الشهير ماركو بولو سوق تبريز في القرن الثالث عشر الميلادي، وأبدى دهشته من ضخامة حركة التبادل التجاري فيه. وقد جعل هذا الموقع الاستراتيجي سوق تبريز يتجاوز كونه مركزًا تجاريًا محليًا أو وطنيًا، ليتحول إلى «مركز اقتصادي دولي» كان التجار يتوافدون إليه من مختلف أنحاء العالم.

 

في قلب مدينة تبريز، وبين صخب الشوارع الحديثة وازدحام السيارات، تمتد شبكة مترابطة من الممرات المسقوفة والتيمچهات والخانات والقيصريات، تشكّل أكبر مجمّع آجُري متصل في العالم. وتبلغ مساحة سوق تبريز نحو كيلومتر مربع واحد، ويضم أكثر من 6500 حانوت، و40 سوقًا مسقوفة رئيسية، و35 خانًا، و25 تيمچهًا، و30 مسجدًا، و20 ممرًا، و12 مدرسة. ولذلك فهو ليس مجرد مركز للتسوق، بل «مدينة كاملة» في قلب المدينة. وقد أُدرج هذا السوق في قائمة التراث العالمي لليونسكو، ولا يزال يمثل كائنًا حيًا نابضًا بالحياة، يخفق فيه، بعد ما يقرب من ألف عام، نبض تبريز الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

ولفهم عظمة سوق تبريز، لا بد أولًا من إدراك الموقع الاستراتيجي الذي احتلته المدينة عبر التاريخ. فقد ظلت تبريز قرونًا طويلة تقع على أحد أهم شرايين طريق الحرير، ذلك الطريق الذي كان يربط شرق آسيا بأوروبا. وكانت قوافل التوابل والحرير والسجاد والمجوهرات والمعادن النفيسة القادمة من الصين والهند وإيران والدولة العثمانية والبندقية تلتقي في تبريز، حيث كانت تُتداول السلع وتُعقد الصفقات. وقد زار الرحالة الفينيسي الشهير ماركو بولو سوق تبريز في القرن الثالث عشر الميلادي، وأبدى دهشته من ضخامة حركة التجارة فيه. وقد حوّل هذا الموقع الاستراتيجي سوق تبريز، لا إلى مركز تجاري محلي أو وطني فحسب، بل إلى «مركز اقتصادي دولي» كان التجار يتوافدون إليه من مختلف أنحاء العالم.

وتعود النواة الأولى للسوق إلى القرون الإسلامية الأولى، غير أن ذروة ازدهاره تحققت خلال العصور الإيلخانية والصفوية، ولا سيما في العصر القاجاري. ففي العهد القاجاري، اكتسبت تبريز أهمية مضاعفة بوصفها «بوابة الحداثة في إيران» وأهم مركز للتواصل بين إيران وروسيا والدولة العثمانية وأوروبا، وتحول سوقها إلى أحد أهم المراكز التجارية في الشرق الأوسط. وكان تجار تبريز يديرون جانبًا مهمًا من اقتصاد المنطقة من خلال شبكة واسعة من الخانات ومكاتب الصرافة والمكاتب التجارية، بينما كان السوق يمثل القلب النابض لهذا النظام الاقتصادي.

وقد يبدو البناء المكاني لسوق تبريز، للوهلة الأولى، أشبه بمتاهة معقدة تفتقر إلى النظام: ممرات ضيقة ومتعرجة، وعقود آجُرّية متتابعة، وفضاءات تبدو وكأنها تمتد بلا نهاية. غير أن هذا الاضطراب الظاهري يخفي وراءه «نظامًا خفيًا» وتسلسلًا مكانيًا بالغ الدقة. فقد صُمم السوق وفق تنظيم هرمي واضح؛ فـ«الراسته» هي الأسواق الرئيسية، وهي ممرات طويلة ومستقيمة نسبيًا تشكل العمود الفقري للسوق، وكان يختص كل منها عادةً بحرفة أو تجارة معينة، مثل سوق باعة السجاد، وسوق الصاغة، وسوق العطارين، وسوق النحاسين، وسوق الإسكافيين. أما «التيمچهات»، فهي فضاءات فخمة مقببة تقع عند تقاطعات الأسواق أو داخل الخانات، وكانت مخصصة لتجارة السلع الأكثر قيمة، مثل السجاد النفيس والمجوهرات والأقمشة الموشاة بخيوط الذهب. وكانت «السرايات» خانات داخل المدن ذات أفنية مركزية، مخصصة لإقامة التجار الأجانب وتخزين بضائعهم. أما «الدالان» فكانت ممرات فرعية تربط بين أجزاء السوق، في حين كانت «الحوانيت» متاجر صغيرة للتجار وأصحاب الحرف. وقد أسهم هذا التسلسل المكاني في تنظيم حركة السلع والمتسوقين بكفاءة، وفي الوقت نفسه منح السوق تنوعًا وغنىً مكانيًا استثنائيين.

وتُعد التيمچهات من أبرز جواهر العمارة في سوق تبريز. ويأتي تيمچه مظفرية في مقدمتها، فهو أشهر تيمچهات السوق وأكثرها فخامة، بقبة شاهقة وفتحات علوية موزعة بذكاء، وزخارف آجُرّية وأعمال قاشانية مميزة، تخلق فضاءً ترتقي فيه التجارة من مجرد نشاط اقتصادي إلى طقس احتفالي مهيب ذي طابع روحاني. فالضوء المتسلل عبر الفتحات الموجودة في سقف القبة يحول ذرات الغبار العالقة في الهواء إلى ما يشبه الذهب، ويخلق أجواءً شاعرية وفوق واقعية تكاد تكون صوفية. ويأتي تيمچه أمير وتيمچه حاج شيخ وتيمچه شازده من بين النماذج الأخرى البارزة، إذ يتميز كل منها بتصميمه الخاص ويشكل تحفة من تحف العمارة التجارية في السوق.

ومن أكثر الجوانب إثارة للدهشة في سوق تبريز نظام التهوية الطبيعية فيه، الذي صُمم قبل قرون طويلة من اختراع الكهرباء وأجهزة تكييف الهواء. فالعقود المرتفعة وفتحات السقف تُحدث ما يشبه «تأثير المدخنة» الطبيعي؛ إذ يرتفع الهواء الساخن إلى الأعلى ويخرج عبر فتحات السقف، بينما يُسحب الهواء الأكثر برودة إلى الداخل من المداخل السفلية. ويحافظ هذا التدفق الطبيعي المستمر للهواء على اعتدال درجة الحرارة داخل السوق خلال صيف تبريز الحار. أما في الشتاء البارد، فتعمل الكتلة الحرارية الكبيرة للجدران الآجرية السميكة على الاحتفاظ بالحرارة التي تمتصها خلال النهار وإطلاقها تدريجيًا أثناء الليل، مما يساعد على إبقاء الفضاء الداخلي دافئًا نسبيًا. وتتكون المواد الأساسية للسوق من الآجر وملاط الجص والجير، وهي مواد لا تتميز بالمتانة والصلابة فحسب، بل توفر أيضًا عزلًا حراريًا وصوتيًا ممتازًا. أما العقود الآجرية، التي شُيدت من دون استخدام السقالات، وإنما من خلال الرصف الدقيق للآجر في أشكال منحنية، فتمثل تحفة هندسية إنشائية أتاحت تغطية مساحات واسعة من دون الحاجة إلى عوارض خشبية أو معدنية. وتمثل هذه «العمارة المستدامة»، التي تحقق أقصى درجات الراحة بأقل استهلاك للطاقة، درسًا ثمينًا في تصميم المراكز التجارية المعاصرة.

ولم يكن سوق تبريز مجرد مركز للتسوق، بل كان «مؤسسة اجتماعية» متكاملة وذات تأثير واسع. فقد انتشرت في داخله مساجد عديدة لإقامة الصلاة للتجار والمتسوقين، إلى جانب المدارس الدينية والحمّامات العامة و«الزورخانة»، وهي صالات الرياضة التقليدية، والمقاهي، بل وحتى بعض المرافق الصحية. وكان السوق بمثابة «مدينة داخل المدينة»، يستطيع سكانها، من تجار وحرفيين وعمال ووسطاء وأسرهم، تلبية مختلف احتياجاتهم اليومية والتعليمية والدينية والصحية. كما كان السوق «مؤسسة سياسية» ذات نفوذ كبير؛ إذ تمتع التجار وأصحاب الحرف فيه بقوة اقتصادية واجتماعية ملحوظة، وكان لهم دور محوري في العديد من الأحداث المهمة في التاريخ الإيراني الحديث، ومنها الثورة الدستورية والحركة الوطنية لتأميم النفط. وبفضل شبكة الاتصالات المتماسكة التي كانت تربط أجزائه، كان سوق تبريز قادرًا على التحول بسرعة إلى «بؤرة احتجاج»، فيما كان إضراب التجار وأصحاب الحرف يمثل واحدًا من أكثر الأسلحة السياسية فاعلية في مواجهة الحكومات المستبدة.

أما اليوم، فلا يزال سوق تبريز، بعد مرور قرون على إنشائه، حيًا ونابضًا بالحركة والازدهار. وتباع فيه السجاد التبريزي اليدوي الفاخر، بتصاميمه الشهيرة المستوحاة من هريس وتركمان، إلى جانب التوابل الملونة ذات الروائح الزكية، والمجوهرات والذهب، والحرف الجلدية، والحلويات التقليدية مثل «القُرابِيّة» والبقلاوة و«النوقا». وعلى خلاف كثير من الأسواق التاريخية التي تحولت إلى متاحف جامدة أو فضاءات سياحية بحتة، لا يزال سوق تبريز متداخلًا مع الحياة اليومية لسكان المدينة، ولا يزال نبض الاقتصاد والثقافة يخفق في أروقته.

ويمثل سوق تبريز بالنسبة إلى المعماريين ومخططي المدن المعاصرين كتابًا دراسيًا متكاملًا. ويتمثل الدرس الأول في «تكامل الوظائف». ففي الوقت الذي تحولت فيه مراكز التسوق الحديثة في كثير من الأحيان إلى فضاءات أحادية الوظيفة، تفتقر إلى الروح وتنقطع عن نسيج المدينة، يبرهن سوق تبريز على أن المركز التجاري الناجح ينبغي أن يتكامل مع الوظائف الدينية والتعليمية والترفيهية والصحية والاجتماعية، وأن يتحول إلى «مركز للحي» أو «قلب للمدينة». أما الدرس الثاني فهو «التصميم المناخي المستدام». فقد تمكن سوق تبريز، باستخدام المواد المحلية والعقود الآجرية وفتحات السقف المصممة بذكاء، من إنشاء نظام تهوية طبيعي منخفض الاستهلاك للطاقة، ولا يزال هذا النظام يعمل بكفاءة بعد قرون من إنشائه. ويتمثل الدرس الثالث في «البعد الاجتماعي والسياسي للفضاءات التجارية». فسوق تبريز يثبت أن المركز التجاري يمكن أن يتجاوز وظيفته الاقتصادية البحتة ليصبح العمود الفقري للاقتصاد المحلي، والقلب النابض للحياة الاجتماعية، بل وحتى مؤسسة سياسية مؤثرة.