الهندسه المعمارية

حرم الإمام الرضا: كتاب تاريخ وفنّ إيران؛ من ضريح صغير إلى مدينة مقدسة

يُعدّ المرقد المطهّر للإمام الرضا (ع)، هذا التحفة الفريدة التي لا نظير لها في العمارة الإيرانية الإسلامية، بمساحة تزيد على مليون متر مربع، واحداً من أكبر وأفخم المجمعات الدينية في العالم. وعلى مدى اثني عشر قرناً، ظل هذا الصرح يتعاقب عليه البناء والهدم وإعادة الإعمار والتوسعة بصورة متواصلة. ويشكّل هذا المجمع الهائل «كائناً حياً» من الفن والعمارة والتاريخ والروحانية، تروي كل زاوية فيه حكايةً من حكايات الإيمان والذوق والعبقرية التي أبدعها الفنانون والمعماريون الإيرانيون، ويستقبل اليوم عشرات الملايين من الزائرين سنوياً من مختلف أنحاء العالم.

في قلب مدينة مشهد، يقوم مجمّعٌ ليس مجرد مزار، بل هو التجسيد المادي لعبارة «كتاب تاريخ وفنّ إيران». ويُعدّ حرم الإمام الرضا (ع)، هذه التحفة الفريدة التي لا نظير لها في العمارة الإيرانية الإسلامية، بمساحة تزيد على مليون متر مربع، واحداً من أكبر وأفخم المجمعات الدينية في العالم. وعلى مدى اثني عشر قرناً، ظل هذا الصرح يتعاقب عليه البناء والهدم وإعادة الإعمار والتوسعة بصورة متواصلة. ويشكّل هذا المجمع الهائل «كائناً حياً» من الفن والعمارة والتاريخ والروحانية، تروي كل زاوية فيه حكايةً من حكايات الإيمان والذوق والعبقرية التي أبدعها الفنانون والمعماريون الإيرانيون، ويستقبل اليوم عشرات الملايين من الزائرين سنوياً من مختلف أنحاء العالم.

تبدأ حكاية الحرم بواقعة أليمة ومفصلية وقعت سنة 203هـ. ففي ذلك العام، استُشهد الإمام علي بن موسى الرضا (ع)، الإمام الثامن لدى الشيعة، في طوس، مشهد الحالية، ودُفن جسده الطاهر في بستان يُعرف باسم «بستان حميد بن قحطبة»، في ضواحي المدينة، إلى جوار ضريح هارون الرشيد، الخليفة العباسي. ومنذ تلك اللحظة، تحوّل هذا الموضع إلى مزار يقصده الشيعة ومحبو أهل البيت. وفي عهد الغزنويين، وبجهود الأمير محمود الغزنوي، شُيّد أول بناء لضريح الإمام فوق المرقد المطهّر، وأقيمت فوقه قبة من الآجر. وفي العصر السلجوقي، أضيفت إلى البناء زخارف من البلاط والخشب والجص، وتوسّع المجمع تدريجياً.

غير أن المنعطف التاريخي والمعماري الأبرز في مسيرة الحرم جاء في العصر الصفوي. فقد أولى ملوك الصفويين، بعد اعتماد المذهب الشيعي مذهباً رسمياً في إيران، عنايةً خاصة بحرم الإمام الرضا (ع)، وحوّلوا هذا المكان إلى أحد أهم المراكز الدينية والثقافية في إمبراطوريتهم. وفي هذه المرحلة، خضع بناء الضريح لترميم شامل، وكُسيت القبة للمرة الأولى بصفائح الذهب، لتولد بذلك «القبة الذهبية». وهذه القبة، التي أصبحت اليوم الرمز الأبرز للحرم ومدينة مشهد، مكسوّة بطبقتين من الذهب يبلغ سمكهما نحو سنتيمترين، وقد جُدّدت طلاوتها بالذهب مرات عديدة على مر التاريخ. ويبلغ ارتفاع القبة، من أرضية الروضة المنوّرة إلى أعلاها، نحو 31 متراً، فيما يبلغ قطر فتحتها نحو 10 أمتار.

كما أمر الشاه طهماسب الصفوي ببناء الإيوان الذهبي في «الصحن العتيق»، الذي يُعد اليوم أحد المداخل الرئيسية إلى الروضة المنوّرة، وقد زُيّن ببلاطات الفسيفساء الذهبية اللون والكتابات القرآنية. وفي العصر نفسه، شُيّد «الصحن العتيق» المعروف اليوم بصحن الثورة، بأيوانه الفخمة، وأُضيفت تدريجياً إلى المجمع مبانٍ أخرى، مثل المدارس الدينية والخانات والحمّامات.

أما جوهرة المجمع المتألقة، فلا شك أنها مسجد گوهرشاد. فهذا المسجد، الواقع في الجهة الجنوبية من الحرم، شُيّد في القرن التاسع الهجري، في العصر التيموري، بأمر من گوهرشاد آغا، زوجة شاهرخ التيموري، التي عُرفت بحبها للفن ونفوذها، وبتصميم من الأستاذ قوام الدين الشيرازي، المعماري الإيراني العبقري. ويمثّل المسجد تحفةً متكاملة من عمارة العصر التيموري. ويعرض مسجد گوهرشاد، بمخططه ذي الأواوين الأربعة، وقبته الفيروزية الهائلة، وأيوانه المرتفعة والفخمة، نموذجاً كلاسيكياً للمسجد الإيراني.

أما إيوان المقصورة، وهو الإيوان الجنوبي للمسجد، فيبلغ ارتفاعه نحو 37 متراً، وعرضه قرابة 15 متراً، ولا يُعدّ أعلى أيوِنة مجمع الحرم فحسب، بل واحداً من أفخم الأيوِنة في العالم الإسلامي. وقد زُيّن هذا الإيوان ببلاطات الفسيفساء ذات الألوان السبعة، والكتابات القرآنية بخطي الثلث والنسخ، والمقرنصات الجصية المعقدة البديعة الصنع. أما محراب المسجد، المصنوع من قطعة واحدة من الرخام الشفاف، فقد زُيّن ببلاطات الفسيفساء والكتابات القرآنية، ليشكّل النقطة المحورية لهذا الفضاء الروحي المهيب.

وتتألق قبة مسجد گوهرشاد الفيروزية فوق الإيوان الجنوبي، وقد زُيّنت ببلاطات فيروزية ولازوردية ونقوش إسليمية، لتغدو رمزاً للتناغم بين السماء والأرض في العمارة الإسلامية. أما أروقة المسجد، بأعمدتها الآجرية وقبابها وعقودها المبنية بالطريقة التقليدية، فقد وفّرت فضاءات باردة وهادئة لعبادة الزائرين.

أما القلب النابض للحرم، فهو «الروضة المنوّرة»، أي الفضاء المحيط بالضريح المطهّر. ويقع هذا الفضاء تحت القبة الذهبية، وقد زُيّن بأعمال مبهرة من المرايا، وبزخارف جصية دقيقة وعميقة، وبلاطات فسيفسائية تحمل نقوشاً إسليمية وكتابات قرآنية. أما الضريح المطهّر، المصنوع من الذهب والفضة، والمزيّن بفنون النقش على المعدن والتذهيب والمينا، فيشكّل النقطة المحورية والمقدسة في الحرم.

وتنساب الإضاءة الناعمة إلى الداخل عبر النوافذ المشبكة والثريات الكريستالية الضخمة، فتخلق أجواءً روحانية هادئة باعثة على السكينة والخشوع.

غير أن حرم الإمام الرضا ليس مجرد معلم تاريخي، بل هو أيضاً «مدينة زيارية» حديثة وديناميكية. ففي العقود الأخيرة، غيّرت مشاريع التوسعة الضخمة ملامح الحرم بصورة كبيرة. ويُعدّ «الصحن الجامع الرضوي»، الذي تزيد مساحته على ستة هكتارات، واحداً من أكبر صحون الأماكن الدينية في العالم. وقد شُيّد في الجهة الغربية من الحرم، ويضم أيوانةً فخمة، وأحواضاً مائية كبيرة، ومساحات خضراء واسعة، تتيح له استيعاب مئات الآلاف من الزائرين.

كما شُيّدت «الأروقة تحت الأرض» على عدة طوابق أسفل صحون الحرم، لتوفر فضاءات باردة وهادئة وروحانية للعبادة والاستراحة وإقامة صلاة الجماعة للزائرين. وقد صُممت هذه الأروقة بأسلوب حديث، مع إضاءة ناعمة، لتخلق فضاءً روحانياً مريحاً ومحبباً للزائرين. كما أضفت «المآذن الجديدة»، بتصميمها الحديث وإضاءتها الليلية، مزيداً من الفخامة على هذا المجمع.

ومن الأقسام المهمة الأخرى في الحرم «المكتبة المركزية لآستان قدس الرضوي»، التي تضم ملايين الكتب والمخطوطات النفيسة، وتشكل في حد ذاتها مركزاً علمياً وثقافياً كبيراً. كما تعرض «متاحف آستان قدس» مجموعة من الآثار المهداة من عصور مختلفة، لتشكّل خزينةً ثمينة من الفن والتاريخ الإيراني.

ويمثّل حرم الإمام الرضا بالنسبة إلى المعماريين والمصممين المعاصرين كتاباً دراسياً متكاملاً؛ فهو يقدّم دروساً في «استمرارية العمارة وتطورها عبر التاريخ»، و«دمج الفنون المختلفة ضمن مجمّع واحد»، و«تصميم الفضاءات العامة واسعة النطاق لاستيعاب ملايين الأشخاص»، و«التنمية الحساسة للسياق إلى جانب المباني التاريخية».

ولا يزال حرم الإمام الرضا، هذا الكتاب المفتوح لتاريخ إيران وفنها، يتلألأ في قلب مشهد، ويروي، في همسٍ عميق، حكاية الإيمان والفن والتاريخ الحافل بالتقلبات في هذه الأرض.