في قلب جبال زاغروس الشاهقة، وفي وادٍ أخضرَ وارِفٍ يتدفق نهرٌ هادرٌ عبر أرجائه، تقع مدينة ذاع صيتُها في أرجاء إيران بفضل ثقافتها وفنونها وعمارتها المهيبة. إنّ سنندج، مركز محافظة كردستان، مدينةٌ نشأت في العصر الصفوي بوصفها مركزًا لحكم الأردلانيين، وهم من الولاة الأكراد ذوي النفوذ، وسرعان ما تحولت إلى أحد أهم المراكز الثقافية والسياسية والاقتصادية في غرب إيران. ويمكن وصف سنندج بأنها «العاصمة الثقافية لكردستان»؛ فهي مدينة امتزجت فيها العمارة الإيرانية الرسمية والبلاطية بالتقاليد الكردية المحلية، في تناغم أفضى إلى ابتكار لغة معمارية جديدة وفريدة من نوعها.
ترتبط حكاية سنندج ارتباطًا وثيقًا بأسرة الأردلانيين. فقد حكم الأردلانيون أجزاء واسعة من كردستان قرابة أربعة قرون، منذ العصر الصفوي وحتى أواخر العهد القاجاري، واتخذوا سنندج مركزًا لحكمهم. وكانوا، من جهة، يعدّون أنفسهم موالين للملوك الصفويين، ومن جهة أخرى، ينافسون الإمارات المحلية المجاورة والدولة العثمانية. ولإبراز عظمتهم وقوتهم وإضفاء الشرعية على حكمهم، شيدوا مباني فخمة.
استلهمت هذه المباني، من ناحية، أساليب العمارة الإيرانية الرسمية، ولا سيما العمارة الصفوية في أصفهان، واستفادت، من ناحية أخرى، من التقاليد المحلية ومواد البناء المتوافرة في المنطقة والذائقة الفنية لأبناء كردستان. وكانت حصيلة هذا المزج المدروس عمارةً تجمع بين الفخامة والتناظر والتناسبات الإيرانية، من جهة، والانسجام التام مع الطبيعة الجبلية والثقافة الكردية والمناخ البارد والمعتدل للمنطقة، من جهة أخرى.
عمارة خسروآباد: جوهرة سنندج المعمارية
تُعدّ عمارة خسروآباد، الجوهرة المتلألئة والرمز المعماري لسنندج، أبرز مثال على هذا التمازج. وقد شُيّدت هذه العمارة في أوائل العهد القاجاري بأمر من أمان الله خان الأردلاني، والي كردستان القوي والمحب للثقافة، وهي عبارة عن مجمع متكامل من القصر والحديقة، يضم مبنيين رئيسيين وأفنية واسعة وحديقة خضراء آسرة.
تتميّز الواجهة الرئيسية للمبنى بإيوان مرتفع ومهيب، يستند إلى أعمدة حجرية مصمتة، متقنة النحت وحسنة التشكيل، ما يمنح الواجهة طابعًا وقورًا ومهيبًا، مع إحساس بالترحاب في الوقت نفسه. ويطل هذا الإيوان على الحديقة والحوض المائي الكبير المقابل له، موفّرًا فضاءً نصف مفتوح ومريحًا للجلوس والتحاور واستقبال الضيوف المميزين والاستمتاع بمشاهد الطبيعة.
ويقع خلف الإيوان المجلس الرئيسي، المعروف باسم «الشاهنشين»، أي مجلس الشاه، وهو مزدان بزخارف المرايا الدقيقة والآسرة، والنقوش الجصية العميقة والغنية بالتفاصيل، واللوحات الجدارية التي تتناول موضوعات الصيد الملكي ومجالس الطرب والرقص والمناظر الطبيعية والحكايات الملحمية والعاطفية.
أما سقف القاعة، فتغطيه مقرنصات جصية معقدة وزخارف نباتية حلزونية وأشكال هندسية، تتوسطه قبة صغيرة تُعرف باسم «كلاه فرنگي»، تؤدي وظيفة المنور المركزي الذي يسمح بدخول الضوء من الأعلى إلى داخل القاعة.
وتسمح النوافذ الإيرسية الكبيرة والمرتفعة، ذات الزجاج الملون بالأحمر والأصفر والأزرق والأخضر، بتسلل ضوء ناعم متعدد الألوان إلى الداخل، فتخلق أجواء شاعرية وروحانية.
وما يميز خسروآباد عن القصور المشابهة في أصفهان وطهران هو الاستخدام الواسع والمتقن للحجر بوصفه مادة البناء الأساسية. فقد أضفت الأحجار المنحوتة والمشكّلة بعناية، والمستخرجة من جبال زاغروس، على المبنى مظهرًا متينًا وخالدًا، وجعلته منسجمًا مع الجبال المحيطة به.
بيت آصف وزيري: متحف التراث الشعبي الكردي
يُعدّ بيت آصف وزيري، المعروف أيضًا باسم «عمارة آصف ديوان»، التحفة المعمارية الثانية في سنندج. وقد تحوّل اليوم إلى متحف الأنثروبولوجيا في كردستان، ويُعدّ من أغنى متاحف التراث الشعبي في إيران.
تعود النواة الأولى لهذا المبنى إلى العصر الصفوي، ثم تولّت أسرة آصف، التي ضمّت عددًا من كبار موظفي الدولة والوزراء النافذين في كردستان، تشييده وتوسيعه على مدى أجيال متعاقبة. ويضم المبنى عدة أفنية مستقلة، وقاعات مزينة بالمرايا، وأروقة تستند إلى أعمدة حجرية، فضلًا عن أحد أفخم الحمّامات الخاصة وأجملها في إيران.
ويُعدّ حمّام آصف نموذجًا لافتًا للتكامل بين الفن والوظيفة في العمارة الخدمية؛ إذ يتميز بأعمدته الحجرية المصمتة، وأسقفه المقببة، وزخارف البلاط متعدد الألوان، والنقوش الجصية الدقيقة.
أما الفناء الرئيسي للعمارة، بأرضيته الحجرية المرصوفة بانتظام والحوض الكبير الذي يتوسطه، فقد كان يوفر فضاءً مهيبًا لاستقبال الضيوف المميزين والسفراء والممثلين السياسيين.
ويعرض المتحف مجموعة من المقتنيات الإثنوغرافية، والأزياء الكردية التقليدية ذات الألوان والزخارف اللافتة، والأدوات والمعدات الزراعية، إلى جانب الحرف اليدوية التي تشتهر بها المنطقة.
المسجد الجامع في سنندج: مسجد دار الإحسان
يُعدّ المسجد الجامع في سنندج، المعروف أيضًا باسم «مسجد دار الإحسان»، من أبرز المعالم المعمارية القيّمة في المدينة. وقد شُيّد في العهد القاجاري بأمر من أمان الله خان الأردلاني، ويتميز بمئذنتين طويلتين ونحيلتين، وقبة فيروزية مهيبة، وقاعة للصلاة تضم أعمدة حجرية ملتوية ومتقنة النحت، ما يجعله أحد أجمل مساجد غرب إيران.
وتضم قاعة الصلاة 24 عمودًا حجريًا ملتويًا، نُحتت ببراعة لافتة، إلى جانب أقواس من الآجر، لتوفر فضاءً باردًا وهادئًا، يبعث على السكينة والخشوع أثناء العبادة.
أما المحراب، فيزدان ببلاط متعدد الألوان ونقوش قرآنية مكتوبة بالخط الثلث. ويتوسط قاعة الصلاة حوض مائي يضفي على المكان مزيدًا من البرودة والانتعاش، فيما يعزز خرير الماء الهادئ الأجواء الروحانية للمصلين.
السوق التقليدي في سنندج: قلب الحياة التجارية
يمثل السوق التقليدي في سنندج، بأقبيته المبنية من الآجر ومحاله التراثية وأزقته التجارية المتعددة التي تضج بالحركة، شريان التجارة والحياة اليومية في المدينة.
وقد شُيّد السوق في العهد القاجاري وفق تصميم يتخذ شكل ملتقى تتقاطع فيه الممرات التجارية الرئيسية، وتعلو نقطة التقاطع قبة من الآجر.
وتُباع في أرجائه منتجات الحرف اليدوية الكردية، مثل سجاد سنندج الصغير المزدان بتصميمات هراتية وزخارف الأزهار والطيور، وأحذية «الكيوة» التقليدية المخيطة يدويًا، فضلًا عن المنتجات المحلية المتنوعة.
الحجر والإيوانات: بصمة العمارة في سنندج
من السمات الفريدة لعمارة سنندج الاستخدام الواسع والمتقن للحجر. فعلى خلاف المدن الصحراوية الإيرانية، حيث يشكّل الطوب اللَّبِن والآجر مواد البناء السائدة، يحتل الحجر مكانة محورية في عمارة سنندج، بفضل وفرة الصخور في جبال زاغروس.
وتكشف الأعمدة الحجرية المصمتة، والتيجان المزخرفة بالمقرنصات، والأرضيات الحجرية للأفنية، والكسوات الحجرية في الأجزاء السفلية من الجدران، عن المهارة الاستثنائية التي يتمتع بها حجّارو كردستان.
كما تُعرف سنندج بأنها «مدينة الإيوانات»؛ إذ تنتشر الإيوانات العالية القائمة على الأعمدة في العديد من مبانيها، وتوفر فضاءات نصف مفتوحة ومريحة تتلاءم مع الحياة في المناخ الجبلي.
وتتجه هذه الإيوانات عادةً نحو الجنوب، وتطل على الأفنية أو الحدائق، فتوفّر الظل والبرودة في الصيف، وتشكّل ملاذًا دافئًا يحمي السكان من رياح زاغروس الباردة في الشتاء.
سنندج: دروس في العمارة المستدامة والهوية المحلية
تقدّم سنندج للمعماريين ومخططي المدن المعاصرين دروسًا قيّمة في «المزج بين العمارة الرسمية والعمارة المحلية»، و«استخدام مواد البناء المحلية، مثل الحجر»، و«تصميم الإيوانات نصف المفتوحة بما يتناسب مع المناخ الجبلي»، و«أهمية الحدائق والمياه في العمارة».
وتُظهر هذه المدينة كيف يمكن لمركز حضاري أن يستفيد من التأثيرات الخارجية، مع الحفاظ على هويته المحلية، وأن يبتكر لغة معمارية جديدة وفريدة من نوعها.
ولا تزال سنندج، هذه المدينة ذات الإيوانات الحجرية، تروي بصوت خافت، في ظلال جبال زاغروس ونسمات حدائقها العليلة، حكاية عظمة الشعب الكردي وثقافته وفنونه.