في ضواحي مدينة مشهد، وفي سهل فسيح تطلّ أنظاره من جهة على جبال بينالود الشامخة، ومن جهة أخرى على المرقد الملكوتي للإمام الرضا (ع)، يقوم صرحٌ ليس مجرد ملعب رياضي، بل هو «جوهرة فيروزية» في شرق إيران، و«سمفونية من العمارة الإسلامية والحديثة»، ورمزٌ للتقدم والتنمية والتمسك بالهوية في واحدة من أهم الحواضر الكبرى في إيران والعالم الإسلامي. ويُعدّ ملعب الإمام الرضا، بسعة تبلغ 35 ألف متفرج ومساحة تزيد على 30 هكتاراً، واحداً من أكبر الملاعب وأكثرها تجهيزاً وحداثةً في إيران والشرق الأوسط، إذ يجسّد، من خلال تصميمه الفريد والرمزي، مزيجاً ذكياً وبديعاً ومثيراً للإعجاب بين العمارة الإيرانية الإسلامية التقليدية وأحدث تقنيات العالم المعاصر.
بدأت قصة بناء هذا الملعب استجابةً للحاجة الملحّة والقديمة لمدينة مشهد إلى ملعب حديث وكبير يليق بمكانة العاصمة الروحية لإيران، وقادر على استضافة الفعاليات الرياضية الوطنية والدولية. فمشهد، بوصفها ثاني أكبر حاضرة في إيران وواحدة من أهم مراكز الزيارة والسياحة في العالم الإسلامي، ويقطنها أكثر من ثلاثة ملايين نسمة، وتستقبل سنوياً عشرات الملايين من الزوار والسياح من مختلف أنحاء إيران والعالم، كانت بحاجة إلى بنية تحتية رياضية حديثة وفق المعايير الدولية. وكان ملعب تختي القديم في مشهد، بسعته المحدودة وتجهيزاته المتقادمة، قد أصبح عاجزاً عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، فطُرح مشروع إنشاء ملعب جديد وكبير ومجهز على جدول أعمال المسؤولين في المدينة والبلاد. وبعد إجراء الدراسات الأولية والتصميم والتخطيط، بدأت الأعمال التنفيذية لهذا المشروع الضخم والطموح في أواخر عقد الثمانينيات من القرن الرابع عشر الهجري الشمسي، واستمرت لنحو عقد من الزمن وسط جهود متواصلة وعمل على مدار الساعة وتجاوز العديد من التحديات الفنية والتنفيذية، إلى أن افتُتح رسمياً عام 1397 هـ.ش، ليصبح واحداً من أبرز نماذج العمارة والهندسة المعاصرة في إيران.
وما يميز ملعب الإمام الرضا، منذ النظرة الأولى، عن سائر الملاعب في إيران، بل وفي منطقة الشرق الأوسط، هو تصميمه المعماري الفريد والرمزي والعميق الدلالة. فقد استُلهمت الواجهة الخارجية والقشرة الخارجية للملعب من القباب الفيروزية والذهبية للمرقد المطهر للإمام الرضا (ع)، ومن العمارة التقليدية المهيبة لخراسان الكبرى، وجاءت مكسوة بقشرة شبكية متموجة آسرة، مصنوعة من قطع معدنية كبيرة يغلب عليها اللون الفيروزي. وهذا اللون الفيروزي، الذي يرمز في الثقافة الإيرانية الإسلامية إلى الجنة والروحانية والسكينة، منح الملعب هويةً روحانية وسماوية، وجعله متميزاً عن سائر الملاعب في العالم.
وهذه القشرة الشبكية، التي تبدو كأنها شبكة رقيقة مصممة بحرفية فنية وقد استقرت من الضوء والظل على جسم الملعب، لا توفر جمالاً بصرياً أخاذاً فحسب، بل تؤدي أيضاً وظيفة مناخية وبيئية ذكية؛ إذ تعمل هذه الشبكة المعدنية المعقدة على كسر أشعة الشمس القوية والمباشرة والحارقة قبل وصولها إلى القشرة الداخلية، فتُسقط ظلاً لطيفاً وبارداً ومريحاً على المساحات الداخلية، من دون أن تعيق حركة الهواء الطبيعية والتهوية. ويذكّر هذا التصميم الذكي بـ«الشناشيل» الخشبية والمشبكة في العمارة الإيرانية التقليدية، التي كانت توفر الظل وتوجّه نسائم الهواء، فتخلق أجواءً باردة ومحتملة في المناخ الحار والجاف.
كما استُلهم الشكل العام والحجم الرئيسي للملعب من القباب الإيرانية مزدوجة القشرة. وتُعدّ القبة مزدوجة القشرة واحدة من الابتكارات المشرقة والخالدة في العمارة الإيرانية، حيث تُبنى من قشرتين منفصلتين، داخلية وخارجية، تتوسطهما مساحة فارغة. وتعمل هذه المساحة، إلى جانب مساهمتها في خفض الوزن الإجمالي للمنشأة بصورة ملحوظة، كعازل حراري طبيعي وفعّال، يحول دون ارتفاع درجة حرارة الفضاء الداخلي خلال صيف شديد الحرارة، ودون برودته خلال فصل الشتاء البارد.
وفي ملعب الإمام الرضا، أُعيد إحياء هذه الفكرة القديمة والفعّالة بلغة حديثة تماماً، معاصرة ومتوافقة مع تقنيات البناء المتقدمة. فالقشرة الخارجية للملعب عبارة عن شبكة معدنية خفيفة ومشبكة ذات لون فيروزي، تحيط بالمبنى كأنها حجاب شفاف، في حين تشكل القشرة الداخلية الهيكل الخرساني الرئيسي والمتين، الذي يضم مدرجات المتفرجين والمساحات الخدمية والمنشآت والتجهيزات. وتساعد المساحة الفارغة والقابلة للتحكم بين القشرتين على تعزيز التهوية الطبيعية، وتحول دون ارتفاع درجة حرارة الفضاءات الداخلية بصورة مفرطة خلال الأيام الحارة والطويلة لصيف مشهد.
وقد صُممت المداخل الرئيسية والاحتفالية للملعب بأقواس عالية ومهيبة ومتناسقة، تستحضر مباشرةً صورة الإيوانات المرتفعة في المساجد الكبرى والمباني الإيرانية التقليدية والتاريخية. وزُيّنت هذه الأقواس الضخمة واللافتة ببلاطات الفسيفساء الفيروزية واللازوردية، وبنقوش مكتوبة بالخط الثلث، بما يضفي على تجربة الدخول إحساساً بالعظمة والروحانية والهيبة لدى المتفرجين والزوار.
أما المنطقة المحيطة بالملعب، فقد صُممت مستوحاةً من الحدائق الإيرانية، مع عناية كبيرة بتنسيق المشهد الطبيعي، وزُيّنت بالجداول المائية الجارية، والأحواض الصافية الهادئة، وأشجار السرو والصنوبر دائمة الخضرة. ويوفر هذا الفضاء الأخضر الجميل أجواءً هادئة ومريحة للمتفرجين، تتيح لهم الاستراحة والتنزه وقضاء الوقت قبل المباريات وبعدها.
ويضم الملعب، الذي يتسع لـ35 ألف متفرج، مدرجات حديثة على مستويين توفر رؤية كاملة لأرضية الملعب، ومنصة خاصة لكبار الضيوف (VIP) مجهزة بمرافق فاخرة، ومنصة مخصصة للصحفيين والمصورين، فضلاً عن مجموعة متنوعة من المرافق الخدمية، بما في ذلك المطاعم والمقاهي والمتاجر. كما تتميز أرضية الملعب بعشب طبيعي عالي الجودة، ونظام تصريف متطور، وإضاءة احترافية مطابقة للمعايير، بما يوفر ظروفاً مثالية لإقامة المباريات على المستوى الدولي.
إن ملعب الإمام الرضا (ع) يمثل درساً عملياً في «المزج بين الأصالة والحداثة»، و«إعادة إحياء النماذج الأولية للعمارة الإيرانية»، و«ابتكار رموز حضرية ذات هوية إيرانية إسلامية». فهذا الصرح يبرهن على إمكانية تصميم ملعب رياضي حديث مستلهَم من القباب الفيروزية الإيرانية. ويظل ملعب الإمام الرضا، هذه الجوهرة الفيروزية في الشرق، متلألئاً في مشهد، هامساً بحكاية الارتباط الأبدي بين الإيمان والفن والرياضة في إيران.