الهندسه المعمارية

سوق قيصرية في أصفهان: البوابة الفخمة لنقش جهان؛ حيث تتكامل التجارة مع السلطة

لفهم سوق قيصرية، ينبغي أولًا أن ندرك مكانة ميدان نقش جهان بوصفه القلب النابض للإمبراطورية الصفوية. فقد شُيّد هذا الميدان في أوائل القرن السابع عشر الميلادي بأمر من الشاه عباس الأول الصفوي، وكان فضاءً حضريًا هائلًا وفريدًا متعدد الوظائف، جمع في تكوين معماري واحد، متناسق ومهيب، بين السلطة السياسية ممثلةً بقصر عالي قاپو، والسلطة الدينية ممثلةً بمسجد الإمام، والقوة الاقتصادية ممثلةً بسوق قيصرية، والحياة الاجتماعية ممثلةً بالفضاء العام للميدان. وكان سوق قيصرية بمثابة الحلقة التي تصل هذا الميدان الفخم بشبكة الأسواق الواسعة والمتداخلة في أصفهان، ومن ثمّ أدّى دورًا محوريًا في تنشيط الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة.

 

في الجهة الشمالية من ميدان نقش جهان في أصفهان، قبالة مسجد الإمام مباشرة، تقع بوابة سوقٍ تُعدّ في حد ذاتها تحفة معمارية فريدة. فبوابة قيصرية، بما تزخر به من جداريات فخمة، وقاشانيات فسيفسائية متعددة الألوان، وقوس إيوان عظيم وشاهق، ليست مجرد مدخل عادي، بل هي «بيان سياسي واقتصادي» يجسّد قوة الإمبراطورية الصفوية وثروتها وعظمتها. ويبدأ سوق قيصرية من هذه البوابة، ويمتد حتى المسجد الجامع العتيق في أصفهان، ليشكّل العمود الفقري للحياة التجارية في أصفهان الصفوية، وواحدًا من أهم الأسواق التاريخية في إيران وأكثرها جمالًا وازدهارًا.

ولفهم سوق قيصرية، لا بد أولًا من النظر إلى ميدان نقش جهان بوصفه القلب النابض لإمبراطورية بأكملها. فقد شُيّد هذا الميدان في مطلع القرن السابع عشر الميلادي بأمر من الشاه عباس الأول الصفوي، وكان «فضاءً متعدد الوظائف» هائلًا وفريدًا، يجمع في تركيب مكاني واحد ومتناسق ومهيب بين السلطة السياسية ممثلةً بقصر عالي قاپو، والسلطة الدينية ممثلةً بمسجد الإمام، والقوة الاقتصادية ممثلةً بسوق قيصرية، والحياة الاجتماعية ممثلةً بالفضاء العام للميدان. وكان سوق قيصرية حلقة الوصل بين هذا الميدان الفخم وشبكة الأسواق الواسعة والمتداخلة في أصفهان، ولذلك أدى دورًا محوريًا في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة.

وكان الشاه عباس، الذي نقل العاصمة من قزوين إلى أصفهان، يريد أن يجعل أصفهان، لا مركزًا سياسيًا فحسب، بل «مركزًا تجاريًا عالميًا». ولهذا الغرض، كان بحاجة إلى سوق لا يكون مجرد مكان لبيع وشراء السلع اليومية، وإنما رمزًا لفخامة الإمبراطورية الصفوية وثروتها وقوتها، وقادرًا على جذب التجار الأجانب من مختلف أنحاء العالم. وكان سوق قيصرية استجابة طموحة لهذا الهدف. وحتى اسم «قيصرية» يعكس هذا الطموح؛ فهو مشتق من كلمة «قيصر»، ويرتبط بالأسواق الملكية والفخمة في العالم الإسلامي، حيث كانت تُتداول السلع الفاخرة والنفيسة وذات القيمة العالية.

وتُعدّ بوابة سوق قيصرية واحدة من أروع بوابات الأسواق في العالم. فهي تتميز بإيوان عظيم وشاهق ومتناسق، مزين بالقاشاني الفسيفسائي متعدد الألوان، ذي الزخارف النباتية الإسلامية المعقدة، ورسوم الزهور والطيور الدقيقة، والكتابات القرآنية بالخطين الثلث والنسخ. وفوق البوابة، توجد جداريات ضخمة تصور مشاهد من المعارك الأسطورية في «الشاهنامه»، مثل معركة رستم مع الديو الأبيض، إلى جانب مشاهد من الصيد الملكي، وقد رُسمت بألوان حية نابضة. وكانت هذه الجداريات، التي تعرض جزء منها للأسف للتلف بفعل مرور الزمن والعوامل المناخية، رمزًا للقوة والشرعية والهيبة الملكية، وتذكّر الداخل بأن هذا السوق كان يقع تحت الحماية المباشرة للملك الصفوي القوي.

ومن التفاصيل اللافتة والأقل شهرة في هذه البوابة، الساعة الشمسية والأجراس الكبيرة التي كانت تعلوها في الماضي. ويُعتقد أن هذه الساعة والأجراس ربما جلبها تجار وحرفيون أوروبيون إلى أصفهان، وهو ما يعكس اتساع العلاقات العالمية لسوق أصفهان وتأثير التكنولوجيا والثقافة الغربية في إيران خلال العصر الصفوي. كما تظهر على قاشانيات البوابة صور للأبراج الاثني عشر، في إشارة إلى المعتقدات الفلكية والتنجيم وعلم الهيئة في الثقافة الإيرانية الإسلامية، بما يكشف عن تداخل العلم والفن والتجارة في فضاء واحد.

ويبدأ سوق قيصرية من خلف البوابة، ويمتد في صورة سوق طويلة ومسقوفة وفخمة نحو الشمال، ثم يتجه شرقًا، لينتهي في نهاية المطاف، بعد مسافة تقارب كيلومترين، عند المسجد الجامع العتيق في أصفهان. ويمثل هذا المسار الطويل والمستقيم «محورًا تجاريًا دينيًا» تاريخيًا وحيويًا، يصل بين قطبين مهمين ورمزيين في المدينة: ميدان نقش جهان، بوصفه رمزًا للقوة السياسية والاقتصادية الصفوية، والمسجد الجامع العتيق، بوصفه رمزًا للقوة الدينية والتاريخية للمدينة. وقد أسهم هذا الربط الذكي في تسهيل حركة المواطنين والزائرين، كما عزز وحدة النسيج الحضري لأصفهان وتماسكه.

وتغطي السوق الرئيسية عقود آجُرّية مرتفعة ومتناسقة، تتخللها فتحات سقفية منتظمة ومدروسة بعناية. وعلى جانبي السوق تنتظم حوانيت عديدة ذات أروقة صغيرة ومصاطب حجرية. غير أن ما يميز سوق قيصرية عن كثير من الأسواق الإيرانية الأخرى هو تنوع فضاءاته الجانبية وكثرتها وجودتها. فعلى امتداد السوق تنتشر السرايات، وهي خانات داخل المدن ذات أفنية مركزية، والتيمچهات، وهي فضاءات مقببة فخمة مخصصة لتجارة السلع الخاصة والنفيسة، إلى جانب المساجد الصغيرة والمدارس الدينية والحمّامات العامة. ولكل سراية فناء مركزي واسع ومتناسق، تتوسطه عادةً بركة ماء، وتحيط به الحوانيت على طابق أو طابقين، وكانت كل سراية تُخصص غالبًا لحرفة معينة أو لمجموعة محددة من التجار، مثل التجار الهنود أو الأرمن أو اليهود.

ومن أكثر فضاءات سوق قيصرية جاذبية وفخامة خاناته أو «سراياته». ومن بينها سرای مخلص، وسرای گلشن، وسرای جارچي باشي، وسرای خاني، وهي نماذج بارزة للخانات الفخمة داخل المدينة. وكانت هذه الفضاءات، بأفنيتها المركزية الواسعة والخضراء، وبركها ذات المياه الصافية الباردة، وحوانيتها المنتظمة ذات الطابقين، أماكن لإقامة التجار الأجانب وتخزين بضائعهم الثمينة. وكان التجار الهنود والبندقيون والعثمانيون والأرمن واليهود يقيمون في هذه الخانات أسابيع وأشهرًا، ويمارسون التجارة ويلتقون لعقد المفاوضات وإبرام الصفقات. وقد جاء تصميم هذه الخانات نتيجة مزج ذكي ومتقن بين العمارة الإيرانية والاحتياجات العملية للتجارة الدولية. فالفناء المركزي كان يوفر فضاءً آمنًا ومحاطًا ومراقبًا لتفريغ البضائع وتحميلها. وكانت حوانيت الطابق الأرضي تستخدم مكاتب ومحال تجارية، بينما خُصصت حجرات الطابق العلوي لإقامة التجار وراحتهم. أما الإسطبلات الواسعة المحيطة بها، فقد صُممت لإيواء الخيول والبغال والجمال التي ترافق القوافل.

أما اليوم، وبعد مرور أربعة قرون، فلا يزال سوق قيصرية واحدًا من أكثر أسواق أصفهان نشاطًا وحيوية وشعبية. وتباع فيه الصناعات اليدوية النفيسة التي تشتهر بها أصفهان، مثل السجاد اليدوي، والمنمنمات الدقيقة، وأعمال الخاتم‌كاري البديعة، والفيروزجية، والنقش على النحاس والفضة، والأقمشة التقليدية المطبوعة بطريقة القلمكار والمزينة بالزخارف النباتية ورسوم الزهور والطيور، إلى جانب التوابل الملونة ذات الروائح الزكية والحلويات المحلية، مثل «الگز» و«البولكي». وعلى خلاف بعض الأسواق التاريخية التي تحولت إلى فضاءات سياحية مصطنعة وبلا روح، لا يزال سوق قيصرية متداخلًا مع الحياة اليومية لسكان أصفهان، ولا يزال نبض الاقتصاد والثقافة والفن يخفق في أروقته.

ويمثل سوق قيصرية درسًا متكاملًا في «العلاقة العضوية بين الميدان والسوق»، و«التكامل المتناغم بين التجارة والإقامة والعبادة والحياة الحضرية»، و«إنشاء المحاور التجارية والثقافية المخصصة للمشاة داخل النسيج التاريخي». فهو يوضح كيف يمكن ربط ميدان عام فخم ورمزي بشبكة تجارية واسعة وفعالة مخصصة للمشاة، وإنشاء «محور حضري» متماسك وحيوي وديناميكي يجمع في آن واحد بين الوظائف التجارية والدينية والإقامية والتعليمية والاجتماعية. ويظل سوق قيصرية جزءًا لا يتجزأ من «كل أكبر» يتمثل في مجمّع ميدان نقش جهان، ويكمن سر نجاحه واستمراره وخلوده في هذا التكامل الحضري الذكي.