في مدينة بجنورد، عاصمة محافظة خراسان الشمالية، وفي وسط حديقة كبيرة غنّاء تتخللها أشجار عتيقة وأحواض مائية، تقع عمارة تُعدّ واحدة من أروع وأبرز نماذج العمارة السكنية في شرق إيران. وقد شُيّد بيت مفخّم، أو عمارة مفخّم، في أواخر العصر القاجاري وبدايات العصر البهلوي، بأمر من حبيب الله خان سردار مفخّم، أحد حكام منطقة خراسان الشمالية الأقوياء والأثرياء وذوي النفوذ، وأحد القادة المؤيدين للحركة الدستورية. وتُعدّ هذه العمارة المؤلفة من طابقين، بما تزخر به من زخارف مرآوية مبهرة، وأعمال جصّية عميقة ودقيقة، وبلاطات خزفية ملوّنة بسبعة ألوان، ورسوم جدارية، نموذجاً بديعاً للعمارة القاجارية في منطقة تتداخل فيها الثقافات الإيرانية والتركمانية والكردية والتركية.
وتُعدّ خراسان الشمالية منطقة تتميز بتنوع إثني وثقافي ولغوي كبير، إذ تضم الأكراد والتركمان والأتراك الخراسانيين والتات والفرس، وقد انعكس هذا التنوع والتعدد الثقافي أيضاً في عمارة المنطقة. وعلى الرغم من أن بيت مفخّم يتبع أساساً أسلوب العمارة القاجارية في طهران وأصفهان، وتظهر فيه تأثيرات هذا الطراز بوضوح، فإنه يضم في تفاصيله أيضاً عناصر محلية وأصيلة، إلى جانب تأثيرات من ثقافات المناطق المجاورة، ولا سيما العمارة الروسية والقوقازية التي انتقلت عبر صلات المنطقة بآسيا الوسطى. ولهذا السبب، يُعدّ بيت مفخّم أثراً معمارياً فريداً ومتميزاً بين العمائر القاجارية في إيران.
كان حبيب الله خان سردار مفخّم، الملقب بسردار مفخّم، من أبرز رجال السياسة والعسكر في أواخر العصر القاجاري وبدايات العصر البهلوي. وكان من حكام منطقة بجنورد وخراسان الشمالية، وقد انضم خلال الثورة الدستورية إلى صفوف أنصار الدستور، وأدى دوراً مهماً في التطورات السياسية التي شهدتها تلك المرحلة. وكان سردار مفخّم رجلاً واسع الاطلاع، محباً للثقافة، ومطلعاً على التحولات التي شهدها العالم، فقرر أن يبني في بجنورد عمارة تليق بمكانته وموقعه. واستدعى معماريين وفنانين من أصفهان وطهران، بل ومن القوقاز أيضاً، إلى بجنورد، وكانت نتيجة هذا الاستقدام عمارة لا تزال، بعد مرور أكثر من قرن، تتلألأ وتثير الإعجاب.
وخلافاً للبيوت الإيرانية في المناطق الصحراوية، التي تتميز بفناء مركزي وتكون منغلقة تماماً على ذاتها ومحاطة بجدران، شُيّد بيت مفخّم وسط حديقة واسعة وخضراء تبلغ مساحتها نحو هكتارين، ويتمتع بطابع شبه منفتح ومنسجم مع الطبيعة. وهذه الحديقة، التي لا تزال حتى اليوم مغطاة بأشجار الدلب والصنوبر والسرو الشاهقة والعتيقة، إلى جانب أشجار الفاكهة، تؤدي وظيفة «الفناء» بالنسبة إلى العمارة. وتقع العمارة في وسط هذه الحديقة، فيما تنفتح نوافذها وأروقتها وشرفاتها من الجهات الأربع على الطبيعة والأشجار والسماء. ويُرجّح أن يكون هذا النمط من «الجلوس في الحديقة» بدلاً من «الفناء المركزي» قد تأثر بالمناخ الأكثر اعتدالاً وراحة في بجنورد مقارنة بالمدن الصحراوية، فضلاً عن تأثير العمارة الروسية والأوروبية الذي وصل إلى المنطقة عبر صلاتها بآسيا الوسطى والقوقاز.
شُيّدت عمارة مفخّم على طابقين، ولها مخطط مستطيل الشكل ومتناسق. ويضم الطابق الأرضي قاعة الاستقبال الرئيسية، وعدداً من الغرف، والممرات، والمرافق الخدمية. أما الطابق العلوي فيضم غرفاً أكثر خصوصية، وأروقة تطل على الحديقة، وفضاءات مخصصة لراحة الأسرة وترفيهها. وقد زُيّنت الواجهة الخارجية للعمارة بالبلاطات الخزفية القاجارية ذات الألوان السبعة، والتي تحمل زخارف إسلامية نباتية، ورسوم «الورد والطائر»، ومناظر طبيعية، ومشاهد للصيد، ومجالس الطرب. وقد منحت هذه البلاطات، بألوانها الغالبة المتمثلة في الوردي والأصفر والأزرق والأخضر، وهي من الألوان المحببة والشائعة في العصر القاجاري، العمارة مظهراً مبهجاً ودافئاً وجذاباً.
أما القاعة الرئيسية، أو «الشاهنشين»، في بيت مفخّم، الواقعة في الطابق الأرضي، فهي تحفة مذهلة وآسرة من أعمال المرايا والجص. فقد غُطّيت جدرانها وسقفها المرتفع بقطع من المرايا الصغيرة والكبيرة ذات الأشكال الهندسية، والمقطوعة بدقة وبراعة فنية، فيما أضفت الرسوم الجدارية التي تتناول موضوعات «الورد والطائر»، ومجالس الطرب والرقص، والمناظر الطبيعية والأوروبية، والقصص الملحمية والعاطفية، مزيداً من الثراء والفخامة عليها. وتسمح النوافذ الأرسيّة الكبيرة والطويلة، المزودة بزجاج ملوّن بالأحمر والأصفر والأزرق والأخضر والبنفسجي، بدخول ضوء ناعم ومتعدد الألوان، فتحوّل القاعة خلال الساعات الذهبية من الصباح إلى مشهد هائل ومذهل يشبه الكاليدوسكوب من الضوء والألوان.
وزُيّن سقف القاعة بزخارف جصّية عميقة وبارزة وكثيفة، تضم نقوشاً إسلامية نباتية وأشكالاً هندسية وزخارف دقيقة من الأغصان والأزهار، وفي وسطه يقع «كلاهفرنگي»، أي المنور المركزي، الذي يسمح بدخول الضوء من الأعلى ويزيد من إشراق المكان وتلألئه. وفي وسط القاعة أيضاً حوض حجري صغير وضحل مصنوع من قطعة واحدة من الرخام، يضاعف انعكاس المرايا والرسوم وأضواء النوافذ، ويسهم في إضفاء البرودة والانتعاش على المكان. وكانت هذه القاعة مخصصة لاستقبال الضيوف المميزين والسفراء والممثلين السياسيين من المناطق المجاورة، بما فيها روسيا وآسيا الوسطى، فضلاً عن رجال الدولة والعسكريين.
وتصور البلاطات الخزفية ذات الألوان السبعة على الواجهات الخارجية للعمارة مشاهد من قصص «الشاهنامه» للفردوسي، ومشاهد الصيد الملكي، والمناظر الطبيعية والأوروبية، والزخارف الإسلامية النباتية والهندسية. وقد منحت هذه البلاطات، بألوانها الزاهية والمبهجة، العمارة مظهراً جذاباً ومميزاً. ومن بين هذه البلاطات تظهر صور لجنود قاجاريين بملابس موحدة وأسلحة حديثة، فضلاً عن صور للحيوانات والطيور، وهو ما يعكس تأثر العمارة بالفنون الأوروبية والروسية.
ويضم بيت مفخّم أيضاً قبوًا واسعاً أو سرداباً ذا أقواس آجُرّية وجدران سميكة، كان يوفر خلال أيام الصيف الحارة فضاءً بارداً ومريحاً للاستراحة وحفظ المواد الغذائية. أما نظام التدفئة في العمارة فكان يعتمد على المواقد الجدارية والمدافئ المصنوعة من الجص، ولا يزال بعضها قائماً حتى اليوم.
واليوم، وبعد عمليات ترميم متخصصة، تحوّل بيت مفخّم إلى «متحف بجنورد للأنثروبولوجيا والآثار»، وأصبح يستقبل السياح والباحثين والمهتمين بتاريخ خراسان الشمالية وثقافتها وعمارتها. ويعرض المتحف مجموعة من القطع الأنثروبولوجية، والأزياء التقليدية لمختلف قوميات خراسان الشمالية، والأدوات والمعدات الزراعية، والآثار القديمة في المنطقة.
ويمثل بيت مفخّم درساً عملياً وملهماً في «العمارة في قلب الحديقة والتعايش مع الطبيعة»، و«المزج بين الأنماط الوطنية والإقليمية والتأثيرات العالمية»، و«أهمية الزخارف السردية والبلاطات الخزفية في العمارة». وتُظهر هذه العمارة كيف يمكن لمبنى سكني أن يتحول إلى «راوٍ» و«حكّاء» ينقش على جسده قصصاً أسطورية وتاريخية وثقافية لشعب ومنطقة بأكملها. ويظل بيت مفخّم، بقاعة المرايا الفخمة، وبلاطاته الزاهية، وحديقته الغنّاء، رمزاً لفخامة حكام خراسان الشمالية وذائقتهم الرفيعة وانفتاحهم على العالم عشية الدخول في عصر جديد.