على السفوح الجنوبية لسلسلة جبال البرز، عند نقطة التقاء الجبال بالصحراء، تقع مدينة تختلف حكايتها عن حكايات سائر المدن التاريخية في إيران. فطهران، هذه الحاضرة الصاخبة التي لا تعرف السكون، لم تدخل التاريخ، على غرار أصفهان ويزد وشيراز، من بوابة عظمة عاصمة عريقة، بل انطلقت بطموح «قرية ذات مناخ معتدل»، لتتحول في غضون قرنين فقط إلى واحدة من أكثر العواصم تعقيدًا وتوترًا في العالم.
يمكن وصف طهران بأنها «مدينة التناقضات»؛ ففيها تتنفس القصور القاجارية الفخمة في ظلال ناطحات السحاب الزجاجية، وتحولت الحدائق التاريخية، المحاصرة بالطرق السريعة والأبراج، إلى ذكريات بعيدة، فيما تتصارع العمارة التقليدية والحديثة في مواجهة لا تنتهي، لتشكّلا معًا هوية المدينة. ومع ذلك، فإن طهران ليست مجرد مدينة للهدم والنسيان، بل هي مدينة لا تزال تخبئ، بين أبراجها وطرقها السريعة، ملامح من الإبداع والابتكار والأمل بالمستقبل.
بدأت حكاية طهران بقرار مصيري. فحتى ما قبل العهد القاجاري، كانت المدينة قرية صغيرة محدودة الأهمية تقع في ضواحي مدينة الري القديمة، واشتهرت بفضل حدائقها الكثيفة ومناخها الجبلي المعتدل وقربها من منطقة شميران، بوصفها متنزهًا ووجهة للاستجمام لدى ملوك الصفويين والزنديين. وكانت طهران آنذاك قرية تتخللها أزقة تحفّ بها البساتين المتعرجة، وتنتشر فيها منازل طينية بسيطة، وتحيط بها أسوار وأبراج صغيرة تحميها من هجمات قطاع الطرق.
لكن في عام 1164 هجريًا شمسيًا، اختار آقا محمد خان القاجاري طهران عاصمةً له عقب تتويجه ملكًا، وكان هذا القرار بداية تحول هائل في تاريخ العمارة والتخطيط الحضري في إيران. فقد تحولت طهران فجأة من قرية إلى مركز سياسي واقتصادي وثقافي للبلاد، وأصبحت الحاجة إلى تشييد مبانٍ تليق بعاصمة الدولة سببًا في تغيير ملامحها إلى الأبد.
تمثّل «العمارة القاجارية» الطبقة الأولى من المشهد المعماري لطهران، ولا تزال آثارها واضحة في قلب النسيج العمراني القديم للمدينة. ويُعدّ قصر كلستان أهم وأفخم شواهد هذه الحقبة، إذ يضم مجموعة من المباني والقاعات والأروقة والحدائق التي شُيّدت وتوسعت خلال العهد القاجاري، ولا سيما في عهد ناصر الدين شاه.
وكان ناصر الدين شاه، المفتون بالحداثة الأوروبية، قد زار أوروبا واطّلع على قصورها ومتاحفها الغربية، فأصدر أوامره ببناء منشآت تمزج بين الفن الإيراني والفن الأوروبي. ويضم قصر كلستان قاعة المرايا، وقاعة السلام، ومبنى شمس العمارة، ورواق العرش الرخامي، وكل منها تحفة فنية تجسّد براعة فنون المرايا والجصّ والبلاط المزجج والرسم الجداري في العصر القاجاري.
أما قاعة المرايا، فتتميّز بجدرانها وسقفها المغطّيين بآلاف القطع الصغيرة والكبيرة من المرايا، ما يخلق فضاءً متلألئًا أشبه بالحلم، تتضاعف فيه انعكاسات أضواء الشموع والثريات بلا نهاية. وتضم قاعة السلام عرشًا رخاميًا ولوحات جدارية مهيبة، وتستحضر حقبة كان ملوك القاجار يستقبلون فيها السفراء والضيوف الأجانب.
ويُعدّ مبنى شمس العمارة أول مبنى مرتفع في طهران، وقد شُيّد مستلهمًا المباني الأوروبية، في مزيج يجمع بين العمارة الإيرانية والغربية. وكان هذا المبنى المؤلف من خمسة طوابق يُوصف في زمانه بأنه «ناطحة سحاب طهران»، وتعلوه ساعتان في برجين يقعان على جانبيه، ليغدو رمزًا لـ«التطلع نحو الغرب» في عهد ناصر الدين شاه. وكان الشاه يشاهد من أعلى المبنى طهران وهي تتوسع، وجبال البرز الممتدة في الأفق. ومن اللافت أن المبنى لا يزال قائمًا حتى اليوم، ويظل أحد الشواهد البارزة على التاريخ الحافل بالتحولات للعاصمة الإيرانية.
أما الطبقة الثانية من العمارة في طهران، فتتمثل في «عمارة عهد بهلوي الأول»، التي تشكّلت مع وصول رضا شاه إلى الحكم وإطلاق برامج تحديث إيران. شهدت طهران خلال هذه المرحلة توسعًا غير مسبوق في سرعته، وحلّت الشوارع العريضة والمستقيمة محل الأزقة الضيقة، وشُيّدت فيها العديد من المباني الحديثة.
وتُعدّ ساحة حسن آباد، بمبانيها الأربعة المتناظرة وقبابها ذات الشكل المميز، من أوائل نماذج التخطيط الحضري الحديث في طهران. أما شارع لاله زار، الذي لُقّب بـ«الشانزليزيه في طهران»، فقد أصبح، بما ضمّه من دور للسينما والمسارح والفنادق الحديثة، رمزًا للحياة الحضرية الجديدة ودخول الثقافة الغربية إلى إيران.
كما تُعدّ المباني الحكومية، مثل قصر الشرطة المستوحى من العمارة الأخمينية، ومبنى البريد، ومحطة طهران للسكك الحديدية، نماذج بارزة لما عُرف بـ«الطراز الوطني» في عمارة تلك الحقبة، إذ جمعت بين العمارة الأوروبية الحديثة والزخارف الإيرانية التقليدية. وينتمي إلى هذه المرحلة أيضًا قصر المرمر، الذي يتميز بقبته الفيروزية وقاعة المرايا الفخمة، وقصر سعد آباد، وهو مجمع من القصور الصيفية القائمة على سفوح جبال البرز. ويروي كل من هذه المباني حكاية عن السلطة والتحديث في إيران.
وتتمثل الطبقة الثالثة في «عمارة عهد بهلوي الثاني والحداثة الإيرانية». ففي عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، تحولت طهران إلى مختبر للمعماريين الإيرانيين الحداثيين الذين سعوا إلى ابتكار هوية إيرانية للعمارة الحديثة.
ويُعدّ برج آزادي، أحد أبرز رموز طهران الحديثة، تحفة معمارية صمّمها حسين أمانت، تجمع بين الأقواس الساسانية والبلاط الفيروزي والخطوط الهندسية المستوحاة من فن البناء التقليدي والأشكال الحديثة. وهو صرح يستحضر تاريخ إيران، وفي الوقت نفسه يتطلع إلى المستقبل.
أما متحف طهران للفن المعاصر، فقد صمّمه كامران ديبا مستلهمًا أبراج التهوية التقليدية المعروفة باسم «البادگيرات» في مدينة يزد، ومُدمجًا عناصرها في تصميم معماري حديث. ويضم المتحف اليوم مجموعة غنية من الأعمال الفنية الحديثة والمعاصرة، تُعدّ من المجموعات البارزة على مستوى العالم. كما يُعدّ كل من حديقة شفق ومركز نياوران الثقافي من أبرز منجزات تلك المرحلة، إذ يجسّدان التفاعل بين العمارة الإيرانية التقليدية والحداثة.
غير أن طهران ليست مدينة القصور والمباني الحديثة فحسب، بل تشكّل أحياؤها القديمة ومناطقها التاريخية، مثل عودلاجان وسنغَلَج والبازار الكبير وأحياء شميران، جزءًا لا يتجزأ من هويتها المعمارية.
ولا يزال البازار الكبير في طهران، بأقبيته المبنية من الآجر، وأسواقه الداخلية المسقوفة، وخاناته التجارية، ومساجده، القلب النابض للحياة الاقتصادية والتجارية في العاصمة. كما تمثّل البيوت التاريخية، مثل بيت إمام جمعة، بزخارفه الجصية وتزييناته بالمرايا، وبيت مستوفي الممالك، بفنائه المركزي وبرج التهوية التقليدي، وبيت دبیر الملك، نماذج قيّمة للعمارة السكنية القاجارية في طهران. وقد رُمّم عدد منها خلال السنوات الأخيرة، وحُوّل إلى فضاءات ثقافية ووجهات سياحية.
وبالنسبة إلى المعماريين ومخططي المدن المعاصرين، تمثّل طهران «درسًا للعبرة» و«فرصةً لإعادة التفكير». فهي تُظهر كيف يمكن، في غضون قرنين فقط، تحويل قرية إلى حاضرة كبرى. ولا تزال طهران، مدينة التناقضات، تروي بصوت خافت، وسط أبراجها وطرقها السريعة، وفي قصورها القاجارية ومنازلها القديمة، حكاية تاريخها الحافل بالتحولات، داعيةً المعماريين ومخططي المدن إلى التأمل في معنى «الهوية الحضرية» و«التنمية المستدامة».