الهندسه المعمارية

بيت الطباطبائيين في كاشان: عروس البيوت؛ وروعة العمارة الإيرانية المنفتحة على الداخل

تبدأ تجربة بيت الطباطبائيين بـ «خدعة فضائية» متقنة ببراعة. فمن الزقاق الضيق المتواضع وشبه المعتم في حيّ السلطان أمير أحمد، يدخل الزائر إلى دهليز صغير وبسيط وخالٍ من مظاهر التكلّف. ولا تبدو في هذا المدخل المتواضع أي علامة تنبئ بالفخامة الداخلية والعظمة المبهرة للبيت. وتمثل هذه «البساطة الخارجية» مبدأً أساسيًا في العمارة السكنية الإيرانية؛ إذ ينبغي للبيت أن يبقى بعيدًا عن أنظار الغرباء والمارة، وألا يستعرض ثروته وفخامته، بل لا يكشف أسراره إلا للضيف المدعوّ والمقرّب.

 

في قلب النسيج التاريخي لمدينة كاشان، خلف جدران طينية عالية وبسيطة لا توحي بشيء، يختبئ عالم خفيّ يحبس الأنفاس ما إن تطأه قدم الزائر. إن بيت الطباطبائيين، الذي شُيّد في منتصف العصر القاجاري، هو أشهر البيوت التاريخية في كاشان وأفخمها، ويصفه كثير من مؤرخي العمارة بأنه «عروس البيوت الإيرانية». وقد بُني هذا الصرح بأمر من الحاج سيد جعفر الطباطبائي، أحد تجار السجاد المعروفين والأثرياء في كاشان، وفق تصميم المعماري المبدع والبارع الأستاذ علي مريم الكاشاني. ولم يكن هذا المبنى مجرد منزل للسكن، بل هو بمثابة «بيان معماري» يجسّد القدرة المذهلة للعمارة الإيرانية على ابتكار فضاءات تجمع في آن واحد بين الانغلاق على الذات، والخصوصية، والألفة، وبين الفخامة والثراء البصري والرهبة، فضلًا عن تزدان بأدق التفاصيل الزخرفية وأكثرها إبداعًا وفنًا.

تبدأ تجربة بيت الطباطبائيين بـ «خدعة فضائية» بالغة الإتقان. فمن الزقاق الضيق المتواضع وشبه المعتم في حي السلطان أمير أحمد، يدخل الزائر إلى دهليز صغير وبسيط وخالٍ من مظاهر التكلّف. ولا تبدو في هذا المدخل المتواضع أي علامة تنبئ بالفخامة الداخلية والعظمة المذهلة للبيت. وهذه «البساطة الخارجية» مبدأ أساسي في العمارة السكنية الإيرانية؛ فالبيت ينبغي أن يبقى بعيدًا عن أنظار الغرباء والمارة، وألا يستعرض ثراءه وفخامته، بل لا يكشف أسراره إلا للضيف المدعوّ والمقرّب. وبعد اجتياز ممر ضيق ومتعرج وشبه مظلم، يشكل في حد ذاته معالجة مناخية وفضائية ذكية للفصل الكامل بين الداخل والخارج وتهيئة ذهن الزائر، يجد نفسه فجأة أمام الفناء المركزي الواسع والمضيء والفخم للبيت. وهذا الانتقال المفاجئ والمحسوب من «الظلام والانغلاق» إلى «النور والانفتاح»، ومن «البساطة والتجرد» إلى «الفخامة والجلال»، يمثل إحدى أكثر التجارب المعمارية إثارةً للدهشة، ورسوخًا في الذاكرة، ودراميةً في البيوت التاريخية الإيرانية.

يُعد الفناء الرئيسي لبيت الطباطبائيين «حديقة إيرانية» مكتملة العناصر، صافية التصميم، ولكن على مقياس منزل خاص. ففي وسط الفناء يمتد حوض كبير ومستطيل، تتوسطه نوافير تنشر خرير الماء العذب والمريح في أرجاء المكان، بينما تنتشر أشجار الرمان والتين والعنب والحمضيات في الأحواض المحيطة به، وتفوح في الهواء روائح أزهار إبرة الراعي والياسمين والورد. وقد أسهمت هذه العناصر مجتمعة في خلق «مناخ محلي» لطيف وبارد ومريح في قلب صحراء كاشان الحارة والجافة. ويشكل هذا الفناء الرئة التي يتنفس من خلالها البيت؛ إذ يعمل على تبريد الهواء الحار واللافح للصحراء وترطيبه من خلال تبخر مياه الحوض ونَتْح النباتات، ثم يوجّه الهواء إلى الأجزاء السكنية. وقد نُظّمت المساحات الرئيسية للبيت في الجهات الأربع للفناء وفق تسلسل فضائي دقيق ومراعاة كاملة للاتجاهات المناخية. ففي الجهة الجنوبية، المواجهة لأشعة الشمس الشتوية الدافئة والمائلة، تقع «الشتويّة»، وهي مساحة ذات سقف أكثر انخفاضًا وجدران أكثر سماكة ونوافذ كبيرة ومتعددة لامتصاص أكبر قدر ممكن من حرارة الشمس في الأيام الباردة. أما الجهة الشمالية، التي تقع في الظل بصورة دائمة، فتضم «الصيفيّة»، ذات السقف الأعلى والأكثر ارتفاعًا، ونوافذ الأرسي الملوّنة والفخمة، وبرج رياح يوجّه النسيم البارد إلى الداخل. ويُعد هذا «التقسيم الموسمي للفضاء» الذكي، الذي أتاح للسكان الانتقال بين أجزاء البيت المختلفة على مدار العام وفق تغيرات المناخ ودرجات الحرارة، أحد أكثر الجوانب إبداعًا وريادةً في العمارة السكنية الإيرانية.

وتبلغ روعة بيت الطباطبائيين وذروة فنونه المعمارية في قاعة طنبي أو قاعة الاستقبال الرئيسية الواقعة في الجهة الشمالية. تتميز هذه القاعة بسقف مرتفع من طابقين، ونوافذ أرسي كبيرة وفخمة بزجاج ملوّن بالأحمر والأصفر والأزرق والأخضر، وجدران مكسوة بالجصّ العميق والبارز والدقيق، فضلًا عن زخارف المرايا المبهرة. وقد أوجدت هذه العناصر فضاءً يبدو وكأنه خرج للتو من حكايات ألف ليلة وليلة. فعندما تتسلل أشعة الشمس الصباحية عبر نوافذ الأرسي، تغمر القاعة بانفجار من الألوان، وتتحول السجادات النفيسة المفروشة على الأرض إلى لوحة فنية من بقع الضوء الملونة والمتحركة. وزُيّن سقف القاعة بالمقرنصات الجصية المعقدة والرسوم الجدارية التي تتناول مشاهد الصيد الملكية، وزخارف دقيقة للزهور والطيور، ومجالس اللهو والشراب. وفي وسط القاعة يوجد حوض حجري صغير وضحل، يضاعف انعكاس الضوء والألوان ويزيد من برودة المكان ونضارته. ولم تكن هذه القاعة مجرد مساحة لاستقبال الضيوف، بل كانت بمثابة «بيان بالثراء والذوق والمكانة الاجتماعية»؛ فقد كان تاجر السجاد الكاشاني يستقبل فيها شركاءه التجاريين وضيوفه المميزين والتجار الأجانب، ليستعرض أمامهم فخامة منزله وثروة أسرته.

وتحت البيت تمتد شبكة من السرداب أو الأقبية السفلية، التي كانت تمثل أبرد أجزاء المنزل وأكثرها راحة خلال صيف الصحراء الحار والقاسي. وكانت هذه السراديب متصلة عبر قنوات تحت الأرض بأبراج الرياح وبحوض الفناء، بحيث يتحول الهواء الحار والجاف القادم من الخارج، بعد مروره فوق مياه الحوض الباردة وعبر جدران السراديب الرطبة والباردة، إلى نسيم لطيف ومنعش ومريح. ويكشف هذا «النظام الطبيعي للتهوية»، الذي كان يعمل من دون أي طاقة كهربائية أو وقود أحفوري، عن عبقرية المعماريين الإيرانيين في التصميم المناخي وفهمهم العميق لمبادئ الفيزياء والتهوية.

ويمثل بيت الطباطبائيين بالنسبة إلى المعماريين والمصممين المعاصرين درسًا متكاملًا في «الانطواء الذكي على الذات»، و**«التقسيم الموسمي للفضاءات وفق المناخ»، و«التصميم المناخي السلبي والمستدام»، و«التدرج الدقيق في الدخول والانتقال بين الفضاءات». فهذا البيت يبرهن على إمكانية إنشاء «جنة اصطناعية» و«مناخ محلي»** مريح في قلب الصحراء الحارة والجافة، من خلال الاستخدام الذكي للماء والنباتات وأبراج الرياح، واختيار الاتجاهات المناسبة، واعتماد نسب هندسية دقيقة ومدروسة، بحيث يبقى المكان باردًا ومريحًا ومفعمًا بالحيوية حتى في ذروة الصيف.

إن بيت الطباطبائيين يمثل بيانًا معماريًا يدحض الاعتقاد بأن العمارة المستدامة والمناخية مفهوم حديث ومستورد؛ فقد استطاع المعماريون الإيرانيون، قبل قرون، أن يطبقوا هذه المبادئ لا على مستوى النظرية فحسب، بل على أرض الواقع وبدرجة عالية من الكمال. وهذا البيت، بكل ما يحمله من فخامة ورهافة وذكاء معماري، يذكّرنا بأن العمارة الخالدة هي العمارة التي تستجيب لحاجات الإنسان الجسدية، وتغذّي روحه، وتعيش في انسجام وتعايش مع الطبيعة والمناخ المحيط بها.