الهندسه المعمارية

جسر الطبيعة: ممرّ للمشاة فوق الطريق السريع

ما يحوّل جسر الطبيعة من مجرد منشأة هندسية إلى «فضاء حضري» و«وجهة» بحد ذاته، هو تصميمه الفراغي ثلاثي الأبعاد ومتعدد الوظائف. ويتألف جسر الطبيعة من ثلاثة طوابق، لكل واحد منها وظيفة وأجواء مختلفة.

 

في قلب طهران، وتحديدًا في النقطة التي تفصل فيها شريطٌ من الإسفلت والفولاذ بين منتزهي طالقاني وآب وآتش، الكبيرين والخضراوين، يقع جسر لم يُبنَ لمرور السيارات، بل للمشي والتوقف والحوار وتأمل المدينة. جسر الطبيعة، هذا الممر المعلّق المكوّن من ثلاثة طوابق، بطول 270 مترًا وارتفاع 40 مترًا، ليس مجرد جسر، بل هو «فضاء حضري معلّق»، و«سمفونية للمشاة فوق الطريق السريع»، ورمز من رموز طهران المعاصرة.

ولعلّ الأجدر أن يُسمّى جسر الطبيعة «رمز طهران للمشاة»؛ فهو جسر امتزجت فيه العمارة الحديثة وتصميم المناظر الطبيعية والحياة الحضرية على نحو خلق «وجهة» حضرية جذابة تحظى بشعبية كبيرة لدى ملايين سكان طهران، وأصبح أحد أنجح مشاريع الفضاءات العامة في إيران المعاصرة.

بدأت قصة جسر الطبيعة بمسابقة للتصميم الحضري عام 1388 هـ.ش، عندما دعت بلدية طهران المعماريين والمصممين إلى تقديم تصوراتهم لإنشاء جسر للمشاة يربط بين منتزهي طالقاني وآب وآتش، الواقعين على جانبي طريق مدرس السريع. وكان المنتزهان، اللذان يشكّل كل منهما فضاءً محبوبًا للنزهات والرياضة والاستراحة، منفصلين بطريق مدرس المزدحم والمكتظ بالمرور، وكان انتقال المشاة من أحدهما إلى الآخر يتطلب عبور جسور مخصصة للسيارات وسلوك مسارات طويلة وغير آمنة.

ولم يقتصر أثر هذا الانفصال المادي على تقييد وصول المواطنين، بل أدى أيضًا إلى قطع الاتصال البيئي بين المنتزهين. لذلك لم يكن الهدف من إنشاء الجسر مجرد تسهيل عبور المشاة، بل ابتكار «فضاء حضري جديد»، و«وجهة سياحية»، و«ممر أخضر» يعيد وصل المنتزهين ببعضهما.

وكان التصميم الفائز عبارة عن جسر من ثلاثة طوابق، يتكوّن من هيكل فولاذي ذي شكل عضوي ومنحني، يستند إلى ركائز خرسانية ضخمة. وقد استُلهم هذا التصميم من الطبيعة والأشجار وفكرة الربط بين المنتزهين. ويذكّر الشكل المنحني والانسيابي للجسر بالأغصان المتشابكة والمسارات الطبيعية، ويمنح المشاهد إحساسًا بالحركة والديناميكية والحياة.

وعلى خلاف الجسور المستقيمة والصلبة التي تُصمّم للعبور السريع فحسب، تدعو انحناءات جسر الطبيعة المشاة إلى التوقف والتأمل والاستمتاع بالمسار. وبدأ بناء الجسر عام 1389 هـ.ش، وبعد أربعة أعوام من العمل المتواصل ليلًا ونهارًا، افتُتح أخيرًا عام 1393 هـ.ش.

وسرعان ما أصبح جسر الطبيعة واحدًا من أكثر الفضاءات العامة شعبيةً واكتظاظًا في طهران، وحصل على العديد من الجوائز، من بينها جائزة الآغا خان المرموقة للعمارة، التي تُمنح للمشاريع التي تُحدث أثرًا إيجابيًا في جودة حياة الناس والبيئة.

ومن الناحية الإنشائية، يُعدّ جسر الطبيعة تحفة هندسية. فهو يتكوّن من هيكل فولاذي يبلغ وزنه نحو ألفي طن، ويستند إلى ثلاث ركائز خرسانية ضخمة. والشكل المنحني والعضوي للجسر ليس مجرد خيار جمالي، بل هو أيضًا حل هندسي ذكي؛ إذ يوزّع القوى المؤثرة في المنشأة، بما فيها الرياح والزلازل ووزن المشاة، بصورة متوازنة، ويعزز استقرار الجسر بدرجة كبيرة.

أما الركائز الخرسانية للجسر فقد صُمّمت بدورها مستوحاةً من جذوع الأشجار، وبانحدارها اللطيف تمنح المشاهد إحساسًا بالثبات والقوة والارتباط بالأرض. وهذه الركائز، التي تنتصب وسط الطريق السريع، لا تحمل وزن الجسر فحسب، بل تحوّلت هي نفسها، مثل منحوتات حديثة وتجريدية، إلى عنصر جمالي في المشهد الحضري.

لكن ما يحوّل جسر الطبيعة من مجرد منشأة هندسية إلى «فضاء حضري» و«وجهة» بحد ذاته، هو تصميمه الفراغي ثلاثي الأبعاد ومتعدد الوظائف. ويتألف جسر الطبيعة من ثلاثة طوابق، لكل واحد منها وظيفة وأجواء مختلفة.

فالطابق الأول، الواقع في المستوى الأدنى، يوفّر فضاءً هادئًا وظليلًا وحميميًا للجلوس والاستراحة وتأمل المشهد. وقد جُهّز هذا الطابق بمقاعد خشبية طويلة، وأحواض كبيرة تضم نباتات متنوعة، وأرضيات خشبية دافئة، ليهيئ فضاءً حميميًا وجذابًا لسكان المدينة الذين أنهكهم صخبها. وهنا يمكن للمرء أن يجلس، ويقرأ كتابًا، ويتحدث مع الأصدقاء، ويستمتع بمشاهدة التدفق المتواصل للسيارات تحت قدميه.

أما الطابق الثاني، فهو الممر الرئيسي للجسر، حيث يعبر المشاة. ويبلغ عرضه نحو 10 أمتار، ويوفّر فضاءً مفتوحًا ومضيئًا ورحبًا للمشي وركوب الدراجات والحوار. كما توجد في هذا الطابق مقاهٍ ومطاعم صغيرة تضفي مزيدًا من الجاذبية والحيوية على المكان.

أما الطابق الثالث، الواقع في أعلى الجسر، فهو «منصة مشاهدة» مرتفعة توفّر إطلالة بزاوية 360 درجة على طهران وجبال البرز والمنتزهات المحيطة. وبفضل مقاعده الطويلة وفضاءاته المفتوحة، أصبح هذا الطابق مكانًا محبوبًا لمشاهدة غروب الشمس والتقاط الصور والاستمتاع بالمشهد الاستثنائي للمدينة.

إن جسر الطبيعة «وجهة» وليس مجرد «مسار». يأتي الناس إلى هذا الجسر ليمشوا فيه، ويجلسوا على مقاعده، ويشربوا الشاي أو القهوة، ويتحدثوا مع أصدقائهم وعائلاتهم، ويستمتعوا بمنظر المدينة. ولا سيما عند الغروب وفي ساعات الليل، يخلق الجسر، بفضل إضاءته الهادئة والذكية والملوّنة، أجواءً حالمة ورومانسية وراسخة في الذاكرة.

وتحوّل الأضواء المخفية داخل جسم الجسر وركائزه، في الليل، المنشأة إلى منحوتة متلألئة تبدو وكأنها معلّقة في قلب الظلام.

كما يُعدّ جسر الطبيعة «جسرًا أخضر». فقد استُخدمت في تصميمه نباتات وشجيرات متنوعة في أحواض كبيرة وأحواض زراعية موزعة على طوابقه المختلفة، لتمنح الزوار إحساسًا بأنهم داخل حديقة معلّقة. ولا تقتصر أهمية هذه النباتات على جمالها البصري، بل تسهم أيضًا في تلطيف أجواء المكان وإضفاء النضارة عليه، وتحول الجسر إلى «ممر بيئي» يصل بين المنتزهين.

ويمثّل جسر الطبيعة درسًا عمليًا وملهمًا في «إعطاء الأولوية للمشاة في المدينة»، و«ابتكار فضاءات حضرية متعددة الوظائف وثلاثية الأبعاد»، و«دمج العمارة والمنشآت والمناظر الطبيعية»، و«إنشاء وجهات حضرية جذابة ومتمحورة حول الإنسان».

ويُظهر هذا الجسر كيف يمكن تحويل بنية تحتية حضرية من فضاء مخصص للعبور والوظيفة فحسب إلى «فضاء عام» نابض بالحياة، جميل، راسخ في الذاكرة، ومحبّب إلى الناس.

وجسر الطبيعة، هذه السمفونية المخصصة للمشاة فوق الطريق السريع، يروي في قلب طهران، بإضاءته الليلية وحركة المواطنين التي لا تنقطع فوقه، حكاية حلمٍ حضري يتمحور حول الإنسان ويمنح المشاة مكانتهم في المدينة.