الهندسه المعمارية

جسر خواجو: قصرٌ فوق الماء، وسيمفونيةٌ من الحجر والنور

من بين جميع الجسور التاريخية في إيران، يبرز جسرٌ لا يُعدّ مجرد ممرّ للعبور، بل هو في آنٍ واحد «قصرٌ للترفيه»، و«قاعةٌ للاجتماعات»، و«سدٌّ لتنظيم المياه»، و«تحفةٌ فنية». ويُعدّ جسر خواجو، الذي شُيّد في منتصف القرن السابع عشر الميلادي بأمر من الشاه عباس الثاني الصفوي، فوق نهر زاينده‌رود في شرق أصفهان، ذروةَ فن بناء الجسور في إيران؛ إذ تتداخل فيه الهندسة الهيدروليكية، والعمارة الفخمة، وتصميم المشهد الطبيعي، في تناغم بالغ الذكاء، حتى إنه لا يزال، بعد ما يقارب أربعة قرون، يثير الدهشة والإعجاب.

 

جسر خواجو في أصفهان: حين تتحول البنية التحتية إلى قصر ومشهد وذاكرة

من بين جميع الجسور التاريخية في إيران، هناك جسر لا يمثل مجرد ممر للعبور، بل هو في الوقت نفسه «قصر للترفيه» و«قاعة للاجتماعات» و«سدّ لتنظيم المياه» و«تحفة فنية». جسر خواجو، الذي شُيّد في منتصف القرن السابع عشر الميلادي بأمر من الشاه عباس الثاني الصفوي، فوق نهر زاينده‌رود في شرق أصفهان، يمثل ذروة فن بناء الجسور في إيران؛ فهو بناء تتداخل فيه الهندسة الهيدروليكية والعمارة الفخمة وتصميم المشهد الطبيعي بذكاء بالغ، بحيث لا يزال، بعد نحو أربعة قرون، قادراً على إثارة الدهشة.

لفهم جسر خواجو، ينبغي أولاً أن نتخيل أصفهان في العصر الصفوي؛ تلك المدينة التي اختارها الشاه عباس الأول عاصمة له، وحوّلها، بفضل ميدان نقش جهان وشارع جهارباغ وحدائقها الواسعة، إلى واحدة من أكثر مدن العالم فخامة. لكن نهر زاينده‌رود، الذي كان يشق المدينة، كان في الوقت نفسه نعمة وعائقاً؛ نعمة لأنه كان يوفر المياه للحدائق والحياة الحضرية، وعائقاً لأنه كان يفصل بين الأجزاء الشمالية والجنوبية من المدينة، وبين الأحياء الإسلامية وحي جلفا الأرمني.

وقد جاء جسر خواجو، الذي شُيّد شرق جسر سي‌وسه‌پل وفي حي خواجو، أحد أقدم أحياء أصفهان، استجابةً لهذه الحاجة المزدوجة. غير أن الشاه عباس الثاني ومعمارييه لم يكتفوا ببناء جسر بسيط للعبور. فقد أرادوا إنشاء بناء يكون في الوقت نفسه بنية تحتية للمدينة، ومتنزهاً ملكياً، وعملاً فنياً خالداً. وكانت نتيجة هذا الطموح جسراً وصفه الرحالة الفرنسي في القرن السابع عشر، جان شاردان، بأنه «أجمل جسر في العالم».

يمتد جسر خواجو بطول 133 متراً وعرض 12 متراً، ويستند إلى 23 قوساً من الآجر. غير أن هذه الأقواس ليست متساوية؛ ففتحات الأقواس الوسطى أوسع وأعلى، ثم تصغر تدريجياً باتجاه الطرفين. وقد منح هذا التصميم الذكي الجسر شكلاً متموجاً وحيوياً، كما ساعد على توزيع ضغط المياه بصورة أفضل في الفتحات الوسطى، حيث يكون تيار النهر أقوى.

لكن أهم ابتكارات جسر خواجو الهندسية تتمثل في وظيفته بوصفه «جسراً ـ سداً». فقد أُنشئت في قواعد الجسر بوابات خشبية يمكن إغلاقها لرفع مستوى المياه في الجهة العليا من النهر. وكان لهذا الإجراء هدفان: أولهما توفير المياه لري الحدائق الملكية المحيطة بالجسر، مثل حدائق سعادت‌آباد وآيينه‌خانه، وثانيهما إنشاء بحيرة اصطناعية صغيرة في أعلى الجسر لاستخدامها في الأنشطة المائية الخاصة بالشاه وحاشيته. وعندما كانت المياه تتدفق من خلف هذه البوابات، كانت تتشكل شلالات صغيرة في الجهة السفلى، فيملأ صوتها المكان ويضفي عليه برودة وانتعاشاً لطيفاً. وهذا الجمع بين «الجسر والسد والشلال» نادر في العمارة العالمية.

يقع الممر الرئيسي للجسر في الطابق العلوي، وتحيط به أقواس من الآجر وجدران مرتفعة من الجانبين، مما كان يوفر فضاءً شبه مغلق ومظللاً للمشاة ووسائل النقل. لكن، خلافاً لجسر سي‌وسه‌پل الذي يتميز بممر أكثر بساطة، زُيّن ممر جسر خواجو بأقواس زخرفية وبلاطات سباعية الألوان وكتابات قرآنية. وعلى جانبي الممر، توجد مصاطب حجرية للجلوس، كان الناس يستطيعون الجلوس عليها والاستمتاع بمشاهدة النهر.

لكن ما يميز جسر خواجو عن سائر جسور إيران، وربما عن كثير من الجسور في العالم، هو المبنى المثمن المعروف باسم «بيگلربيگي» في وسط الجسر. وقد شُيّد هذا المبنى في الطابق العلوي فوق الفتحات الوسطى، ليبدو أشبه بـ «قصر صغير» قائم فوق الماء. وزُيّن مبنى بيگلربيگي من الخارج بالبلاطات الفسيفسائية والسباعية الألوان، والزخارف النباتية والهندسية، وكتابات شعرية وقرآنية. أما داخله فكان مزيناً بالرسوم الجدارية والزخارف الجصية الدقيقة والأسقف المقرنصة، وقد تضرر جزء من هذه الزخارف مع مرور الزمن.

وكان هذا المبنى مكاناً للإقامة المؤقتة للشاه وأفراد الأسرة الملكية لمشاهدة الاحتفالات والمراسم الملكية. ومن شرفاته، كان الشاه وحاشيته يستطيعون مشاهدة مسابقات القوارب في البحيرة الواقعة في الجهة العليا من الجسر. وفي ليالي الاحتفالات، كانت تُقام عروض للألعاب النارية فوق الماء، فتنعكس أضواؤها على سطحه لتخلق مشاهد أشبه بالخيال. كما كانت سلالم تنحدر من المبنى إلى مستوى الماء، بحيث يستطيع الشاه الصعود إلى القارب الملكي أو الاقتراب من الماء مباشرة. وقد جعل هذا «الارتباط الرأسي» بين المبنى والماء من جسر خواجو نوعاً فريداً من «القصور المائية».

ومن أكثر التفاصيل شهرة ورمزية في جسر خواجو، الأسود الحجرية الموجودة على جانبي الممر بالقرب من مصاطب الجلوس. وقد نُحتت هذه الأسود من كتل حجرية واحدة، وتبدو بأفواه مفتوحة وعيون شاخصة نحو النهر، وكأنها حراس صامتون للجسر. ويرى بعض الباحثين أنها ترمز إلى القوة والهيبة الملكية، بينما يعتقد آخرون أنها كانت ترمز إلى حماية الجسر من الأرواح الشريرة. لكن لها وظيفة عملية مثيرة للاهتمام أيضاً؛ إذ كانت أفواه الأسود المفتوحة تُستخدم كفوانيس، حيث كانت تُشعل النار داخلها ليلاً لإضاءة ممر الجسر.

فما الذي يمكن لجسر خواجو أن يعلّمه للمعماريين ومخططي المدن المعاصرين؟

أول درس هو «دمج البنية التحتية بالفضاءات العامة». ففي عصر تحولت فيه الجسور غالباً إلى مسارات سريعة وقاسية للسيارات، يوضح خواجو أن الجسر يمكن أن يكون «وجهة» وليس مجرد «مسار». فقد كان الناس يأتون إلى خواجو ليس للعبور فقط، بل للجلوس والحوار ومشاهدة الماء والاستمتاع بنسيم النهر البارد.

أما الدرس الثاني فهو «العلاقة الحسية مع الطبيعة». فجسر خواجو، من خلال شلالاته الاصطناعية، ومصاطبه المطلة على الماء، وسلالمه التي تصل إلى مستوى النهر، خلق نوعاً من «العمارة متعددة الحواس»؛ حيث يصبح صوت الماء، وبرودة النسيم، ومشهد النهر، وحتى رائحة الماء، جزءاً من التجربة المكانية.

والدرس الثالث هو «البعد الثقافي والهوياتي للبنية التحتية». فجسر خواجو لم يكن مجرد منشأة هندسية، بل كان رمزاً للمدينة، وعملاً فنياً، وفضاءً مدنياً أسهم في تشكيل هوية أصفهان. وهو يذكّرنا بأن البنى التحتية الحضرية يمكنها، بل ينبغي لها، أن تتحول إلى جزء من الذاكرة الجماعية وثقافة المدينة.