ا
إذا أطلقنا على بيوت الطباطبائي والبروجردي لقبَي «عروس» و«أخت» بيوت كاشان، فإن بيت عامري بلا شك هو «أمّها». فهذا المجمع الضخم والفخم، الذي تبلغ مساحته نحو 9000 متر مربع، يُعدّ أكبر بيت تاريخي في إيران، ومن أكبر البيوت السكنية التاريخية في العالم. وقد تشكّلت نواته الأولى في العصر الزندي، ثم توسّع واستُكمل في العصر القاجاري، وكان ملكًا لأسرة عامري، إحدى أكثر الأسر نفوذًا وثروةً وقوةً في كاشان. وتنحدر هذه الأسرة، بحسب ما يُروى، من قبائل عامر العربية، وقد كانت على مدى قرون من أبرز الأسر ذات النفوذ السياسي والاقتصادي والديني في المنطقة. لذلك جاء بيتها انعكاسًا واضحًا لهذه القوة والثروة والنفوذ الواسع. فهذا البيت ليس مجرد مسكن، بل هو أشبه بـ«مدينة خاصة» تضم سبعة أفنية مستقلة، وعددًا من القاعات الفخمة، وعشرات الغرف، وسراديب عميقة وباردة، وأبراج رياح متعددة ومرتفعة، بل وحتى حمّامًا خاصًا.
وأبرز ما يميّز بيت عامري ويجعله مختلفًا عن سائر البيوت التاريخية في إيران هو تعدد أفنيته وتنوعها. فالبيت يضم سبعة أفنية مستقلة ومتكاملة، كان كل واحد منها مخصصًا لقسم من أفراد الأسرة الممتدة، ويؤدي وظيفة مختلفة. ويُعدّ الفناء الرئيسي، أو «الاندروني» (الباحة الداخلية)، أكبر هذه الأفنية وأكثرها فخامة، وكان مخصصًا لإقامة الأسرة الأساسية والنواة المركزية للعائلة. أما الأفنية الأخرى فكانت مخصصة للأبناء المتزوجين، والضيوف المميزين، والضيوف العاديين، والخدم، والعمال، بل وللإسطبل والدواب أيضًا. وهذا النوع من «التنظيم العنقودي» الذي يُنظر إليه اليوم في تصميم المجمعات السكنية الحديثة والمدن الجديدة بوصفه نموذجًا مستدامًا وإنسانيًا وفعّالًا، كان مطبقًا في بيت عامري قبل قرون، بما يكشف عن براعة المعماريين الإيرانيين في تصميم فضاءات سكنية معقدة ومتعددة الأسر.
وكان كل فناء بمثابة «عالم مستقل» و«بيت متكامل» يضم حوضًا مائيًا، وأحواضًا للزراعة، وإيوانًا، وقاعة، وغرفًا خاصة به. ومع ذلك، كانت جميع هذه الأفنية متصلة بعضها ببعض عبر الممرات، والدهاليز، والمداخل ذات القباب الصغيرة «الهشتي»، لتشكّل شبكة فضائية معقدة، لكنها منظمة بدقة. وقد أتاح هذا التنظيم الذكي الحفاظ على استقلال كل أسرة نووية وتأمين خصوصيتها، وفي الوقت نفسه، توفير إمكانية التفاعل والاجتماع وإقامة المناسبات والولائم الكبيرة التي تجمع أفراد الأسرة بأكملها. وبعبارة أخرى، كان بيت عامري أشبه بـ«مجمع سكني» سابق لعصر الحداثة، حُدّدت فيه بدقة مفاهيم مثل «المجال الخاص» و«المجال شبه الخاص» و«المجال العام» وفُصلت عن بعضها.
ويُعدّ الفناء الرئيسي، أو الباحة الداخلية، القلب النابض لهذا المجمع الهائل. فقد كان هذا الفناء، بما يضمّه من حوض كبير مستطيل الشكل في الوسط، وأحواض خضراء مزهرة، وأشجار معمّرة من الدلب والرمان والتين، بمثابة «جنة خاصة» لأسرة عامري. وفي الجهة الشمالية من الفناء، حيث الظلّ وتكون الحرارة أقل، تقع قاعة الصيف ذات الإيوان المرتفع والأعمدة الرشيقة وبرج الرياح رباعي الاتجاهات. أما الجهة الجنوبية، الأكثر تعرضًا لأشعة الشمس والدفء، فقد خُصصت لقاعة الشتاء، ذات النوافذ الكبيرة والسقف الأقل ارتفاعًا. وقد سمح هذا التوجيه المناخي الدقيق للسكان باستخدام أجزاء مختلفة من البيت تبعًا لفصول السنة، والحفاظ على مستوى مريح من الاعتدال الحراري على مدار العام.
وتُعدّ القاعة الرئيسية في بيت عامري تحفة فنية في فنون المرايا والجص. فقد غُطيت جدرانها وسقفها بمرايا هندسية صغيرة وزخارف جصية عميقة وبارزة، كانت تعكس ضوء الشموع والمصابيح الزيتية آلاف المرات، فتخلق فضاءً متلألئًا وحالمًا يخطف الأبصار. كما تسمح النوافذ الأرسيّة الكبيرة، المزودة بزجاج ملوّن بالأحمر والأصفر والأزرق والأخضر، للضوء بالنفاذ إلى الداخل، فتحوّل القاعة في ساعات الصباح الذهبية إلى ما يشبه مشهدًا ضخمًا من الألوان المتداخلة. وتزيد الرسوم الجدارية، التي تتناول مشاهد الصيد ومجالس اللهو والرقص، إلى جانب القصص الأسطورية والعاطفية، من ثراء القاعة وروعتها البصرية. وفي وسطها يوجد حوض حجري ضحل يضاعف انعكاسات المرايا والرسوم، ويسهم في إضفاء البرودة والانتعاش على المكان.
ويضم بيت عامري عدة أبراج رياح مرتفعة رباعية الاتجاهات، موزعة في أنحاء المجمع. وكانت هذه الأبراج تلتقط الرياح من مختلف الاتجاهات، وتوجهها إلى السراديب العميقة والباردة الواقعة تحت الأرض. وتُعدّ سراديب بيت عامري من أعمق وأبرد السراديب في كاشان، وقد شكّلت، بما تضمه من أقبية مبنية بالطوب، وجدران سميكة، وأحواض مائية، ملاذًا مثاليًا خلال أيام الصيف القاسية في البيئة الصحراوية. فالهواء الساخن القادم من الخارج، بعد مروره عبر أبراج الرياح واحتكاكه بمياه الأحواض والجدران الرطبة للسراديب، كان يبرد ويصبح لطيفًا ومنعشًا، ثم يتدفق إلى الغرف والقاعات. وكان هذا النظام الطبيعي للتبريد تحفة في الهندسة المناخية والتصميم المستدام، إذ كان يوفر الراحة الحرارية للسكان من دون الحاجة إلى استهلاك أي طاقة كهربائية أو وقود أحفوري.
ومن السمات الفريدة الأخرى لبيت عامري وجود حمّام خاص. ويقع هذا الحمّام في أحد أركان المجمع، ويضم «السربينة» (غرفة تبديل الملابس)، و«الگرمخانه» (قاعة الاستحمام الرئيسية)، و«الخزينة» (خزان المياه الساخنة)، و«التون» (موقد التسخين)، كما زُيّن بالبلاط ذي الألوان السبعة، والزخارف الجصية، والرسوم الجدارية. وكان وجود حمّام خاص متكامل داخل منزل سكني دليلًا على الثروة الهائلة والمكانة الاستثنائية التي تمتعت بها أسرة عامري.
أما اليوم، فقد تحوّل بيت عامري، بعد عمليات ترميم واسعة ومتخصصة، إلى فندق تقليدي ومركز ثقافي. وقد أعادت هذه العملية الذكية من «إعادة التوظيف التكيفي» الحياة إلى هذا المجمع التاريخي الضخم، وحوّلته إلى أحد أبرز مقاصد السياح المحليين والأجانب في كاشان. ويمكن للزوار الإقامة في الغرف التاريخية، والتجول في الأفنية الفخمة، واختبار أجواء الحياة في بيت عائلة ميسورة من العصر القاجاري بكل حواسهم.
ويُعدّ بيت عامري كتابًا مفتوحًا في «تصميم المجمعات السكنية»، و«التنظيم العنقودي للفضاءات»، و«الفصل بين المجالات الخاصة وشبه الخاصة والعامة»، و«الحياة متعددة الأجيال والأسرة الممتدة». فهو يوضح كيف كان من الممكن إسكان أسرة كبيرة ومتعددة الأجيال ضمن مجمع واحد، مع الحفاظ على استقلال كل نواة أسرية، وفي الوقت نفسه إتاحة المجال للتفاعل والتعايش وإقامة المناسبات المشتركة. ويذكّرنا بيت عامري، بما يتمتع به من عظمة وتعقيد وذكاء معماري، بأن العمارة الإيرانية كانت قد توصلت، قبل العصر الحديث بقرون، إلى حلول بارعة للمشكلات المعقدة في مجال السكن، ولا تزال هذه الحلول قادرة على إلهام المعماريين والمصممين اليوم.