في قلب مدينة أصفهان، حيث ينساب نهر زاينده رود كشريط فضي بين الحدائق والقصور الصفوية، يقوم جسر لا يمثل مجرد معبر للعبور، بل هو «شارع فوق الماء»، و«فضاء مدني»، و«سمفونية من الأقواس والضوء». إن سي وسه پل، أو جسر الله وردي خان، هذه التحفة الفريدة من روائع العمارة الصفوية، يبلغ طوله 295 متراً وعرضه 14 متراً، وليس مجرد واحد من أطول وأفخم الجسور التاريخية في إيران، بل هو أيضاً رمز لذروة الحضارة والهندسة والفن في عهد الشاه عباس الأول. ولعل الأدق أن نطلق على سي وسه پل اسم «سمفونية الأقواس»؛ فهو جسر يتحول فيه الإيقاع المتناغم والمتكرر للأقواس الآجرية إلى تجربة بصرية وحسية لا تُنسى، حين تنعكس صورها على مياه نهر زاينده رود.
ترتبط حكاية سي وسه پل بحلم الشاه عباس الأول في تحويل أصفهان إلى واحدة من أكثر عواصم العالم فخامة وعظمة. فبعد أن نقل الشاه عباس العاصمة من قزوين إلى أصفهان، أراد أن يبني مدينة لا تكون مجرد مركز سياسي للإمبراطورية الصفوية، بل مدينة تستحق لقب «نصف العالم». ومن خلال إنشاء ميدان نقش جهان، والقصور والمساجد والأسواق الفخمة، حوّل أصفهان إلى جوهرة متلألئة في عالم العمارة. غير أن مدينته الجديدة كانت بحاجة إلى شريان مواصلات يصل بين أجزائها الشمالية والجنوبية. وكان نهر زاينده رود الذي يخترق المدينة نعمةً وعائقاً في آن واحد؛ فهو نعمة لأنه كان يوفر المياه للحدائق والقصور والحياة الحضرية، وعائق لأنه كان يفصل بين منطقتين مهمتين من المدينة، هما الأحياء المسلمة الواقعة شمال النهر وحي جلفا الأرمني الواقع جنوبه. ولحل هذه المشكلة، أصدر الشاه عباس أمراً ببناء جسرين كبيرين: سي وسه پل وجسر خواجو. وكان سي وسه پل، الذي شيده الله وردي خان، القائد الصفوي المعروف، أول الجسرين وأطولهما.
بدأ بناء سي وسه پل عام 1008هـ، الموافق لنحو عام 1599م، واستغرق تشييده قرابة ثلاث سنوات. وقد أُقيم الجسر على ركائز حجرية ضخمة، باستخدام الآجر وملاط الساروج التقليدي. ويتكون الجسر من 33 فتحة أو قوساً، ومنها استمد اسمه «سي وسه پل»، أي «الجسر ذو الثلاثة والثلاثين». غير أن ما يحوّل سي وسه پل من مجرد جسر وظيفي إلى تحفة معمارية لا يكمن في عدد أقواسه أو طوله فحسب، بل في تصميمه المكاني الذكي والمتعدد الوظائف.
يتألف سي وسه پل في الأساس من ممرين رئيسيين: ممر أوسط واسع لمرور الخيول والعربات والقوافل، وممرين جانبيين مسقوفين لعبور المشاة. وقد خلقت هذه الممرات الجانبية، الممتدة على جانبي الجسر وبين الأقواس الآجرية، فضاءً شبه مفتوح ومظللاً يستطيع المارة فيه التنزه والجلوس وتأمل المياه والمدينة. أما هذه الأقواس، التي يبلغ عددها 33 قوساً على كل جانب، فتخلق إيقاعاً منتظماً ومتناسقاً يكاد يكون موسيقياً، ويتحول، مع انعكاسه على مياه نهر زاينده رود، إلى سمفونية بصرية آسرة. وفي الأيام المشمسة، تتسلل أشعة الشمس عبر الأقواس، فتخلق لعبة متحركة من الضوء والظل، وتمنح المكان حيوية وديناميكية مميزة. أما في الليالي المقمرة، فيعبر ضوء القمر من بين الأقواس، وينعكس على المياه، ليصنع مشهداً حالماً وشاعرياً.
لكن سي وسه پل لم يكن مجرد جسر للعبور والمشاهدة، بل كان أيضاً «فضاءً اجتماعياً» و«ميداناً خطياً». فعلى هذا الجسر، كان أفراد مختلف الطبقات الاجتماعية، من رجال البلاط والتجار إلى المزارعين والعمال، يمشون جنباً إلى جنب، ويتبادلون الأحاديث، ويستمتعون بنسيم النهر العليل. كما كان الجسر يمثل محور الاتصال الرئيسي بين شارع جهارباغ عباسي في شمال المدينة وحي جلفا في جنوبها، وكان بمثابة «فضاء عام» يلتقي فيه المسلمون والمسيحيون واليهود والزرادشتيون في أصفهان ويتعايشون فيه. وفي هذا المكان، كانت الفوارق الدينية والاجتماعية تتراجع، بينما كان الجميع يعبرون تحت الأقواس المتشابهة جنباً إلى جنب. وهكذا أصبح سي وسه پل «بياناً معمارياً» عن التعايش السلمي والتسامح في الإمبراطورية الصفوية.
ومن الناحية الهندسية أيضاً، يمثل سي وسه پل تحفة فريدة. فقد شُيدت ركائز الجسر الحجرية الضخمة باستخدام ملاط الساروج، وعُززت بدعامات مثلثة من جهة مجرى النهر، لتقاوم الفيضانات الموسمية لنهر زاينده رود. كما صُممت فتحات الجسر بطريقة تسمح للمياه بالمرور بسهولة من خلالها أثناء ارتفاع منسوب النهر، بما يقلل الضغط على هيكل الجسر إلى أدنى حد ممكن. كذلك صُمم طول الجسر، البالغ 295 متراً، وعرضه، البالغ 14 متراً، بدقة ووفق نسب هندسية تحقق انسجاماً بصرياً كاملاً مع سائر مباني أصفهان الصفوية.
وللأسف، فقد سي وسه پل في أيامنا هذه جزءاً من سحره بسبب جفاف نهر زاينده رود خلال جزء كبير من العام. فالأقواس التي كانت صورها تنعكس يوماً في المياه، باتت تلقي بظلالها اليوم على مجرى جاف يفتقر إلى الحياة. ومع ذلك، لا يزال سي وسه پل واحداً من أكثر الفضاءات العامة شعبية في أصفهان. ففي ساعات المساء، يجلس الناس على المصاطب الحجرية للجسر، ويحتسون الشاي، ويتأملون غروب الشمس خلف الجبال المحيطة. ولا يزال هذا الجسر، رغم كل شيء، قلب الحياة الاجتماعية النابض في أصفهان.
أما بالنسبة إلى المعماريين والمهندسين ومخططي المدن المعاصرين، فإن سي وسه پل يمثل كتاباً دراسياً متكاملاً. وأول دروسه هو «التصميم متعدد الوظائف». ففي عصر تحولت فيه الجسور غالباً إلى مسارات سريعة وقاسية مخصصة للسيارات، يثبت سي وسه پل أن الجسر يمكن أن يكون في الوقت نفسه معبراً للعبور، وفضاءً للترفيه، وممراً للمشاة، ومكاناً للتفاعل الاجتماعي. والدرس الثاني هو «الارتباط بالطبيعة». فبدلاً من أن يعزل سي وسه پل المارة عن الماء والسماء بجدران خرسانية، يدعوهم إلى تأمل المياه والاستمتاع بنسيم النهر العليل. أما الدرس الثالث فهو «البعد الاجتماعي والديمقراطي للفضاءات الحضرية». فهذا الجسر يثبت أن البنية التحتية الحضرية يمكن أن تتحول إلى «فضاء عام»، يلتقي فيه الناس، على اختلاف طبقاتهم ومعتقداتهم، ويمشون جنباً إلى جنب، ويستمتعون بجمال المدينة.
سي وسه پل، هذه السمفونية الخالدة للأقواس، لا يزال شامخاً فوق نهر زاينده رود، حتى في أشد أيام الجفاف، يهمس بحكاية العظمة والتسامح وعبقرية الحضارة الصفوية. إنه ليس مجرد أثر من الماضي، بل «درس كبير» للمستقبل؛ درس يمكن أن تستلهم منه العمارة والتخطيط الحضري في إيران والعالم على حد سواء.