الهندسه المعمارية

جسور إيران: عمارة الوصل؛ حين يتحوّل المنشأ إلى فضاء مدني

ما الدرس الذي يمكن أن يقدّمه تراث الجسور الإيرانية لعالم اليوم؟ الدرس الأول هو «تعدّد الوظائف». ففي عصرٍ غالبًا ما تكون فيه البنى التحتية الحضرية أحاديةَ الوظيفة، منفّرةَ المظهر، ومنفصلةً عن الحياة الاجتماعية، تُظهر الجسور الإيرانية أن الجسر يمكن أن يكون في آنٍ واحد ممرًا للعبور، وفضاءً للترفيه، وسوقًا، ومصلّى، ومعلمًا حضريًا.

 

 

في الذهن الحديث، يُنظر إلى الجسر بوصفه منشأً أحادي الوظيفة: طريقًا للعبور فوق عائق. نبني الجسر لكي نعبر المياه بسرعة وأمان، من دون أن تبتل أقدامنا أو تغوص عجلات سياراتنا في الوحل. أما في إيران التاريخية، فلم يكن الجسر يومًا مجرد ممر للعبور. فقد كان في هذه البلاد «فضاءً مدنيًا» متكاملًا، و«ساحة خطية»، و«سوقًا فوق الماء»، بل وحتى «قصرًا للنزهة» في بعض الأحيان. فالجسور التاريخية في إيران، من سي‌وسه‌پل في أصفهان إلى جسر كشكان في لرستان، ومن جسر دزفول إلى جسر گَپ في خرم‌آباد، تروي قصة مدهشة عن امتزاج الهندسة بالفن والحياة الاجتماعية؛ قصة يتحول فيها منشأ تقني إلى تحفة معمارية وقلب نابض للمدينة.

ولفهم عبقرية بناء الجسور في إيران، علينا أولًا أن نوسّع تعريفنا للجسر. ففي الرؤية التقليدية الإيرانية، لم يكن الجسر مجرد منشأ هندسي للتغلب على الطبيعة، بل كان «فضاءً للوصل»؛ يصل بين ضفتي النهر، ويربط بين حيين، ويصل الإنسان بالطبيعة من خلال تأمل المياه والإصغاء إلى خريرها، بل ويربط الإنسان بخالقه من خلال أعمال الخير ووقف الأموال لبناء الجسور. ولهذا السبب، كانت الجسور في إيران غالبًا ما تترافق مع فضاءات مثل المصلّيات، والممرات المسقوفة، ومنصات الجلوس، والزخارف الفخمة. كان الجسر بمثابة «غرفة بلا سقف» فوق الماء؛ مكانًا للتوقف والتأمل، لا مجرد مكان للعبور.

ويعود هذا النهج الشمولي في تصميم الجسور إلى تقليد عريق يمتد إلى العصرين الأخميني والساساني. فقد كانت الجسور والسدود ــ الجسور المائية ــ القديمة، مثل جسر-سد شوشتر وجسر-سد دزفول، تؤدي وظائف متعددة في آن واحد: عبور الإنسان والماشية، والتحكم في المياه وتخزينها لأغراض الزراعة، وتوفير القوة المحركة للطواحين. وهذه التعددية الوظيفية، التي تُعد اليوم أحد مبادئ التصميم المستدام، كانت قد تحولت في إيران قبل قرون طويلة إلى تقليد راسخ في الهندسة والإنشاء.

ويمكن رؤية ذروة هذا التقليد في أصفهان الصفوية، وتحديدًا في سي‌وسه‌پل. فقد شُيّد سي‌وسه‌پل، المعروف أيضًا باسم جسر الله‌وردي خان، في أوائل القرن السابع عشر الميلادي، ويبلغ طوله 295 مترًا، ما يجعله واحدًا من أطول الجسور التاريخية في إيران. غير أن طوله هو أقل ما يلفت الانتباه في هذا الصرح. ففي جوهره، يُعد سي‌وسه‌پل «شارعًا مسقوفًا فوق الماء». فقد خلقت صفّان من العقود المزخرفة على جانبي الممر الأوسط فضاءً شبه مفتوح، يستطيع العابر فيه أن يمشي ويجلس ويتأمل المياه والمدينة. وتمتاز هذه العقود بإيقاع منتظم، يتحول مع انعكاسها على سطح الماء إلى ما يشبه سيمفونية بصرية. وفي الليالي المقمرة، يتسلل ضوء القمر من بين العقود، فتغدو لعبة الضوء والظل مشهدًا أشبه بحلم شعري.

لكن سي‌وسه‌پل لم يكن مجرد فضاء للنزهة. فقد كان هذا الجسر محور الاتصال الرئيسي بين شارع چهارباغ عباسي في شمال المدينة وحي جلفا الأرمني في جنوبها، كما مثّل، بوصفه «فضاءً ديمقراطيًا»، ملتقىً للتعايش بين المسلمين والمسيحيين واليهود والزرادشتيين في أصفهان. ففي هذا الجسر، كانت الفوارق الدينية والاجتماعية تتلاشى، وكان الجميع يمشون جنبًا إلى جنب تحت عقوده المتشابهة. وهكذا كان سي‌وسه‌پل «بيانًا معماريًا» عن التعايش السلمي في الإمبراطورية الصفوية.

غير أن الجسور الإيرانية لا تقتصر على أصفهان والعصر الصفوي. ففي أعماق جبال زاغروس، وعلى امتداد الأنهار الهائجة في غرب إيران، شُيّدت جسور قد لا تضاهي جسور أصفهان من حيث الزخرفة والفخامة البصرية، لكنها تمثل، من حيث الهندسة والجرأة الإنشائية، تحفًا فريدة لا مثيل لها. ومن أبرز هذه التحف جسر كشكان في محافظة لرستان. وقد شُيّد هذا الجسر في القرن الرابع الهجري، خلال عهد آل بويه، فوق نهر كشكان الهائج، ويبلغ طوله نحو 320 مترًا، ما يجعله واحدًا من أطول الجسور التاريخية في إيران. وكان جسر كشكان يقع على أحد أهم الطرق الرئيسية القديمة في إيران، التي كانت تصل الهضبة الوسطى بخوزستان وبلاد الرافدين. وكان إنشاء جسر ثابت فوق نهر جارف كثير الفيضانات، في قلب جبال زاغروس الوعرة، وفي القرن الرابع الهجري تحديدًا، إنجازًا هندسيًا استثنائيًا.

وتتمثل أهم سمات جسر كشكان في دعاماته الحجرية الضخمة، التي عُزّزت من جهة المنبع بدعامات مثلثة الشكل. وتمثل هذه الدعامات تحفة من تحف الهندسة الهيدروليكية؛ إذ تعمل على كسر قوة التيارات الجارفة للفيضانات وتخفيف ضغط المياه عن الدعامات الأساسية. وقد جاء تصميم هذه الدعامات دقيقًا وذكيًا إلى درجة أن الدعامات الرئيسية للجسر ظلت صامدة، رغم ما شهدته المنطقة من فيضانات هائلة ومدمرة على مدى أكثر من ألف عام. أما أقواس الجسر فجاءت من النوع المدبب، وهو ما يمنحها مقاومة إنشائية أكبر، ويوفر في الوقت نفسه ارتفاعًا أكبر لمرور المياه أثناء الفيضانات. وللأسف، لم يبقَ اليوم سوى جزء من أقواس الجسر، فيما انهارت العديد من فتحاته، لكن ما تبقى منه لا يزال يروي، بصمته الحجري، عن الهيبة والعظمة التي كان عليها في الماضي.

وفي موضع آخر من غرب إيران، في مدينة خرم‌آباد، يقف جسر گَپ، أو جسر شاپوري، بوصفه نموذجًا آخر ساطعًا لفن بناء الجسور في إيران القديمة. ويعود تاريخ هذا الجسر إلى العصر الساساني، ويضم 28 فتحة، ويبلغ طوله نحو 330 مترًا، ما يجعله أيضًا واحدًا من أطول الجسور التاريخية في إيران. كما تكشف دعاماته الحجرية الضخمة ودعاماته المثلثة، على غرار جسر كشكان، عن المعرفة المتقدمة بالهندسة الهيدروليكية التي امتلكها الإيرانيون في العصور القديمة.

ما الدرس الذي يمكن أن يقدّمه تراث الجسور الإيرانية لعالم اليوم؟
الدرس الأول هو «تعدّد الوظائف». ففي عصرٍ غالبًا ما تكون فيه البنى التحتية الحضرية أحادية الوظيفة، منفّرة المظهر، ومنفصلة عن الحياة الاجتماعية، تُظهر الجسور الإيرانية أن الجسر يمكن أن يكون في الوقت نفسه ممرًا للعبور، وفضاءً للنزهة، وسوقًا، ومصلّى، ومعلمًا حضريًا.

والدرس الثاني هو «الارتباط بالطبيعة». فبدلًا من أن تفصل الجسور الإيرانية العابر عن الماء والسماء بجدران خرسانية، كانت تدعوه إلى تأمل المياه، وتتيح له الإصغاء إلى خريرها، وتهبّه نسيم النهر العليل. وهذه العمارة الحسية، التي أصبحت اليوم خطابًا مهمًا في مجال التصميم، كانت قد تحولت قبل قرون إلى ممارسة حية في الجسور الإيرانية.

أما الدرس الثالث فهو «البعد الاجتماعي» للجسر. فقد أثبتت الجسور الإيرانية أن البنية التحتية الحضرية يمكن أن تتحول إلى «فضاء عام»؛ مكان لا يمر الناس عبره فحسب، بل يتوقفون فيه، ويتبادلون الأحاديث، ويحتسون الشاي، ويجلسون لمشاهدة غروب الشمس فوق الماء.

إن الجسور التاريخية في إيران تمثل مانيفستو معماريًا في مواجهة الجسور الحديثة التي صُممت في كثير من الأحيان للسرعة والسيارات وحدها، وأغفلت الإنسان الماشي على قدميه.