بيت زينت الملوك: تحفة شيراز الشاعرية؛ حيث يسكن الفن في قلب البيت
في قلب النسيج التاريخي لمدينة شيراز، بالقرب من مجمع وكيل، وفي زقاق ضيق وهادئ في حي «سنگ سياه» القديم، يقع بيت يحمل اسمًا لا يقل شاعرية وجمالًا عن عمارته: بيت زينت الملوك. وقد شُيّد هذا البيت في أواخر العصر القاجاري وبدايات العصر البهلوي، نحو عام 1290 هـ.ش، على يد أحد أعيان شيراز وأثريائها البارزين، الحاج محمد حسن خان قوامي، المعروف بلقب قوام الملك. ويُعد البيت نموذجًا بديعًا للمزج بين العمارة السكنية الإيرانية التقليدية والروح الشاعرية المحبة للفن والرقيقة التي تميزت بها شيراز.
وكانت أسرة قوامي من أكثر الأسر نفوذًا وثروة في شيراز خلال العصر القاجاري، وقد خلّفت في المدينة عددًا من القصور والحدائق الفخمة، ويأتي بيت زينت الملوك في مقدمة أجملها. وقد استمد البيت اسمه من ابنة الحاج محمد حسن خان، زينت الملوك قوامي. أما اليوم، فقد حُوّل جزء منه إلى متحف مشاهير فارس، المعروف أيضًا باسم «متحف الشمع في شيراز»، حيث تُعرض تماثيل شمعية لعدد من شعراء فارس وشخصياتها البارزة.
وعلى خلاف البيوت الصحراوية في كاشان ويزد، التي ينتقل الزائر فيها مباشرة من زقاق ضيق شبه معتم إلى دهليز المدخل ثم يصل، بعد انعطافة مفاجئة، إلى الفناء المركزي، يتم الدخول إلى بيت زينت الملوك عبر حديقة صغيرة ساحرة. ويضع هذا الفضاء الأخضر، الذي يشكل مقدمة للبيت، الزائر قبل دخوله في أجواء هادئة ومريحة ومفعمة بالسكينة، وينقله تدريجيًا وبهدوء من صخب الشوارع والأسواق المكتظة في شيراز.
وتضم هذه الحديقة الصغيرة أشجار النارنج دائمة الخضرة والعطرة، ونخيلًا زينة شامخًا، وبركة صغيرة تتوسطها نافورة هادئة تنشر خرير الماء العذب في المكان، فضلًا عن عبير زهر النارنج والورد والياسمين الذي يملأ الأجواء. وهكذا يتشكل عند مدخل البيت مناخ مصغر لطيف وبارد ومعطر، يمنح الضيف إحساسًا بأن في الداخل تجربة جميلة لا تُنسى. وهذا المدخل الشبيه بالحديقة، على خلاف الدهاليز المظلمة والضيقة في البيوت الصحراوية، فضاء مشرق ومفتوح ومرحّب، ويعكس طبيعة أكثر انفتاحًا وارتباطًا بالطبيعة لدى أهل شيراز مقارنة بسكان المدن الصحراوية.
وبعد عبور الحديقة الصغيرة وممر قصير، يصل الزائر إلى الفناء المركزي للبيت. وهو فناء مستطيل متناسق، تتوسطه بركة طويلة وكبيرة، وتحيط بها أحواض خضراء مزهرة. وتلقي أشجار النارنج والنخيل الزينة بظلال لطيفة في أرجاء الفناء، بينما تضفي أزهار إبرة الراعي والياسمين والورد والبنفسج ألوانها وعطورها على المكان.
وعلى خلاف الأفنية الكبيرة والواسعة والاحتفالية في بيوت كاشان، مثل بيتي طباطبائي وبروجردي، يتميز هذا الفناء بأجواء أكثر حميمية وألفة، وهو أقرب إلى حديقة عائلية خاصة منه إلى فناء رسمي مخصص للاستعراض والاحتفاء. أما البركة الطويلة في وسطه، بمائها الصافي الذي يعكس صورة السماء والأشجار، فتسهم في تلطيف أجواء الفناء خلال أيام شيراز الحارة والطويلة.
وعلى جانبي الفناء، تمتد أروقة ذات أعمدة خشبية رشيقة ودقيقة الصنع، زُينت بالزخارف الجصية التي تصور الزهور والطيور، والزخارف النباتية الإسلامية، ولمسات من المرايا. وقد وفرت هذه الأروقة فضاءً شبه مفتوح ومظللًا ومريحًا للجلوس والاستراحة، وإجراء الأحاديث الطويلة في أمسيات شيراز، والاستمتاع بنسمات الهواء العليلة.
لكن جوهرة بيت زينت الملوك وذروة فخامته الفنية هي قاعة المرايا الواقعة في الجهة الشمالية من الفناء، والمعروفة أيضًا باسم قاعة الشاهنشين. وهذه القاعة تحفة آسرة من أعمال المرايا والزخارف الجصية والرسوم الجدارية، تأسر الزائر وتبهره منذ اللحظة الأولى.
ويتميز سقف القاعة المرتفع والممتد على طابقين بمرايا هندسية صغيرة وكبيرة ذات تقطيعات دقيقة، وزخارف جصية عميقة وبارزة تضم أشكالًا نباتية وزخارف الزهور والطيور، فضلًا عن رسوم جدارية ملونة تصور مجالس الطرب والرقص والموسيقى، ومشاهد الصيد الملكية، والمناظر الطبيعية والأوروبية، إلى جانب قصص أسطورية وعاطفية من الشاهنامه، مثل معركة رستم وسهراب.
أما الجدران، فقد غُطيت بدورها بأعمال دقيقة وغنية من المرايا والزخارف الجصية النباتية، والرسوم الجدارية ذات الموضوعات نفسها. وتسمح النوافذ الكبيرة والطويلة من نوع الأورُسي، المزودة بزجاج ملون بالأحمر الياقوتي والأصفر الذهبي والأزرق اللازوردي والأخضر الزمردي، بدخول ضوء ناعم ومتعدد الألوان، فينشأ فضاء شاعري حالم أشبه بعالم من الخيال.
وفي وسط القاعة، توجد بركة حجرية صغيرة ضحلة مصنوعة من قطعة واحدة من الرخام، تضاعف انعكاسات المرايا والرسوم وأضواء النوافذ، وتضفي على المكان مزيدًا من البرودة والانتعاش. وكانت هذه القاعة مخصصة لاستقبال الضيوف المهمين، وإقامة مجالس الطرب والشعر، وإظهار ثراء أسرة قوامي وذوقها الفني ومكانتها الاجتماعية.
ومن السمات اللافتة والمميزة لبيت زينت الملوك الطابق السفلي أو السرداب الواسع، الذي تحول اليوم إلى «متحف مشاهير فارس»، أو ما يسميه البعض «متحف الشمع في شيراز». وفي هذا الفضاء البارد وشبه المعتم والغامض، ذي الأقبية الآجرية والجدران السميكة، تُعرض تماثيل شمعية بالحجم الطبيعي لعدد من كبار شعراء شيراز وفارس، مثل حافظ وسعدي والخيام ومولانا، إلى جانب شخصيات تاريخية بارزة، مثل كريم خان زند بملابسه وعمامته التقليدية، والشاه عباس الصفوي، بل وبعض أفراد أسرة قوامي.
ويمثل هذا المزج الذكي والمبتكر بين البيت التاريخي والمتحف المعاصر نموذجًا ناجحًا وملهمًا لما يُعرف بـ إعادة التوظيف التكيفي؛ إذ منح المبنى حياة جديدة ووظيفة مختلفة وهوية معاصرة. ويمكن للزائر أن يتجول في بيت قاجاري أصيل وفخم، ويستمتع بعمارته وزخارفه، وفي الوقت نفسه يتعرف إلى مشاهير الثقافة والأدب الإيراني ويرى تماثيلهم عن قرب.
وتتميز زخارف بيت زينت الملوك، بخلاف البيوت الصحراوية التي تعتمد في الغالب على الجص والآجر في أشكال أكثر بساطة، بمزيج غني وجذاب من أعمال المرايا الدقيقة والبراقة، والزخارف الجصية العميقة والبارزة، والرسوم الجدارية الملونة والغنية بالتفاصيل، والبلاطات ذات الألوان السبعة المزينة بالأشكال النباتية والهندسية.
وتعكس هذه الزخارف بألوانها الدافئة والمشرقة، وأشكال الزهور والطيور والزخارف النباتية، ومشاهد الطرب والصيد والطبيعة، الروح الشاعرية المحبة للفن والمقبلة على الحياة التي تميز أهل شيراز. كما تنتشر في أرجاء البيت كتابات تتضمن أشعارًا لحافظ وسعدي بالخط الفارسي «النستعليق»، مما يكشف عن الصلة العميقة بين البيت وساكنيه وبين الثقافة والأدب الفارسي.
ويتميز بيت زينت الملوك بـ مدخله الشبيه بالحديقة والفضاء الأخضر التمهيدي بدلًا من دهاليز الدخول المغلقة، ومقياسه الإنساني ودفء فضاءاته في مقابل الفخامة الرسمية والاحتفالية، وإعادة توظيفه التاريخي الناجحة والمبتكرة.
ويثبت هذا البيت أنه من الممكن تكييف مبنى تاريخي مع وظيفة جديدة وجذابة ومعاصرة، من دون المساس بهويته وأصالته وروحه الأصلية، وتحويله إلى فضاء حي ومزدهر ومحبب للأجيال الجديدة.
إن بيت زينت الملوك، باسمه الشاعري، وحديقته الساحرة عند المدخل، وقاعة المرايا الفخمة، ومتحفه الذي يحتفي بمشاهير فارس، يجسد الروح الرقيقة والفنية والشاعرية لمدينة شيراز؛ مدينةٍ تتداخل فيها حتى البيوت السكنية مع الشعر والفن والجمال، ويخفي كل ركن من أركانها حكاية تنتظر من يرويها.