الهندسه المعمارية

مدرسة غياثية خرگرد: جوهرة تيمورية في قلب خراسان

إنّ الضوء في مدرسة غياثية لا يُعدّ مجرد عامل مادي، بل هو عنصر روحي ورمزي أيضاً. فأشعة الشمس التي تتسلّل إلى الداخل عبر أقواس الأواوين وفتحات الإضاءة السقفية، ترسم تدرجات لطيفة من الظلال والنور على البلاطات الفيروزية والزخارف الجصية العميقة. وهذا الضوء، الذي يتبدّل على امتداد ساعات النهار، يخلق فضاءً حياً وديناميكياً، ويعزّز الإحساس بالحضور في مكان مقدّس. وفي الساعات الذهبية عند الغروب، تتوهج جدران المدرسة بضوء دافئ يميل إلى البرتقالي، فيما تتلألأ البلاطات الفيروزية كأنها جواهر متلألئة.

 

في السهول الشاسعة التي تلفحها الشمس في شرق إيران، بالقرب من مدينة خواف وفي ضواحي قرية خرگرد، يقوم صرحٌ يُعدّ، رغم شهرته المحدودة وموقعه النائي، واحداً من روائع العمارة التيمورية الفريدة، ومن ألمع نماذج العمارة التعليمية في العالم الإسلامي. فمدرسة غياثية خرگرد، هذه «الجوهرة التيمورية المفقودة»، بأواوينها العالية المهيبة، وبلاطات الفسيفساء المبهرة، والزخارف الجصية الدقيقة والعميقة، وتناسباتها الهندسية المتقنة، ليست مجرد مدرسة دينية، بل هي «مانيفستو معماري»، و«سمفونية من البلاط والهندسة»، ورمزٌ لذروة الازدهار الثقافي والفني في عهد شاهرخ التيموري. ويمكن وصف مدرسة غياثية بأنها «الجوهرة المفقودة في الشرق»؛ ذلك الصرح الذي امتزجت فيه العمارة التيمورية المهيبة بروح العلم والروحانية، في تناغم خلق فضاءً روحانياً فخماً لا يُنسى.

ولفهم أهمية هذه المدرسة، لا بد من فهم موقعها الجغرافي والتاريخي. فقد كانت خرگرد تقع على أحد الفروع الثانوية لطريق الحرير، الذي كان يمتد من هرات، عاصمة التيموريين، إلى نيسابور، ثم إلى وسط إيران. وكانت منطقة خواف تحظى بأهمية خاصة في العصر التيموري، إذ خرج منها عدد كبير من الوزراء وكبار موظفي الديوان في هذه السلالة. وكان خواجه غياث الدين بير أحمد خوافي واحداً من هؤلاء. وقد بلغ منصب الوزارة في عهد شاهرخ التيموري، وكان رجلاً عالماً محباً للأدب والفن. وكان والده، خواجه نظام الدين، من كبار موظفي الديوان في عهد تيمور، فواصل خواجه غياث الدين مسيرة والده، وأصبح واحداً من أقوى وزراء بلاط شاهرخ وأكثرهم نفوذاً وتأثيراً.

وخلال أكثر من ثلاثة عقود قضاها في منصب الوزارة، شيد العديد من المنشآت العامة، من مساجد ومدارس وجسور ورباطات وصهاريج مياه في خراسان الكبرى. غير أن مدرسة غياثية خرگرد كانت، بلا شك، أهم آثاره وأكثرها خلوداً. ولم يكن دافعه إلى بناء هذه المدرسة يقتصر على توفير مكان لتعليم طلاب العلم، بل كان يريد أن يخلّد اسمه في مسقط رأسه، وأن يضاهي منافسيه السياسيين الذين كانوا هم أيضاً يشيدون مباني فخمة في هرات وسمرقند وبخارى. ولهذا دعا إلى مسقط رأسه أفضل المعماريين وصانعي البلاط والنقاشين الجصيين والخطاطين في العصر التيموري، ممن سبق لهم أن أبدعوا روائع فنية في هرات وسمرقند وبخارى. وكانت نتيجة هذا التجمع الفني صرحاً لا يزال، بعد ما يقرب من ستة قرون، يثير الدهشة والإلهام.

وإذا أردنا فهم مدرسة غياثية في سياق العمارة التيمورية، فإن مقارنتها بالمدارس المعاصرة لها تساعد على إدراك مكانتها. فمدرسة أولوغ بيك في سمرقند، التي شيدها أولوغ بيك، حفيد تيمور وحاكم سمرقند العالم، كانت، بعظمتها وفخامتها، نموذجاً للمدارس التيمورية. غير أن مدرسة غياثية، رغم صغر حجمها، لا تقل عنها من حيث دقة الزخارف وجودة التنفيذ. وفي هرات، شيدت گوهرشاد آغا، زوجة شاهرخ، مدرسة گوهرشاد، وهي الأخرى تحفة من تحف العمارة التيمورية. وربما كانت مدرسة غياثية أصغر حجماً مقارنة بهاتين المدرستين، لكنها تحتل مكانة رفيعة من حيث جودة أعمال البلاط والزخارف الجصية. كما أن مقارنتها بمدرسة چهارباغ في أصفهان، التي شُيدت بعد قرن في العصر الصفوي، تكشف أن مدرسة غياثية كانت إحدى الحلقات المهمة في مسار تطور العمارة التعليمية في إيران.

إن دخول مدرسة غياثية تجربةٌ توحي للزائر بالفخامة والعظمة منذ خطوته الأولى. فقد زُيّن مدخل المدرسة، بقوسه العالي المهيب، ببلاطات الفسيفساء الفيروزية واللازوردية. وتروي كتابة بالخط الثلث فوق المدخل اسم باني الصرح وتاريخ تشييده. وبعد عبور المدخل، يدخل الزائر إلى دهليز مثمّن الأضلاع، زُيّن بالمقرنصات الجصية وفتحات الإضاءة السقفية. وكان هذا الدهليز فضاءً للتوقف والانتقال من صخب الخارج إلى سكينة الداخل. ومنه ينتقل الزائر إلى الفناء المركزي، ليجد نفسه فجأة أمام فضاء مفتوح ومضيء وروحاني، تحيط به أربعة أواوين شاهقة.

وكان الفناء المركزي القلب النابض لهذا المجمع. فقد كان يضم حوضاً كبيراً في الوسط وأحواضاً مزروعة بالخضرة من حوله، ويوفر فضاءً هادئاً ومحبباً للتفكر والدراسة لطلاب العلم. وكانت أشجار السرو والصنوبر المزروعة في زوايا الفناء تلقي ظلالاً باردة في أيام الصيف الحارة. وكان صوت المياه المتدفقة من نوافير الحوض الأوسط يمتزج بأصوات الطيور وهمسات الدروس التي يتلقاها الطلاب، ليخلق سمفونية من الحياة والعلم. وكان هذا الفناء بمثابة الرئة التي تتنفس بها المدرسة، إذ يلطّف الهواء الحار والجاف في الخارج ويجعله أكثر برودة ونقاءً.

إنّ الضوء في مدرسة غياثية لا يُعدّ مجرد عامل مادي، بل هو عنصر روحي ورمزي أيضاً. فأشعة الشمس التي تتسلّل إلى الداخل عبر أقواس الأواوين وفتحات الإضاءة السقفية، ترسم تدرجات لطيفة من الظلال والنور على البلاطات الفيروزية والزخارف الجصية العميقة. وهذا الضوء، الذي يتبدّل على امتداد ساعات النهار، يخلق فضاءً حياً وديناميكياً، ويعزّز الإحساس بالحضور في مكان مقدّس. وفي الساعات الذهبية عند الغروب، تتوهج جدران المدرسة بضوء دافئ يميل إلى البرتقالي، فيما تتلألأ البلاطات الفيروزية كأنها جواهر متلألئة.

وشُيّدت مدرسة غياثية وفق المخطط الكلاسيكي ذي الأواوين الأربعة. وكان فناء المدرسة المركزي فضاءً واسعاً شبه مربع، تبلغ أبعاده نحو 50 في 50 متراً، وتنتصب في جهاته الأربع أربعة أواوين شاهقة وفخمة. وانتظمت حول الفناء حجرات الطلاب على طابقين. وكانت المدرسة تضم في مجموعها 32 حجرة، وفّرت كل واحدة منها غرفة صغيرة، لكنها مريحة وعملية، لإقامة طالب أو طالبين، والدراسة والراحة.

وكانت الحياة في مدرسة غياثية تسير وفق إيقاع منتظم وروحاني. فكان الطلاب يستيقظون قبل طلوع الشمس على صوت الأذان، ويبدؤون يومهم بعد صلاة الفجر بالمطالعة والمناظرة العلمية. وخلال النهار، كان الأساتذة البارزون يدرّسون الفقه والتفسير والحديث والأدب والرياضيات وعلم الفلك. وكان الطلاب يقيمون في حجراتهم، وتُعدّ لهم وجباتهم في مطبخ المدرسة، وفي الليل كانوا يدرسون على ضوء الشموع أو المصابيح الزيتية. وقد صُممت الحجرات بحيث تضم رفوفاً جدارية لحفظ الكتب والأغراض الشخصية، وتوفر فضاءً دافئاً وحميمياً لحياة الطلاب.

أما الإيوان الرئيسي، وهو الإيوان الجنوبي، فيبلغ ارتفاعه نحو 25 متراً، وعرضه قرابة 10 أمتار، ويمثّل النقطة المحورية وذروة الفخامة في المدرسة. ويُعدّ هذا الإيوان، بعقده المدبب الهائل، نموذجاً متألقاً لفن بناء الأواوين في العصر التيموري. وقد كُسيت أسطحه ببلاطات الفسيفساء التي يغلب عليها اللون الفيروزي واللازوردي والأبيض والأسود. وتضم كتابات الإيوان آيات قرآنية وأحاديث نبوية وأشعاراً في مدح العلم والفضيلة.

أما محراب مدرسة غياثية، الواقع في نهاية الإيوان الجنوبي وفي اتجاه القبلة مباشرة، فيُعدّ واحداً من أجمل محاريب العصر التيموري. وقد زُيّن هذا المحراب بزخارف جصية عميقة وبارزة، ونقوش إسليمية وتشكيلات نباتية ملونة، وكتابات قرآنية بالخط الثلث.

وتمثّل مدرسة غياثية بالنسبة إلى المعماريين والمصممين المعاصرين درساً قيّماً في «التناسبات الهندسية»، و«المزاوجة بين الفن والوظيفة»، و«خلق فضاءات تعليمية روحانية». ولا تزال مدرسة غياثية خرگرد، هذه الجوهرة التيمورية المفقودة، تتلألأ في سهول شرق إيران، وتروي، في همسٍ عميق، حكاية فخامة العصر التيموري وفنه وعلمه.