الهندسه المعمارية

قزوين: عاصمة الصفويين؛ مدينة على عتبة التاريخ

ترتبط قصة قزوين بموقعها الاستراتيجي ارتباطًا وثيقًا. فقد كانت هذه المدينة، الواقعة عند السفوح الجنوبية لسلسلة جبال البرز وعلى طريق الحرير، واحدةً من أهم المعابر في إيران منذ أقدم العصور. وفي العصر الساساني، عُرفت قزوين بوصفها حصنًا حدوديًا، ثم أصبحت في العصر الإسلامي أحد أهم مراكز جيوش المسلمين في فتوحات هضبة إيران. غير أن أوج ازدهار قزوين جاء في القرن العاشر الهجري، عندما نقل الشاه طهماسب الأول الصفوي عاصمته وتاجه إلى قزوين، قبل أن يقع الاختيار على أصفهان عاصمةً للدولة الصفوية.

 

من بين جميع المدن التاريخية في إيران، ثمة مدينةٌ تتمتع بماضٍ حافل بالعظمة والفخامة، لكنها ظلت إلى حدٍّ ما في ظل جارتين أكثر شهرة، أصفهان وطهران، ولم تحظَ بما تستحقه من اهتمام. إنها قزوين، المدينة العريقة التي تستلقي في سهول شمال غربي إيران، وكانت يومًا عاصمةً فخمةً للصفويين، وقبل ذلك بوابةً لدخول الإسلام إلى الهضبة الإيرانية، ومحطةً رئيسية على طريق التجارة والاتصال بين الشرق والغرب. ولعل أجمل وصف لقزوين هو «مدينة على العتبة»؛ فهي مدينة تقف دائمًا عند تخوم مرحلتين تاريخيتين، أو ثقافتين، أو عاصمتين. ولهذا تبدو عمارتها مزيجًا آسراً من الأصالة والابتكار، ومن الانطواء الإيراني على الداخل والانفتاح على الخارج، ومن بساطة المناطق الجافة ورهافة الطابع الشمالي.

وترتبط حكاية قزوين بموقعها الاستراتيجي ارتباطًا وثيقًا. فعند السفوح الجنوبية لسلسلة جبال البرز، وعلى امتداد طريق الحرير، كانت قزوين منذ قرون بعيدة واحدةً من أهم بوابات العبور في إيران. وفي العصر الساساني، عُرفت بوصفها حصنًا حدوديًا، ثم أصبحت في العصر الإسلامي إحدى المحطات الرئيسية لجيوش المسلمين في طريقها إلى الهضبة الإيرانية. لكن المدينة عرفت عصرها الذهبي في القرن العاشر الهجري، عندما اختارها الشاه طهماسب الأول الصفوي عاصمةً له، قبل أن تنتقل العاصمة لاحقًا إلى أصفهان. وعلى مدى أكثر من نصف قرن، عاشت قزوين عصرًا من الازدهار السياسي والعمراني، وشهدت تشييد قصور ومساجد وأحياء جديدة تركت بصمتها في تاريخ العمارة الإيرانية.

ولكي تبدأ رحلتك في قزوين من قلب تاريخها، اتجه إلى مجمع الدولة الصفوية؛ ذلك المكان الذي لم يبقَ منه اليوم سوى أجزاء قليلة، لكنها لا تزال تروي شيئًا من عظمة الماضي. وكان عالي قاپو في قزوين، الشقيق الأكبر لعالي قاپو في أصفهان، أول قصر مرتفع في العصر الصفوي، وقد تميز بإيوانه الشاهق وقاعاته المزينة بالرسوم، وأصبح نموذجًا للقصور التي شُيدت لاحقًا في العهد الصفوي. وكان القصر يقع وسط حديقة واسعة غنّاء تُعرف باسم «باغ سعادت‌آباد»، ليشكل مشهدًا يجمع بين العمارة والطبيعة ويعكس قوة الشاه طهماسب وفخامة بلاطه.

واليوم، لا يزال بإمكان الزائر مشاهدة بوابة عالي قاپو وعمارة چهلستون، وهما من أبرز ما تبقى من هذا المجمع التاريخي. أما عمارة چهلستون، بقاعتها المزينة بالمرايا ورسومها الجدارية التي تعود إلى العصر الصفوي، فتقدم للزائر لمحةً جميلة عن ذوق تلك الحقبة وفنونها، وقد تحولت اليوم إلى متحف لفن الخط.

ومن هنا، يمكن متابعة الرحلة إلى جامع قزوين العتيق، أحد أبرز معالم المدينة وأكثرها حضورًا في تاريخ العمارة الإيرانية. فهذا المسجد العريق تختزن أروقته قصة ألف عام من التطور المعماري. وقد شُيّدت نواته الأولى فوق معبد نار ساساني، ثم توسع وتطور على مدى قرون، ليصبح واحدًا من أقدم المساجد في إيران.

ويتميز جامع قزوين العتيق بأواوينه الأربعة الفخمة، وفي مقدمتها الإيوان الجنوبي الذي تتوجه قبة فيروزية وتكسوه بلاطات المعرّق، في مشهد يجمع اللون والهندسة والروحانية. أما المقرنصات الجصية في الإيوان الغربي، والكتابات الكوفية والثلثية، فتمنح المكان قيمة فنية استثنائية، وتكشف عن براعة الفنانين في العصر السلجوقي. وفي شبستان المسجد القديم، يمكن للزائر أن يلمح أيضًا آثارًا معمارية تعود إلى عصر آل بويه، بل وإلى العصر الساساني، في رحلة بصرية تختصر قرونًا من تاريخ إيران.

ولا تكتمل جولة قزوين من دون اكتشاف عالمها المائي. ففي هذه المدينة، التي عرفت كيف تتعامل مع ندرة المياه، تحولت خزانات المياه والحمامات إلى جزء أساسي من هويتها العمرانية. ويأتي خزّان مياه سردار الكبير في مقدمة هذه المعالم؛ بقبة آجُرية أحادية القشرة تُعد من أكبر القباب من هذا النوع في إيران، وبأبراج التقاط الرياح الشاهقة التي تمنح البناء مظهرًا مميزًا.

وقد شُيّد هذا الخزّان في العصر القاجاري على يد الشقيقين محمد حسن خان ومحمد حسين خان سردار، وكانت سعته تصل إلى نحو 3600 متر مكعب من المياه. ولا يقتصر جماله على مظهره الخارجي؛ فكل تفصيل فيه يكشف عن معرفة دقيقة بطرق تخزين المياه وتبريدها وإدارتها، ويمنح الزائر فرصة لاكتشاف جانب مدهش من عبقرية الهندسة الإيرانية التقليدية.

وبالقرب منه، يبرز حمّام قجر، أحد أجمل الحمامات التاريخية في قزوين. وبلاطاته ذات الألوان السبعة، وزخارفه الجصية الدقيقة، وأحجاره الرخامية، تكشف كيف استطاعت العمارة التقليدية أن تجمع بين الوظيفة والجمال. وقد تحول الحمّام اليوم إلى متحف للأنثروبولوجيا، يتيح للزائر التعرف إلى تفاصيل من الحياة الاجتماعية اليومية للإيرانيين في الماضي.

أما إذا أردت أن تشعر بإيقاع المدينة القديمة، فما عليك إلا أن تتجه إلى شارع سپه، أو شارع الشهداء باسمه الحالي. ويُعد هذا الشارع أول شارع مصمم وفق تخطيط مسبق في إيران، وقد شُيّد في العصر الصفوي بأمر من الشاه طهماسب. وكان يربط بين قصر الدولة والجامع، وتظله أشجار الدلب العتيقة، بينما كانت مجاري المياه تمتد في وسطه، في مشهد جعل منه نموذجًا استُلهمت منه لاحقًا شوارع إيرانية أخرى، ومنها چهارباغ في أصفهان.

والتجول في شارع سپه ليس مجرد نزهة في شارع تاريخي؛ بل هو فرصة لمشاهدة كيف كانت المدينة الإيرانية تجمع بين الحركة اليومية والجمال العمراني. ومع كل خطوة، يمكن للزائر أن يشعر بأن الماضي لا يزال حاضرًا في تفاصيل المكان.

ثم تأتي محطة أخرى لا غنى عنها: خان سعد السلطنة، أكبر خان داخل مدينة في إيران، وأحد أبرز المعالم التجارية التاريخية في قزوين. وقد شُيّد هذا المجمع الضخم في العصر القاجاري، ويمتد على مساحة تقارب 26 ألف متر مربع. لكنه ليس مجرد خان بالمعنى التقليدي، بل مدينة تجارية متكاملة تضم الأسواق المتخصصة، والتيمچهات، والسرايات، والحمّام، والمسجد، والأربعة أسواق ذات التقاطعات الفخمة.

وبعد أعمال الترميم، أصبح سعد السلطنة اليوم من أهم الوجهات السياحية في قزوين. وبين أقواسه الآجرية وفتحات الإضاءة السقفية وبلاطاته ذات الألوان السبعة، يستطيع الزائر أن يتجول في فضاء يبدو فيه التاريخ جزءًا من الحياة اليومية. ولعل أجمل لحظات الزيارة هي تلك التي يتسلل فيها ضوء النهار من فتحات السقف، فيضيء ذرات الغبار في الهواء وكأنها ذرات ذهب معلقة في الفضاء.

وتقودك جولة قزوين أيضًا إلى بواباتها التاريخية، ومنها بوابة طهران القديمة وبوابة درب كوشك. وكانت هذه البوابات يومًا مداخل رئيسية للمدينة، أما اليوم فهي من الشواهد التي بقيت على شكل قزوين القديم. وتزيدها البلاطات ذات الألوان السبعة والرسوم الجدارية جمالًا، فتبدو كأنها عتبات رمزية تفصل بين عالم المدينة الحديثة وذاكرة المدينة التاريخية.

لكن أجمل ما في قزوين أنها ليست مجرد مجموعة من المباني التاريخية المنفصلة؛ إنها مدينة متكاملة تتداخل فيها العمارة والتاريخ والثقافة والحياة اليومية بصورة يصعب معها الفصل بينها. ويمكن للزائر أن يبدأ صباحه بالتجول في شارع سپه، ثم يتوقف ظهرًا لتناول الشاي في خان سعد السلطنة والاستمتاع بأقواسه الآجرية، ويخصص فترة بعد الظهر لاكتشاف حمّام قجر، قبل أن ينهي يومه في أحد البيوت التاريخية التي أُعيد ترميمها، متذوقًا أطباق قزوين التقليدية.

وهنا تكمن جاذبية قزوين الحقيقية: في قدرتها على أن تجعل التاريخ تجربةً حية لا مجرد مجموعة من التواريخ والمباني. ففي «استمراريتها التاريخية»، وتصميم محاورها الحضرية، ودمج الوظائف المختلفة في مجمعاتها، واهتمامها بالفضاءات ذات المنفعة العامة، تحتفظ المدينة بصورة من صور العظمة الإيرانية، وتمنح زائرها فرصةً لاكتشافها خطوةً بعد خطوة، من قلب العاصمة الصفوية إلى أزقة الأسواق والحمامات والخانات والبوابات القديمة.