في الجنوب الشرقي من الهضبة الإيرانية، وعلى تخوم صحراء لوت الحارقة، وعند سفوح الجبال الشامخة، تقع مدينة تتلألأ منذ قرون كجوهرة في قلب الصحراء. إنها كرمان، هذه المدينة العريقة الراسخة، ذات التاريخ الممتد إلى العصر الأخميني، بل وإلى الأساطير الإيرانية القديمة، والتي تُعدّ واحدة من أهم المراكز الحضارية في إيران، وإن كانت في الوقت نفسه من أقلها شهرة وحضورًا على خارطة السياحة.
ولعلّ من الأجدر أن تُسمّى كرمان «مدينة أبراج الرياح والحدائق الصحراوية»؛ فهي مدينة تشكّلت فيها العمارة لا لمواجهة الطبيعة القاسية فحسب، بل للتعايش معها بذكاء وانسجام. ففي كرمان، تتداخل أبراج الرياح العالية الشامخة مع الحدائق الخضراء التي تبدو كأنها جنان وسط الصحراء، لتروي حكاية مدهشة عن عبقرية أهل الصحراء وصبرهم وإبداعهم.
إن قصة كرمان هي قصة «مدينة الفصول الأربعة» في قلب واحد من أشد الأقاليم جفافًا في إيران. وتقع المدينة على ارتفاع يقارب 1750 مترًا فوق مستوى سطح البحر، وتحدّها صحراء لوت من الشمال والشرق، فيما تمتد سلاسل جبال زاغروس إلى الجنوب والغرب. وقد منحها هذا الموقع الجغرافي الفريد مناخًا يتميز بشتاء بارد وصيف معتدل نسبيًا، الأمر الذي أتاح لها، عبر التاريخ، أن تصبح أحد أهم مراكز الزراعة والتجارة والثقافة في جنوب شرق إيران.
وفي العصر الساساني، كانت كرمان قاعدة عسكرية مهمة، ثم أصبحت في العصر الإسلامي أحد المراكز التجارية البارزة على طريق الحرير. غير أن ذروة ازدهار العمارة في هذه المدينة جاءت في العصرين الصفوي والقاجاري، حين شيد الحكام المحليون والتجار الأثرياء عددًا من المباني الفخمة التي لا تزال شاهدة على ازدهارها الحضاري.
ويُعدّ مجمّع غنجعلي خان القلب النابض لكرمان التاريخية؛ وهو ميدان شُيّد في مطلع القرن السابع عشر الميلادي بأمر من غنجعلي خان، حاكم كرمان المعروف في عهد الشاه عباس الأول الصفوي. ويضم هذا المجمّع سوقًا، ومسجدًا، وحمّامًا، ومدرسة، وخانًا، وخزانًا للمياه، ودارًا لضرب النقود، ليشكّل بذلك «مدينة صغيرة» متكاملة في قلب المدينة.
وعلى خلاف ميدان نقش جهان في أصفهان، الذي يفرض على الزائر بعظمته واتساعه، يتميز ميدان غنجعلي خان بأجوائه الأكثر حميمية وحجمه الأكثر تماسكًا. فالحوض الكبير في وسط الميدان، ودكاكين التجار المحيطة به، والأقواس المبنية بالطوب التي تلقي بظلالها الباردة على المكان، تجعل منه أشبه بـ«فناء عام» مريح وحميم.
أما حمّام غنجعلي خان، فهو جوهرة هذا المجمّع المتلألئة. وقد تحوّل هذا الحمّام اليوم إلى متحف للأنثروبولوجيا، ويُعدّ واحدًا من أجمل الحمّامات التاريخية في إيران، بما يزخر به من أحجار رخامية شفافة، وبلاطات ملوّنة بسبعة ألوان، وزخارف جصية دقيقة، وجداريات بديعة.
وتُعدّ التماثيل الحجرية، المعروفة بتماثيل الجمّالين، من أكثر العناصر الزخرفية إثارة للاهتمام في هذا المبنى. أما السربينه، أو غرفة تبديل الملابس والاستراحة، فكانت تضم حوضًا كبيرًا في الوسط ومصاطب تحيط به، لتوفر فضاءً للراحة وتبادل الأحاديث. وفي القسم الساخن من الحمّام، كانت الأعمدة الحجرية والأسقف المقبّبة تضفي على المكان أجواءً مريحة للاستحمام.
ويُعدّ سوق كرمان واحدًا من أطول الأسواق وأكثرها ازدهارًا في إيران. يبدأ من ميدان غنجعلي خان، ويمتد عبر أزقته المتعددة وتيمچهاته وأسرته التجارية حتى مسجد المدينة الجامع. وقد تطور هذا السوق على امتداد قرون، لكنه لا يزال حتى اليوم نابضًا بالحركة التجارية والحياة اليومية.
ففي سوق النحاسين، يتردد الإيقاع المميز لمطارق الحرفيين، وفي سوق العطّارين تفوح روائح التوابل والأعشاب الطبية، بينما تتألق في سوق السجاد ألوان السجاد الكرماني الزاهية؛ ليشكّل كل واحد من هذه الأسواق عالمًا مستقلًا نابضًا بالحياة والحركة.
لكن لعلّ أكثر العناصر المعمارية إثارة للدهشة في كرمان هي أبراج الرياح. فهذه الأبراج العالية ذات الجهات الأربع، التي ترتفع فوق أسطح المنازل، ليست مجرد معالم بصرية مميزة، وإنما هي أيضًا نظام طبيعي ومستدام للتهوية.
وقد استُخدمت هذه الأبراج في المنازل وخزانات المياه وحتى الأسواق، حيث تلتقط حركة الهواء من مختلف الاتجاهات، ثم توجهها إلى داخل المساحات السكنية والعامة. وعندما يمر الهواء الحار والجاف القادم من الصحراء فوق أحواض المياه والجدران الرطبة، يبرد ويصبح أكثر اعتدالًا، ثم يتدفق إلى داخل الفضاءات.
وهذا «المكيّف الطبيعي»، الذي صُمّم قبل قرون من اختراع الكهرباء، يكشف عن عبقرية المعماريين في كرمان في مجال التصميم المتوافق مع المناخ والاستفادة الذكية من عناصر الطبيعة.
وكرمان هي أيضًا مدينة الحدائق. وتُعدّ حديقة شاهزاده في ماهان، الواقعة في ضواحي كرمان، واحدة من أروع الحدائق الإيرانية، وهي مدرجة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو. وقد شُيّدت هذه الحديقة في العصر القاجاري، وتنتصب في قلب الصحراء كأنها «جنة مصطنعة»، بما تتميز به من محور مائي طويل، ونوافير متدرجة، وأشجار معمّرة من السرو والصنوبر.
وتتغذى الحديقة بالمياه القادمة من قناة تيغران، حيث تستفيد من الانحدار الطبيعي للأرض لكي تتدفق المياه عبر النوافير وتمتلئ بها الجداول من دون الحاجة إلى أي مضخة. وتمثل هذه «الهندسة الهيدروليكية»، التي تعتمد على قوة الجاذبية، نموذجًا بديعًا لتكامل الجمال والوظيفة في العمارة الإيرانية.
ويُعدّ ثلّاج مؤيدي واحدًا من عجائب كرمان الأخرى. فهذا المبنى الضخم ذو القبة الطينية، الذي يبلغ ارتفاعه نحو 18 مترًا، كان يوفر في الماضي الثلج الذي تحتاج إليه المدينة خلال أشد أشهر السنة حرارة.
وقد صُممت عملية إنتاج الثلج وتخزينه في هذا المبنى بذكاء بالغ، بحيث يبقى الثلج محفوظًا من الشتاء وحتى نهاية الصيف من دون الحاجة إلى أي طاقة أحفورية. وكانت الجدران الطينية السميكة، والشكل المخروطي للقبة، وحركة الهواء الطبيعية، جميعها تعمل في خدمة هذا الهدف.
ويُعدّ مسجد كرمان الجامع أيضًا من أبرز معالم المدينة. وتعود نواته الأولى إلى عهد آل بويه، ثم توسع في العصور اللاحقة، ويتميز اليوم بأربع شرفات إيوانية فخمة، وقبة فيروزية، وبلاطات فسيفسائية مزخرفة، مما يجعله واحدًا من أجمل المساجد في جنوب شرق إيران.
ويُعدّ الإيوان الغربي للمسجد ذروة روعة هذا الصرح، بما يزدان به من بلاطات متعددة الألوان ومقرنصات جصية بديعة.
كما تُعدّ كرمان مدينة القنوات القديمة. فالقنوات المائية في هذه المدينة، التي يعود تاريخ بعضها إلى آلاف السنين، تمثل شرايين خفية للحياة في قلب الصحراء. ولم تكن مياه هذه القنوات تُستخدم للشرب والزراعة فحسب، بل كانت تسهم أيضًا في تزويد الحدائق والنوافير والأحواض بالمياه.
وهكذا لم تكن القناة في كرمان مجرد منشأة لنقل المياه، بل كانت «نظامًا متكاملًا لإدارة المياه»، وكذلك «مؤسسة اجتماعية» أدت دورًا أساسيًا في تنظيم الحياة وتوزيع الموارد المائية.
إن كرمان أشبه بكتاب دراسي متكامل في «التصميم المناخي والمستدام»، و«الإدارة الذكية للموارد المائية»، و«دمج الوظائف المختلفة ضمن مجمّع حضري واحد»، و«ابتكار الفضاءات العامة ذات المقياس الإنساني».
وتُظهر هذه المدينة كيف يمكن للإنسان، حتى في واحدة من أكثر مناطق العالم جفافًا وحرارة، أن يستفيد من المواد المحلية، والمعرفة المتوارثة، والفهم العميق للطبيعة، ليخلق بيئة معيشية مريحة وجميلة ومستدامة.
كرمان، بأبراج رياحها الشامخة، وحدائقها التي تبدو كأنها جنان في قلب الصحراء، وأسواقها التي تضج بأصوات الحرفيين وروائح التوابل وألوان السجاد، تجسّد قصة الصبر والإبداع والاستدامة التي ميّزت أهل الصحراء عبر القرون.