في مدينة تبريز، وسط ضجيج الأسواق وازدحام الشوارع الحديثة، يقف مبنى كان يُعرف ذات يوم باسم «فيروزة الإسلام». ويُعدّ المسجد الأزرق، أو «گوی مسجد» باللغة الأذربيجانية، الذي شُيّد في القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي)، واحدًا من ألمع التحف المعمارية الإيرانية وأكثرها مأساوية في الوقت نفسه. فهذا المبنى، الذي لا يحمل اليوم سوى بقايا من مجده الماضي، لم يكن مجرد مسجد، بل كان مجمّعًا ضخمًا يضم مسجدًا وضريحًا ومدرسة وخانقاه ومكتبة، وقد شُيّد بأمر من جهانشاه، حاكم سلالة القراقويونلو التركمانية. ويمثل المسجد الأزرق ذروة العمارة وفن البلاط الخزفي في إيران قبل العصر الصفوي، وحلقة وصل بين فخامة العصر الإيلخاني ورهافة العصر الصفوي؛ وهو مبنى، رغم أن سقفه وبلاطاته تعرضا لأضرار جسيمة بفعل قسوة الزمن والزلازل المدمرة التي ضربت تبريز، لا يزال ما تبقى منه حتى اليوم يحبس الأنفاس.
ولفهم المسجد الأزرق، لا بد أولًا من فهم سياقه التاريخي. فقد كان القرن التاسع الهجري مرحلة انتقال واضطراب في تاريخ إيران. وكانت الإمبراطورية التيمورية، التي حوّلت سمرقند وهراة إلى مركزين متألقين للثقافة والفن، آخذة في الأفول، بينما كانت سلالتان تركمانيتان، هما القراقويونلو والآق قویونلو، تتصارعان على السلطة في غرب إيران. وكان القراقويونلو، أو «أصحاب الخراف السوداء»، الذين اتخذوا تبريز عاصمة لهم، يريدون إثبات قدرتهم على إنشاء مركز ثقافي وفني متألق ينافس هراة التيمورية.
كان جهانشاه، حاكم القراقويونلو، شخصية معقدة ومتباينة؛ فمن جهة كان محاربًا قاسيًا، ومن جهة أخرى كان شاعرًا بارعًا نظم الشعر بالتركية والفارسية، وراعيًا متحمسًا للفنانين والمعماريين والخطاطين. وكان يحلم بتشييد مبنى لا يكون مجرد مكان للعبادة، بل رمزًا لقوة سلالته وعظمتها وشرعيتها الثقافية. وكانت ثمرة هذا الحلم مجمّعًا يُعرف اليوم باسم «المظفرية»، نسبةً إلى زوجة جهانشاه، خاتون مظفرية، وكان المسجد الأزرق جوهرة هذا المجمّع المتلألئة.
وعلى خلاف المساجد الإيرانية التقليدية ذات الإيوانات الأربعة، يتميز المسجد الأزرق بمخطط فريد من نوعه. إذ تتكون نواة المبنى الأساسية من قاعة قبة مركزية ضخمة مربعة الشكل، وخلفها قاعة قبة أصغر حجمًا، كانت تضم ضريح جهانشاه وأفراد أسرته. ويُعد هذا «المخطط المزدوج لقاعة القبة» ابتكارًا مهمًا في العمارة الإيرانية، سبق أن جُرّب في مسجد جامع يزد في العصر الإيلخاني، لكنه بلغ في المسجد الأزرق درجة عالية من الكمال والوضوح. وكانت القبة الرئيسية، التي انهارت للأسف خلال الزلازل المدمرة التي ضربت تبريز، ولا سيما زلزال عام 1780، ترتفع فوق فضاء تبلغ أبعاده 16.5 × 16.5 مترًا، ويصل ارتفاعها إلى نحو 25 مترًا.
وما تبقى من الهيكل يكشف عن عبقرية هندسية لدى معماريي هذا المبنى. فقد صُممت الدعامات الحجرية الضخمة والجدران السميكة لتحمل وزن القبة. أما الفيلگوشات التي تنقل البناء من الشكل المربع إلى الدائرة التي تحمل القبة، فقد غُطيت بزخارف المقرنصات والبلاطات الخزفية، فيما تعمل شبكة معقدة من الطاقات والعقود على إخراج الفضاء الداخلي من الرتابة. وكانت منطقة الضريح الواقعة خلف قاعة القبة الرئيسية مغطاة بدورها بقبة أصغر، وتحتها سرداب كان يضم مدفن جهانشاه وأفراد أسرته. ويعكس هذا الجمع بين المسجد والضريح تقليدًا انتشر في إيران منذ العصر الإيلخاني، حيث كان كبار البناة يشيدون المساجد لتكون في الوقت نفسه أماكن للعبادة ووسيلة لضمان خلود أسمائهم.
لكن ما نقل المسجد الأزرق من مجرد مبنى فخم إلى تحفة فنية استثنائية هو بلاطه الفسيفسائي. وعلى خلاف الاعتقاد الشائع بأن ذروة فن البلاط الإيراني ظهرت في مساجد أصفهان الصفوية، يكشف المسجد الأزرق أن هذا الفن كان قد بلغ، قبل ذلك بقرن على الأقل، درجة مدهشة من النضج في تبريز. وحتى اسم المسجد، «الأزرق»، يشهد على ذلك؛ فالكلمة تشير إلى اللون الأزرق والفيروزي، وإلى كثرة البلاطات الفيروزية واللازوردية التي كانت تغطي في الماضي معظم الأسطح الداخلية والخارجية للمبنى.
ولا تزال الأجزاء المتبقية من هذه البلاطات تثير الإعجاب حتى اليوم. فقد اجتمعت الزخارف الهندسية المعقدة، بما فيها النجوم ذات الثمانية والاثني عشر والستة عشر رأسًا، إلى جانب الأرابيسك الرقيق والزخارف النباتية الملونة، بألوان الفيروزي واللازوردي والأبيض والأسود والبني المحروق، في تناغم ودقة بالغين، حتى ليبدو كأن الجدران مصنوعة من الجواهر. أما النقوش المكتوبة بخطي الثلث والكوفي، بأحرف كبيرة ومهيبة، فتحمل آيات قرآنية وأشعارًا فارسية. وينسب بعض هذه النقوش إلى نعمت الله البواب، أحد أبرز خطاطي ذلك العصر.
ومن اللافت في زخارف المسجد الأزرق استخدام زخارف «الزهور والطيور»، بل وحتى بعض الزخارف النباتية الحرة نسبيًا، وهي عناصر نادرًا ما ظهرت بهذا الشكل في المساجد التي سبقته. ويكشف ذلك عن تأثير أسلوب الرسم الإيراني، ولا سيما فن المنمنمات، في العمارة، وعن الانفتاح الثقافي النسبي في بلاط القراقويونلو. كما أثرت بعض الزخارف وتقنيات صناعة البلاط المستخدمة في المسجد الأزرق مباشرة في المساجد الصفوية اللاحقة، مما جعل هذا المبنى حلقة أساسية في تطور فن البلاط الخزفي الإيراني.
أما مأساة المسجد الأزرق فتتمثل في الزلازل المدمرة التي هزّت تبريز مرات عديدة. فقد أدى زلزال عام 1780 إلى انهيار القبة الرئيسية وقبة الضريح وأجزاء كبيرة من البلاطات، وتحول المسجد لأكثر من قرن إلى أطلال. وما نراه اليوم هو ثمرة جهود ترميم بدأت في أوائل القرن العشرين ولا تزال مستمرة حتى يومنا هذا. لكن هذا الدمار أضفى، paradoxically، على المبنى نوعًا من الجمال الشعري الحزين. فالوقوف تحت سماء قاعة القبة المفتوحة، التي يغطيها اليوم سقف مؤقت، والإحاطة بجدران تبدو بلاطاتها كأنها أحجية ناقصة، وتخيّل عظمة هذا الفضاء التي ضاعت، كلها تجربة تثير الحزن والإلهام في آن واحد.
يذكّرنا المسجد الأزرق بأن تاريخ العمارة الإيرانية ليس مجرد قصة مبانٍ كاملة وسليمة لم تمسّها يد الزمن. فأحيانًا تستطيع الأطلال أن تكون، بقدر المبنى المكتمل نفسه، قادرة على رواية التاريخ. فهذا المسجد يحكي قصة طموح حاكم شاعر، وعبقرية فنانين كانوا، قبل قرون، ينظمون الشعر ببلاطات الفسيفساء، وقصة طبيعة تخلق كما تهدم. والمسجد الأزرق، «فيروزة الإسلام»، لا يزال بعد ستة قرون، ببلاطاته اللازوردية والفيروزية، يهمس بحكاية مجد كان ذات يوم يخيّم فوق تبريز.