في الجهة الجنوبية من ميدان نقش جهان في أصفهان، وتحديدًا قبالة سوق القيصرية، ينتصب صرح لا يُعدّ مجرد مسجد، بل هو «سمفونية من البلاط والهندسة»، و«بيان للقوة والإيمان»، و«تحفة فريدة لا نظير لها في العمارة العالمية». ويُعرف هذا المسجد باسم مسجد الشاه في عهد الدولة البهلوية، ثم اشتهر باسم مسجد الإمام بعد الثورة الإسلامية، وهو الجوهرة المتلألئة في تاج ميدان نقش جهان، وأحد أضخم مساجد العالم الإسلامي وأكثرها فخامة وروعة. وبقبته الفيروزية الشاهقة، ومآذنه الطويلة والنحيلة، وإيوانه الفخمة المتناظرة، وبلاطه المعرّق ذي الألوان السبعة، الذي يبدو كأنّه بساط من الجواهر مفروش على جسد المبنى، يجسّد المسجد بصورة معمارية حلم الشاه عباس الأول في ابتكار «جنّة على الأرض»، ويرمز إلى ذروة القوة والثروة والإيمان في الإمبراطورية الصفوية.
تبدأ حكاية مسجد الإمام بطموحات الشاه عباس الأول الصفوي. فبعد أن نقل الشاه عباس العاصمة من قزوين إلى أصفهان، أراد أن ينشئ مدينة لا تكون مجرد مركز سياسي، بل قلبًا نابضًا للثقافة والفن والمذهب الشيعي. وقد صمّم ميدان نقش جهان بوصفه مركز المدينة الجديدة، وأقام في جهاته الأربع أربعة مبانٍ رمزية، يمثّل كلّ واحد منها أحد أركان الإمبراطورية. وكان مسجد الإمام، في الجهة الجنوبية من الميدان، مُرادًا له أن يكون رمزًا للقوة الدينية، وحضور عامة الناس، والرابطة الوثيقة التي لا تنفصم بين الدولة الصفوية والمذهب الشيعي.
بدأ بناء هذا المسجد الضخم سنة 1020هـ بأمر من الشاه عباس، غير أنّ ضخامة المشروع، وتعقيدات بنائه، والزخارف الدقيقة والغزيرة التي غطّت أرجاءه، جعلت عملية تشييده تستغرق نحو ثمانية عشر عامًا، حتى اكتمل أخيرًا سنة 1038هـ، في أوائل عهد الشاه صفي، خليفة الشاه عباس. وكان المعماري الرئيسي لهذا الصرح الخالد الأستاذ علي أكبر الأصفهاني، الذي نُقش اسمه على لوحات المسجد الكتابية، ليخلّد بذلك اسمه إلى الأبد في تاريخ العمارة الإيرانية. كما خطّ كبار الخطاطين، أمثال عليرضا عباسي وعبد الباقي التبريزي، نقوش المسجد بخطي الثلث والنسخ.
إنّ المواجهة الأولى مع مسجد الإمام تجربة لا تُنسى، تأسر الأنفاس وتخطف الأبصار. فواجهة المدخل، التي يبلغ ارتفاعها نحو 30 مترًا، تستقبل الزائر بقوس هائل مهيب ومتناسق، وكأنّها تدعوه إلى الدخول إلى عالم آخر. وقد زُيّنت هذه الواجهة ببلاط معرّق ذي ألوان سبعة، تتخلله زخارف الأرابيسك المتشابكة والمعقّدة، والأزهار والنباتات الدقيقة، إلى جانب نقوش بخطي الثلث والنسخ تتضمن آيات قرآنية وأبياتًا شعرية في وصف هذا الصرح.
وعلى جانبي الواجهة، ترتفع مئذنتان طويلتان ونحيلتان، يبلغ ارتفاع كلّ منهما نحو 42 مترًا، وكأنّهما حارسان شامخان يشرفان بثبات على المدخل الرئيسي للمسجد. وتخلق الألوان الفيروزية واللازوردية التي تكسو الواجهة والمآذن، في مواجهة سماء أصفهان الزرقاء الممتدة بلا نهاية، مشهدًا أخّاذًا وروحانيًا لا يُنسى، يأسر كل من تقع عليه عيناه.
غير أنّ أكثر ما يثير الدهشة، وأكثر ما يكشف عن براعة التصميم في مسجد الإمام، هو «الانحراف بزاوية 45 درجة» في مدخله. فواجهة المدخل تقع تمامًا بمحاذاة الجهة الجنوبية لميدان نقش جهان وتتجه نحو الشمال، في حين ينبغي أن تتجه قاعة الصلاة الرئيسية نحو القبلة، أي نحو الجنوب الغربي. وقد شكّل هذا الاختلاف في الاتجاه تحديًا تصميميًا وهندسيًا بالغ التعقيد.
وحلّ المعماري العبقري، الأستاذ علي أكبر الأصفهاني، هذا التحدي من خلال تصميم ممر متعرّج، مظلم نسبيًا وطويل، يقع خلف واجهة المدخل. فبعد أن يدخل الزائر من البوابة المهيبة والمضيئة، يجد نفسه في هذا الممر شبه المعتم، ثم ينتقل عبر سلسلة من الانعطافات التدريجية غير المحسوسة تقريبًا، ليدور بزاوية 45 درجة من دون أن يدرك ذلك بصورة كاملة، قبل أن يجد نفسه فجأة في الفناء المركزي للمسجد أمام إيوان القبلة الرئيسي. ويُعدّ هذا «المناور المكاني» الذكي، وهذا الانتقال من «الظلام إلى النور»، واحدًا من أروع النماذج وأكثرها إبداعًا في حل المشكلات المعمارية في تاريخ العمارة العالمية.
أما الفناء المركزي للمسجد، فهو فضاء واسع مربع الشكل، متناسق ومتناظر، تتوسطه بركة كبيرة متناسقة، وتحيط به أربعة إيوانات شاهقة ومهيبة في الجهات الأربع. ويُعدّ الإيوان الجنوبي، أو إيوان القبلة، أكبر إيوانات المسجد وأعرضها وأعلاها، وهو نقطة التركيز وذروة الفخامة في هذا المجمع، بما يعلوه من قوس مدبّب هائل، ومقرنصات جصية معقّدة، وبلاط معرّق ذي ألوان سبعة.
وخلف هذا الإيوان تقع قاعة القبة الرئيسية للمسجد. أما الإيوانان الشرقي والغربي، فقد زُيّنا بالبلاط والمقرنصات الجصية، ووفّرا فضاءً مهيبًا للعبور إلى قاعات الصلاة الجانبية. وأما الإيوان الشمالي، الواقع خلف واجهة المدخل، فتشير مآذنه الشاهقة إلى المدخل الرئيسي للمسجد.
وتُعدّ قبة مسجد الإمام واحدة من أروع القباب وأكثرها براعة هندسية وجمالًا في العالم الإسلامي. وهي من نوع «القبة المزدوجة المنفصلة»، وتتكوّن من غلافين منفصلين: غلاف داخلي يغطي فضاء قاعة القبة، وهو أقصر وأقل انحناءً، وغلاف خارجي يُرى من الخارج، وهو أعلى وأكثر فخامة وأشد انحناءً. ويسهم الفراغ الموجود بين الغلافين، إلى جانب تخفيف الوزن الإجمالي للقبة، في توفير عزل حراري فعّال.
ويبلغ ارتفاع القبة، من أرضية المسجد إلى ذروتها، نحو 52 مترًا، وقد كُسيت بالبلاط الفيروزي واللازوردي، وزُيّنت بزخارف الأرابيسك والنقوش القرآنية، لتبدو من بعيد كجوهرة زرقاء شاهقة تتوّج المسجد.
أما الفضاء الداخلي لقاعة القبة، فيمنح الزائر تجربة روحانية آسرة لا تُنسى. ويشكّل محراب المسجد الرخامي، المزيّن بالبلاط المعرّق والنقوش القرآنية، نقطة التركيز في هذا الفضاء، وأحد أجمل المحاريب في العالم الإسلامي.
غير أنّ أكثر خصائص قاعة القبة إثارة للدهشة هي «الصوتيات» أو التصميم الصوتي للمكان. ففي مركز القاعة، مباشرة تحت ذروة القبة، توجد نقطة إذا وقف المرء فيها وتحدث، انتشر صوته في أرجاء المكان بوضوح وقوة وطنين روحاني مميز. وهذا التصميم الصوتي، الذي أُنجز قبل قرون من دون الاستعانة بأي تكنولوجيا حديثة، يكشف عن براعة استثنائية لدى المعماريين الصفويين في توظيف خصائص الفضاء لخدمة الصوت والروحانية.
ويقدّم مسجد الإمام، من خلال «النسب الذهبية والهندسة»، و«حلّ المشكلات التصميمية المعقّدة بالإبداع»، و«الجمع بين الوظيفة والبنية والجمال»، و«توظيف الضوء واللون والصوت في خلق فضاء روحاني»، نموذجًا متكاملًا للعمارة، ويحكي ببلاغة عن عظمة الحضارة الصفوية وإيمانها وعبقرية معمارييها.