الهندسه المعمارية

نائين: نموذج مصغّر لعمارة الصحراء؛ مدينة التاريخ البكر

ما يميّز نائين عن سائر المدن التاريخية في إيران ليس عظمة مبانيها وفخامتها، بقدر ما هو أصالتها واحتفاظها بملامحها الأولى من دون أن تطالها يد التغيير. ففي نائين، وعلى خلاف كثير من المدن التاريخية التي غابت أحياؤها القديمة وسط الزحف العمراني الحديث، لا يزال بإمكان الزائر أن يعيش تجربة مدينة صحراوية تقليدية بكل تفاصيلها ومكوّناتها، وكأن الزمن قد توقّف عند عتباتها.

 

 

على أطراف الصحراء المركزية في إيران، وفي منتصف الطريق التاريخي القديم بين يزد وأصفهان، تقع مدينة صغيرة هادئة، قد تبدو مغمورة مقارنةً بغيرها من المدن الإيرانية، لكنها تخفي في أحضانها كنزًا فريدًا من العمارة الإيرانية القديمة. إنها نائين، هذه المدينة الصحراوية الهادئة التي حافظت على أصالتها وملامحها الأولى، وتُعدّ واحدة من أقدم المستوطنات وأكثرها أصالةً في الهضبة الوسطى الإيرانية، إذ نجحت في الحفاظ حتى يومنا هذا على نسيجها التاريخي، وتقاليدها المعمارية، ونمط حياتها التقليدي.

ويمكن وصف نائين بأنّها «نموذج مصغّر لعمارة الصحراء» أو «مدينة التاريخ البكر»؛ ففيها تتكامل جميع العناصر المميّزة للعمارة الصحراوية الإيرانية، من المسجد العريق، وقلعة نارين القديمة، والبيوت التاريخية ذات الأفنية المركزية، وخزانات المياه ذات القباب، والسوق التقليدية، إلى الممرات الجوفية المؤدية إلى مياه القنوات، في تناغم كامل يرسم صورة متكاملة لنظام حياة صحراوي متكامل.

إن قصة نائين، التي تعود جذورها إلى عصور ما قبل الإسلام، بل وحتى إلى العصر الأخميني، هي قصة الاستمرارية والصمود. فعلى امتداد التاريخ، تمتعت المدينة بأهمية استراتيجية وتجارية، بفضل موقعها على طريق الحرير وعلى الطريق الرئيسي الذي يربط يزد بأصفهان. وفي العصر الإسلامي، تحولت نائين إلى أحد المراكز الثقافية والعلمية المهمة، وخرج منها عدد من العلماء البارزين.

غير أن ما يميّز نائين عن سائر المدن التاريخية في إيران ليس عظمة مبانيها وفخامتها، بقدر ما هو أصالتها واحتفاظها بملامحها الأولى من دون أن تطالها يد التغيير. ففي نائين، وعلى خلاف كثير من المدن التاريخية التي غابت أحياؤها القديمة وسط الزحف العمراني الحديث، لا يزال بإمكان الزائر أن يعيش تجربة مدينة صحراوية تقليدية بكل تفاصيلها ومكوّناتها.

يُعدّ مسجد نائين الجامع، هذه الجوهرة المتلألئة وأهم معالم المدينة التاريخية، واحدًا من أقدم مساجد إيران، ومن روائع العمارة في العصرين البويهي والسلجوقي. وقد شُيّد المسجد في القرنين الثالث والرابع للهجرة، وهو، خلافًا للمساجد ذات الإيوانات الأربعة التي ظهرت في العصور اللاحقة، يتكوّن من رواق ذي أعمدة، يستحضر في تصميمه روح المساجد الإسلامية الأولى.

لكن ما يجعل مسجد نائين الجامع تحفةً فنية استثنائية هو محرابه المزخرف بالجص. فهذا المحراب، الذي يعود إلى القرن الرابع الهجري، تزيّنه زخارف جصية عميقة ودقيقة، ونقوش أرابيسك متشابكة، وكتابات بالخطين الكوفي والثلث، إلى جانب مجموعة متنوعة من الأشكال الهندسية. وقد نُفّذت زخارف المحراب بعمق وكثافة فنيّة بالغة، حتى تبدو وكأنها شبكة من الضوء والظل قد نُسجت على الجدار. ويُعدّ هذا المحراب واحدًا من أفضل النماذج وأكثرها حفاظًا على ملامح فن الجص في العصر البويهي في إيران، وهو وحده كفيل بأن يمنح نائين مكانةً عالمية.

أما مئذنة مسجد نائين الجامع، فهي بدورها من أبرز عناصر هذا الصرح. وقد أُضيفت هذه المئذنة المبنية من الآجر إلى المسجد في العصر السلجوقي، ويبلغ ارتفاعها نحو 28 مترًا، فتعلو سماء المدينة مزدانةً بالزخارف الآجرية والكتابات الكوفية. ويوفّر رواق المسجد، بأعمدته الضخمة وقبابه المقوّسة، فضاءً باردًا وهادئًا للعبادة في قلب الصحراء. كما يضم المسجد «بايابًا»، أي ممرًا يتيح الوصول إلى مياه القناة الجوفية، وكان المصلّون يستخدمونه للوضوء.

وتأتي قلعة نارين، أو «كهن‌دژ» نائين، بوصفها العنصر البارز الثاني في هذه المدينة. وتقوم هذه القلعة القديمة فوق تل يشرف على المدينة، وتُعدّ من أقدم نماذج العمارة الدفاعية في إيران. ويُرجّح أن يعود تاريخها إلى عصور ما قبل الإسلام، وربما إلى العصر الفرثي. وقد شكّلت القلعة، بجدرانها الطينية العالية، وأبراج المراقبة، وممراتها وفضاءاتها الداخلية المعقّدة، قاعدةً عسكرية وملاذًا آمنًا لسكان المدينة في مواجهة هجمات الأعداء. وعلى الرغم من أن أجزاءً كبيرة من قلعة نارين قد انهارت اليوم، فإن ما تبقى منها لا يزال يروي بوضوح عن هيبة الماضي وعظمته.

أما بيت بيرنيا، الذي أصبح اليوم متحفًا للأنثروبولوجيا والحياة الشعبية في الصحراء، فهو ثالث جواهر العمارة في نائين. وقد شُيّد هذا البيت في العصر الصفوي، ويمثّل نموذجًا بديعًا للعمارة السكنية الصحراوية. فبفناء مركزي، وحوض للمياه، وأحواض خضراء، وأروقة ذات أعمدة، وقاعات فخمة، نجح بيت بيرنيا في خلق فضاء لطيف وبارد وسط الصحراء.

لكن أكثر أجزاء هذا البيت إثارةً للدهشة هو السرداب أو القبو الموجود في أسفله، الذي كان بفضل قبواته الآجرية، وجدرانه السميكة، وحوض المياه فيه، ملاذًا باردًا يقي السكان من حرارة أيام الصيف. ويضم البيت اليوم متحفًا للأنثروبولوجيا، تُعرض فيه مقتنيات من الحياة التقليدية لسكان الصحراء، إلى جانب الأدوات والمعدات الزراعية، والأزياء المحلية، والحرف اليدوية التي تشتهر بها نائين.

وتُعدّ خزانات المياه في نائين من عجائب العمارة الأخرى في هذه المدينة. فخزانات كلوان، ومصلى، ونو، بقبابها الطينية وملاقفها الهوائية المرتفعة، تمثّل نماذج لنظام ذكي لتخزين المياه وتبريدها في البيئة الصحراوية. وقد بُنيت هذه الخزانات على امتداد مسارات القنوات المائية في المدينة، وكانت تحافظ على المياه باردة وعذبة لأشهر طويلة، وتتيحها لسكان المدينة عند الحاجة.

كما تُعدّ نائين موطنًا لفنَّي «الزيلوبافي» و«الموج‌بافي». والزيلو نوع من البسط التقليدية المصنوعة من خيوط القطن، وتتميّز بزخارفها الهندسية وألوانها البسيطة، وهي من أقدم الحرف اليدوية في إيران. ويضم مسجد نائين الجامع زيلو نفيسًا وتاريخيًا يعود تاريخه إلى العصر الصفوي.

أما سوق نائين التقليدية، بأقواسها الآجرية، وحوانيتها الصغيرة، وممراتها الضيقة، فقد وفّرت فضاءً حميميًا وهادئًا للتجارة وتبادل الأحاديث. وعلى خلاف الأسواق الكبيرة والصاخبة في المدن الأخرى، يتميّز هذا السوق بأجوائه الهادئة البعيدة عن الضجيج، حيث يستطيع الزائر أن يتذوق شيئًا من الطابع الحقيقي للحياة في مدينة صحراوية.

وبالنسبة إلى المعماريين ومخططي المدن المعاصرين، تمثّل نائين درسًا عمليًا في «الأصالة والاستمرارية»، و«الانسجام الكامل مع المناخ»، و«الحفاظ على وحدة النسيج التاريخي». فهي تُظهر كيف يمكن، في قلب الصحراء، ومن خلال استخدام المواد المحلية، والمعرفة المتوارثة، واحترام الطبيعة، إنشاء نظام حياة إنساني متكامل ومستدام، قادر على الاستمرار قرونًا طويلة.