الهندسه المعمارية

بيت الحريري في تبريز: فنّ الرسم الجداري في بيتٍ قاجاريّ

يُمثّل بيت الحريري نموذجًا متكاملًا للبيت القاجاري، بما يجسّده من «تكامل بين الفن والعمارة»، و**«انفتاح ثقافي وتقبّل للتأثيرات الحضارية في التصميم»**، فضلًا عن «أهمية الرسم الجداري بوصفه وسيلة سردية داخل الفضاء السكني». ويكشف هذا البيت كيف يمكن للمبنى السكني أن يتحول إلى «راوٍ وحكّاء»، ينقش على جدرانه قصص عصره ومعتقداته وأحلامه وتفاعلاته الثقافية. وهكذا يغدو بيت الحريري، بفضل جدارياته المتنوعة والمدهشة، رمزًا لروح تبريز المنفتحة والفضولية والمتسامحة في المرحلة التي كانت فيها المدينة تقف على أعتاب الحداثة.

في النسيج التاريخي لمدينة تبريز، وفي زقاق ضيق وهادئ خلف السوق الكبير وبجوار المسجد الأزرق، يقع بيت يُعدّ كنزًا خفيًا وأقل شهرة من غيره من كنوز فن الرسم الجداري في العصر القاجاري. إنه بيت الحريري، الذي شُيّد في أواخر العصر القاجاري، نحو عام 1290 هـ.ش، على يد أحد تجار تبريز الأثرياء والمرهفي الذوق، الحاج محمد تقي الحريري. ويبدو البيت في ظاهره شبيهًا بالعديد من البيوت القاجارية في تبريز، بما يضمّه من فناء مركزي، وأواوين ذات أعمدة، ونوافذ أرسي، وزخارف جصية؛ غير أن ما يجعله فريدًا واستثنائيًا هو مجموعة الجداريات المدهشة والمتنوعة التي تغطي جدران قاعاته وغرفه وأواوينه، فتحوّله إلى ما يشبه «متحفًا للرسم القاجاري».

كانت تبريز في العصر القاجاري، بوصفها مقرًا لولي العهد وبوابةً لدخول مظاهر الحداثة إلى إيران، تتمتع بمكانة خاصة. فقد كانت المدينة تقع على طرق الاتصال بين إيران وروسيا والدولة العثمانية وأوروبا، ولذلك تعرّفت في وقت مبكر، مقارنةً بمدن إيرانية أخرى، إلى الأفكار والسلع والفنون الغربية. وقد انعكس هذا التفاعل والتبادل الثقافي بوضوح في عمارتها وفنونها الزخرفية. ويمثل بيت الحريري نموذجًا بارزًا لهذا «الانفتاح الثقافي العالمي»، وللتفاعل بين التقاليد الإيرانية والتأثيرات الأوروبية. وكان الحاج محمد تقي الحريري، وهو من التجار المعروفين الذين جابوا مدنًا مختلفة، قد استلهم مما شاهده خلال رحلاته إلى إسطنبول وتفليس وموسكو، فطلب من الفنانين والرسامين المحليين أن يحوّلوا بيته إلى لوحة فنية كبرى يروي من خلالها القصص والأساطير والأحلام التي شغلت مخيلته.

وتتميز جداريات بيت الحريري، بخلاف كثير من الرسوم الشائعة في العصر القاجاري التي كانت تقتصر غالبًا على الزهور والطيور ومجالس الطرب والصيد والمناظر الطبيعية، بتنوع واسع ومفاجئ في موضوعاتها. ففي هذا البيت يمكن للزائر أن يشاهد في الوقت نفسه مشاهد من الملاحم البطولية في الشاهنامة للفردوسي، ومشاهد من الكتاب المقدس وحياة السيدة مريم والمسيح، ومناظر أوروبية تتوسطها الكنائس والجسور الحجرية، إلى جانب صور لشخصيات دينية شيعية ومشاهد للرقص والموسيقى ومجالس الطرب. ويكشف هذا التنوع في الموضوعات عن روح منفتحة وفضولية ومنفتحة على العالم لدى صاحب البيت والفنانين الذين أسهموا في تزيينه.

وفي إحدى الغرف الرئيسية، رُسمت مشاهد من قصص الشاهنامة بألوان زاهية وحيوية. فقد صُوّرت معركة رستم وسهراب، ومعركة رستم مع الديو الأبيض، ومشاهد من بلاطي كيخسرو وكيكاووس، مع عناية كبيرة بتفاصيل الملابس والأسلحة والوجوه. وفي غرفة أخرى، تظهر لوحة لمشهد صيد ملكي، تضم خيولًا أصيلة وكلاب صيد وصيادين يرتدون الأزياء القاجارية. أما في أحد الممرات الضيقة، فقد رُسمت مناظر لقرى وكنائس أوروبية ذات أبراج مدببة وجسور حجرية، ويُرجّح أنها استُلهمت من بطاقات بريدية وصور مطبوعة كانت تصل إلى تبريز من أوروبا في ذلك العصر.

ولعل أكثر جداريات بيت الحريري جرأة وإثارة للدهشة هي المشاهد ذات الموضوعات المسيحية. ففي إحدى القاعات تظهر صورة للسيدة مريم والطفل عيسى، وفي زاوية أخرى مشهد العشاء الأخير مع الحواريين. وتجاور هذه الرسوم صورًا ذات موضوعات دينية شيعية، مثل واقعة كربلاء وصور الأئمة. ويكشف هذا التعايش البصري اللافت عن حضور مشترك لرموز دينية وثقافية متعددة داخل بيت خاص، كما يعكس جانبًا من الانفتاح والتنوع الثقافي الذي ميّز تبريز في العصر القاجاري، وهي المدينة التي عاش فيها المسلمون والمسيحيون والأرمن واليهود وتعايشوا ومارسوا التجارة جنبًا إلى جنب لقرون طويلة.

وتُعد أواوين بيت الحريري، بأعمدتها الطويلة والرشيقة وتيجانها المزخرفة بالجص، نموذجًا للتفاعل بين العمارة الإيرانية والتأثيرات الروسية والقوقازية التي كانت شائعة في تبريز خلال العصر القاجاري. وقد زُينت هذه الأواوين بزخارف جصية عميقة وغنية، وجداريات تتناول موضوعات الزهور والطيور والزخارف النباتية، إلى جانب أعمال صغيرة من المرايا. وكانت توفر فضاءً شبه مفتوح ومظللًا ومريحًا للجلوس والاستراحة والاستمتاع بنسيم الفناء خلال أمسيات الصيف. كما زُينت الأعمدة بزخارف حلزونية وأخاديد رأسية، بينما غُطيت تيجانها بزخارف جصية نباتية وإسليمية.

أما الفناء المركزي لبيت الحريري، فعلى خلاف الأفنية الواسعة والفخمة في بيوت كاشان، يتميز بمقياس أكثر حميمية ودفئًا. ويتوسطه حوض مستطيل ذو مياه صافية، تحيط به أحواض زراعية تضم أشجار الفاكهة والشمعداني والياسمين وشجيرات الشمشاد، فتشكّل معًا فضاءً أخضر لطيفًا. ويبدو هذا الفناء أقرب إلى «فضاء عائلي» دافئ وحميم منه إلى ساحة رسمية مخصصة للمراسم والاستقبالات. كما تتناغم أعمال الآجر البسيطة والدقيقة في جدران الفناء مع الجداريات المنتشرة في بعض أجزائه، لتشكّل مشهدًا بصريًا متوازنًا وجذابًا.

وتقع القاعة الرئيسية، أو الشاه‌نشين، في الجهة الشمالية من الفناء، وتتميز بنوافذ أرسي كبيرة وعالية ذات زجاج ملون، تسمح بدخول ضوء ناعم ومتعدد الألوان. وزُين سقف القاعة بزخارف جصية عميقة وجداريات ذات نقوش نباتية وهندسية، وفي وسطه فتحة علوية للإنارة تُعرف باسم «كلاه فرنگي». أما جدران القاعة، فقد غُطيت بدورها بمجموعة متنوعة من الجداريات والزخارف الجصية الدقيقة.

وفي الوقت الحاضر، وبعد أعمال ترميم دقيقة، يُستخدم بيت الحريري متحفًا ومعرضًا فنيًا يستقبل السياح والمهتمين بالفن والعمارة. ويمكن للزوار أن يكتشفوا عن قرب هذا الكنز الخفي من فن الرسم الجداري القاجاري، وأن يستمتعوا بالتفاعل المدهش بين الفن الإيراني والتأثيرات الأوروبية داخل بيت تاريخي واحد.

ويمثل بيت الحريري نموذجًا متكاملًا لـ «التكامل بين الفن والعمارة»، و**«الانفتاح الثقافي وتقبّل التأثيرات الحضارية في التصميم»، و«أهمية الرسم الجداري بوصفه وسيلة سردية داخل الفضاء السكني»**. فهو يبرهن على أن المبنى السكني يمكن أن يتحول إلى «راوٍ وحكّاء»، ينقش على جدرانه قصص عصره ومعتقداته وأحلامه وتفاعلاته الثقافية. وهكذا يغدو بيت الحريري، بجدارياته المتنوعة والمدهشة، رمزًا لروح تبريز المنفتحة والفضولية والمتسامحة في المرحلة التي كانت فيها المدينة تقف على أعتاب الحداثة.