الهندسه المعمارية

حديقة فين في كاشان: النموذج الأصيل للحديقة الإيرانية؛ حيث يلتقي الماء بالهندسة والتاريخ

تُعدّ حديقة فين في كاشان، هذه الحديقة العريقة التي تمثّل أقدم نماذج الحدائق الإيرانية وإحدى مواقع التراث العالمي لليونسكو، أكثر من مجرد حديقة؛ فهي «النموذج الأصلي للحديقة الإيرانية»، ونموذج متكامل ونقيّ ومحافظ على أصالته لما أطلق عليه الإيرانيون منذ عصور بعيدة اسم «الفردوس» أو «الجنّة الأرضية».

 

 

على الأطراف الجنوبية لمدينة كاشان، عند سفوح الجبال الجافة والصخرية، حيث تبدأ الصحراء في الظهور شيئًا فشيئًا، وتسطع الشمس بلا رحمة على التراب، تقع حديقة تبدو كأنها معجزة خضراء غنّاء، تلامس العين والروح بجمالها. حديقة فين في كاشان، هذه الحديقة العريقة التي تمثّل أقدم نماذج الحدائق الإيرانية وإحدى مواقع التراث العالمي لليونسكو، ليست مجرد حديقة، بل هي «النموذج الأصلي للحديقة الإيرانية»؛ نموذج كامل ونقيّ ومحافظ على أصالته لما أطلق عليه الإيرانيون منذ عصور بعيدة اسم «الفردوس» أو «الجنّة الأرضية». ويمكن وصف حديقة فين بأنّها «التقاء الماء والهندسة والتاريخ»؛ ففيها يرقص الماء بخفة وأناقة في الجداول والنوافير، وتمنح العمارة الروح سكينةً بما تتميز به من انتظام وتناظر هندسي، فيما يهمس التاريخ، بطبقاته الخفية المنتشرة في أرجاء الحديقة، بحكايات هذه الأرض الحلوة والمرة.

تعود جذور حديقة فين إلى ما قبل الإسلام. وتنسب بعض المصادر تأسيس الحديقة إلى العصر الساساني، بل وحتى إلى العصر الأخميني، وترى أنّ معبدًا للنار كان قائمًا في هذا الموقع في العصور القديمة. غير أنّ ما نراه اليوم من حديقة فين يعود في معظمه إلى العصرين الصفوي والقاجاري. ففي عهد الشاه عباس الأول الصفوي، تحولت حديقة فين إلى أحد المتنزّهات الملكية، وتوسّعت مبانيها وجداولها وأحواضها المائية. وكان الشاه عباس، الذي أولى كاشان وحدائقها اهتمامًا كبيرًا، قد أمر بإعادة بناء حديقة فين وتزيينها لتكون منتجعًا واستراحةً للملوك الصفويين. ثم حظيت الحديقة باهتمام متجدد في عهد كريم خان زند، ولا سيما خلال العصر القاجاري، حيث شُيّدت فيها مبانٍ مثل «شترگلو» فتح علي شاه، إلى جانب حمّاماتها الشهيرة. وعلى امتداد تاريخها، شهدت حديقة فين أحداثًا مهمة، تراوحت بين الاحتفالات الملكية الباذخة ومآدب البلاط الفاخرة، وبين المأساة المريرة المتمثلة في مقتل أمير كبير، رئيس وزراء إيران الإصلاحي، في حمّام حديقة فين في شهر دي من عام 1230 بالتقويم الشمسي الهجري، وهي الحادثة التي أصبحت محطة مفصلية في التاريخ الإيراني الحديث.

تمتد حديقة فين على مساحة تقارب 23 ألف متر مربع، وهي مستطيل كامل متناسق، تحيط به جدران عالية من الطوب الطيني. وتُعدّ هذه «العزلة عن الخارج» أحد المبادئ الأساسية للحديقة الإيرانية؛ إذ ينبغي أن تنفصل الحديقة عن العالم الخارجي، وأن تحيط بها الجدران، بحيث يُخلق في داخلها عالم آخر، عالم أخضر بارد هادئ. ويقع المدخل الرئيسي للحديقة في جهتها الشمالية، وتستقبل الزائر بوابة مهيبة تزيّنها البلاطات ذات الألوان السبعة، بزخارف الأرابيسك ورسوم الزهور والطيور. وما إن يدخل الزائر الحديقة حتى ينتقل فجأة من حرارة الصحراء القاسية وغبارها إلى فضاء بارد رطب غارق في الخضرة. وهذا الانتقال المفاجئ من «الخارج الجاف الحار» إلى «الداخل الأخضر البارد» هو تجربة صُمّمت الحديقة الإيرانية أساسًا من أجل تحقيقها.

أما القلب النابض لحديقة فين فهو «الماء». فالماء هنا ليس مجرد عنصر للزينة، بل هو «الشخصية الرئيسية» و«روح الحديقة». تدخل مياه قناة سليمانية إلى الحديقة من سفوح الجبال المحيطة، ثم تتحرك بفعل الانحدار الطبيعي للأرض، ومن دون أي مضخات أو قوة ميكانيكية، عبر الجداول المرصوفة بالأحجار والأحواض المائية. وتجري هذه الجداول، المغطاة بالبلاطات الفيروزية، بين ممرات الحديقة، وتعكس الضوء والسماء، فترسم خطوطًا لامعة وسط الخضرة. أما صوت الماء الهادئ المتواصل وهو يجري في الجداول، فيخلق أجواء روحانية باعثة على السكينة.

ويُعدّ الحوض الكبير الواقع في وسط الحديقة، والمعروف باسم «حوض جوش»، نقطة التركيز في هذا المجمع. وقد غُطّي قاع الحوض بأحجار رخامية شفافة، وزُوّد بـ160 نافورة تدفع المياه إلى الأعلى بفعل الضغط الطبيعي. وتعمل هذه النوافير بقوة الجاذبية وفارق الارتفاع، وهي تمثّل تحفة من تحف الهندسة الهيدروليكية. فقد استطاع المعماريون الصفويون، من خلال الحساب الدقيق لفارق الارتفاع بين مصدر المياه، أي القناة، ومخارج النوافير، إنشاء نوافير تعتمد على الضغط الطبيعي، فتقذف المياه إلى ارتفاع محدد. ولم تكن هذه النوافير مجرد عنصر جمالي، بل كانت أيضًا رمزًا لتمكّن الإنسان من الطبيعة وتطويعه للماء في خدمة الجمال.

ويقع «حوض جوش» تمامًا في مركز المحور الرئيسي للحديقة، وتحيط به من الجهات الأربع ممرات تصطف على جانبيها الأشجار. ويُعدّ هذا التناظر الهندسي والتنظيم الفضائي مبدأً أساسيًا آخر من مبادئ الحديقة الإيرانية؛ إذ ينبغي أن تُصمّم وفق نمط «چهارباغ»، أي «الحديقة الرباعية»، حيث تتقاطع أربعة ممرات أو جداول في مركز الحديقة، فتقسمها إلى أربعة أقسام. ويمثّل هذا النمط تجسيدًا أرضيًا لـ«الجنّة القرآنية»، حيث تجري الأنهار من تحت الأشجار.

ويقع الكشك أو المبنى الرئيسي لحديقة فين في وسط الحديقة، إلى جوار حوض جوش. ويُعرف هذا المبنى باسم «الكشك الصفوي» أو «العمارة المركزية»، وهو مبنى من طابقين، يضم إيوانات ذات أعمدة، وقاعات مزينة بالرسوم، ونوافذ أرسي ذات زجاج ملوّن. ومن إيوان هذا المبنى، يمكن للزائر أن يشرف على الحديقة بأكملها، وأن يستمتع بمشهد الماء والأشجار والسماء. أما القاعات الداخلية للمبنى، فقد زُيّنت بالرسوم الجدارية، والزخارف الجصية الدقيقة، والمقرنصات الجصية.

وفي أحد أركان الحديقة، يقع حمّامان تاريخيان: الحمّام الصغير والحمّام الكبير، أو الحمّام الملكي. وقد بُني الحمّام الكبير خلال العصر القاجاري، وزُيّن بالبلاطات ذات الألوان السبعة، والزخارف الجصية الدقيقة، وأحجار الرخام. وكان هذا الحمّام مسرحًا لإحدى أكثر الأحداث مأساوية في التاريخ الإيراني الحديث، وهي مقتل ميرزا تقي خان أمير كبير. ولا يزال بإمكان الزوار اليوم زيارة هذا الحمّام والتعرّف إلى المكان الذي شهد تلك الحادثة التاريخية.

وتنشر أشجار السرو والصنوبر العتيقة، الممتدة على جانبي ممرات الحديقة، ظلالًا باردة ودائمة. ويبلغ عمر بعض هذه الأشجار مئات السنين، وقد شهدت أحداثًا تاريخية لا تُحصى. كما تنتشر في الأجواء روائح أزهار الياسمين والورد المزروعة في أحواض الحديقة، لتكتمل بذلك تجربة التجوّل في هذا الفردوس الأخضر.

وتقدّم هذه الحديقة دروسًا ثرية في «الهندسة الهيدروليكية وإدارة المياه»، و«تصميم المناظر الطبيعية ونظام زراعة النباتات»، و«التناظر والهندسة الفضائية»، و«خلق مناخ محلي في المناطق الحارة والجافة»، و«دمج العمارة والماء والنبات». وتظل حديقة فين، هذا النموذج الأصلي للحديقة الإيرانية، بجداولها الفيروزية ونوافيرها الراقصة، تروي لنا، في همس الماء وحفيف الأشجار، حكاية «الفردوس الأرضي» في المخيال الإيراني.