على أطراف مدينة كرمان التاريخية، وبين البساتين وبساتين النخيل في الضواحي الشرقية، تقوم منشأة تبدو للوهلة الأولى كأنها قبة ضخمة وغامضة خرجت من حكايات قديمة. إنها ثلّاجة مؤيّدي، إحدى أكبر الثلّاجات التقليدية في إيران وأكثرها سلامة وفخامة، وقد بُنيت في العصر الصفوي، ولا تزال حتى اليوم شامخة بجسمها الطيني المتين، تروي في قلب الصحراء قصة نبوغ أسلافنا وإبداعهم ومعرفتهم. وكانت ثلّاجة مؤيّدي، في الماضي القريب، توفّر الجليد الذي يحتاج إليه سكان كرمان خلال أشد أشهر السنة حرارة، أما اليوم فقد سُجّلت بوصفها أثراً وطنياً، وتُعدّ واحدة من أكثر المعالم التاريخية إثارة للدهشة والجاذبية في هذه المدينة.
ولفهم عظمة ثلّاجة مؤيّدي وروعتها، ينبغي أولاً أن نتخيّل كيف كان سكان مدينة مثل كرمان، ذات الصيف الحار والشاق، يحصلون على الجليد في الماضي غير البعيد، قبل اختراع الكهرباء والثلاجات الكهربائية. تكمن الإجابة عن هذا السؤال في القبة الطينية الضخمة لثلّاجة مؤيّدي. وقد شُيّدت هذه المنشأة في أواخر العصر الصفوي بأمر من أحد حكام كرمان ومحسنيها، ويدعى الحاج محمد تقي مؤيّدي، وكانت جزءاً من مجمّع كبير ذي منفعة عامة يضم صهريجاً للمياه وخاناً وثلاجة، واشتهر باسم «مجموعة مؤيّدي».
تتكوّن ثلّاجة مؤيّدي من ثلاثة أقسام رئيسية: أحواض تجميد الجليد، وجدار التظليل، والمخزن أو حفرة الجليد. وكانت أحواض تجميد الجليد عبارة عن برك ضحلة وطويلة تقع إلى الشمال من جدار التظليل. وكانت هذه الأحواض، التي يبلغ عمقها نحو 30 إلى 40 سنتيمتراً، تُملأ بالماء خلال ليالي شتاء كرمان الباردة والصافية، فيتجمّد الماء فيها حتى صباح اليوم التالي. وكان ضحالة الأحواض مفتاح هذه العملية؛ فكلما كان عمق الماء أقل، تجمّد بصورة أسرع وأكثر تجانساً.
أما جدار التظليل، فهو القسم الثاني من هذا المجمّع. وقد بُني هذا الجدار في الجهة الجنوبية من أحواض تجميد الجليد، وهو جدار مرتفع وطويل وسميك، يبلغ ارتفاعه نحو 12 متراً، فيما يزيد طوله على 30 متراً. وكانت وظيفته الأساسية إلقاء الظل على أحواض تجميد الجليد خلال النهار. وبما أن الأحواض كانت تقع في الجهة الشمالية من الجدار، فإن شمس الشتاء، التي تتحرك في السماء بارتفاع منخفض، لم تكن تسطع مباشرة على سطح الأحواض، وكان ظل الجدار يحول دون ذوبان الجليد المتكوّن خلال النهار. كما كان هذا الجدار يؤدي دور مصدّ للرياح، إذ كان يقلّل من سرعة الرياح فوق الأحواض، مما يساعد على تجمّد الماء بصورة أسرع.
لكن التحفة الحقيقية في هذا المجمّع هي المخزن أو حفرة الجليد؛ وهي قبة ضخمة مخروطية الشكل وشاهقة الارتفاع، مبنية من اللَّبِن والطين، يبلغ ارتفاعها نحو 18 متراً، فيما يصل قطر قاعدتها إلى نحو 14 متراً. وكانت هذه القبة، التي تُعدّ واحدة من أكبر القباب الطينية في إيران، تحافظ على الجليد المنتج في أحواض تجميد الجليد سليماً وصلباً لأشهر طويلة، من الشتاء وحتى نهاية الصيف. ويكمن سر هذه القدرة المدهشة على حفظ الجليد في التصميم الذكي للمخزن.
أولاً، كانت جدران القبة السميكة، التي يزيد سمكها في الجزء السفلي على مترين ثم تتناقص تدريجياً في الأعلى، تعمل كعازل حراري بالغ القوة. وكان اللَّبِن والطين، وهما المادتان الأساسيتان في بناء هذه القبة، يتمتعان بكتلة حرارية عالية جداً؛ أي إنهما يمتصان الحرارة ببطء ويطلقانها ببطء. وكانت هذه الخاصية تحول دون نفاذ الحرارة الشديدة في الخارج إلى داخل المخزن. وثانياً، يأتي الشكل المخروطي للقبة. فهذا الشكل، إلى جانب توفير أكبر ارتفاع وحجم باستخدام أقل قدر من مواد البناء، يساعد على خروج الهواء الدافئ من أعلى القبة. فالهواء الدافئ، لكونه أخف، يتحرك إلى الأعلى ويخرج من الفتحات الموجودة في قمة القبة، بينما يُسحب الهواء الأكثر برودة إلى الداخل عبر الفتحات السفلية. وكان هذا التيار الطبيعي والمستمر للهواء يحافظ باستمرار على انخفاض درجة الحرارة داخل المخزن وعلى برودته.
وثالثاً، كان قاع مخزن ثلّاجة مؤيّدي يقع على عمق يتراوح بين 4 و5 أمتار تقريباً تحت مستوى سطح الأرض. وكان هذا العمق يستفيد من برودة الأرض الطبيعية ويساعد على خفض درجة الحرارة داخل المخزن بصورة أكبر. وبعد تكسير الجليد المنتج في أحواض تجميد الجليد، كان يُنقل إلى هذا المخزن الواقع تحت الأرض، ثم يُرصّ في طبقات متتالية. وكانت توضع بين كل طبقة وأخرى مواد مثل القش أو نشارة الخشب أو التبن، لمنع قطع الجليد من الالتصاق بعضها ببعض، ولتعمل في الوقت نفسه كطبقة عزل إضافية.
ويقع مدخل مخزن ثلّاجة مؤيّدي في جهته الشمالية، حيث يتلقى أقل قدر من أشعة الشمس. ويؤدي هذا المدخل إلى قاع المخزن عبر ممر منحدر وطويل نسبياً. وكان هذا الممر بحد ذاته تدبيراً ذكياً؛ إذ كان الهواء الساخن في الخارج يبرد قبل وصوله إلى مخزن الجليد، وبذلك كان يُمنع دخول الهواء الساخن بصورة مفاجئة إلى داخل المخزن.
ولم تكن ثلّاجة مؤيّدي مجرد منشأة وظيفية بحتة، بل كانت أيضاً عنصراً بارزاً ورمزياً في المشهد الحضري لمدينة كرمان. فقبتها المخروطية الضخمة، التي كانت تُرى من مسافات بعيدة في أفق الصحراء، كانت تمثل علامة على حضور الحضارة والمعرفة وقدرة الإنسان في قلب الطبيعة القاسية والجافة. وكانت هذه القبة الطينية، بتناسباتها المتناغمة وخطوطها البسيطة، ولكن المهيبة، تُعدّ تحفة جمالية أيضاً.
واليوم، وعلى الرغم من أن ثلّاجة مؤيّدي في كرمان لم تعد تنتج الجليد، فإنها لا تزال مسجّلة بوصفها أثراً وطنياً، وتُعدّ من المعالم السياحية المهمة في كرمان، وتستقبل الزوار والمهتمين بالتاريخ والعمارة. وتقع هذه المنشأة إلى جانب الصهريج والخان التابعين لمجموعة مؤيّدي، لتقدّم معاً نموذجاً متكاملاً للعمارة التقليدية ذات المنفعة العامة في إيران.
ويمثل ثلّاجة مؤيّدي بالنسبة إلى المعماريين والمهندسين والمصممين المعاصرين درساً عملياً وملهماً في «التصميم المناخي والمستدام»، و«الاستخدام الذكي لمواد البناء المحلية»، و«الاستفادة من مبادئ الفيزياء في تحقيق الراحة الحرارية». وتُظهر هذه المنشأة كيف أمكن، من دون استخدام أي نوع من الطاقة الأحفورية أو الكهربائية، وبالاعتماد فقط على المعرفة المحلية ومواد البناء المتاحة محلياً، الاستجابة لواحدة من أكثر احتياجات الإنسان تعقيداً، وهي إنتاج البرودة والحفاظ عليها. ويظلّ ثلّاج مؤيّدي، بقُبّته الطينية الشاهقة، شاهداً صامتاً، لكنه بالغ القوة، على عبقرية العمارة الإيرانية وإبداعها واستدامتها.