في قلب سلسلة جبال زاغروس، وفي وادٍ أخضر وارِف تعبره مياه نهرٍ هادر، تقع مدينة ارتبط تاريخها بالقلاع الشامخة والجسور العتيقة والينابيع المتدفقة. إنّ خرم آباد، مركز محافظة لرستان، واحدة من أعرق مدن غرب إيران وأجملها، وقد بلغت أوج ازدهارها وعظمتها في عهد الأتابكة اللُّرّ الصغرى. ولعلّ خير وصفٍ لها هو «مدينة القلاع والجسور»، إذ تتداخل فيها العمارة الدفاعية والعسكرية مع عمارة المواصلات والمنشآت الحضرية في نسيجٍ متكامل، يروي حكاية مدهشة عن عبقرية أبناء زاغروس وقوتهم وإبداعهم.
ترتبط حكاية خرم آباد بموقعها الاستراتيجي على الطريق الذي يصل الهضبة الإيرانية الوسطى ببلاد الرافدين وخوزستان. وكانت المدينة تُعرف في العصور القديمة باسم «خايدالو»، وشكّلت أحد المراكز المهمة لحضارة عيلام القديمة، ثم حافظت على مكانتها في العهود الأخمينية والفرثية والساسانية. غير أنّ ذروة ازدهار خرم آباد تحققت بين القرنين السادس والتاسع الهجريين، في عهد الأتابكة اللُّرّ الصغرى. فقد اختار الأتابكة، الذين كانوا إحدى السلالات المحلية القوية في غرب إيران، خرم آباد عاصمةً لهم، وخلّفوا فيها منشآت معمارية مهيبة، كان أبرزها قلعة شابورخواست، المعروفة باسم «فلك الأفلاك».
تُعدّ قلعة فلك الأفلاك جوهرة خرم آباد المتلألئة ورمزها الأبرز بلا منازع، وهي واحدة من أروع القلاع التاريخية في إيران وأكثرها حفاظًا على معالمها. تنتصب هذه القلعة الضخمة فوق تلّ صخري يُشرف على المدينة ونهر خرم آباد، ويبلغ طولها 228 مترًا، فيما تبلغ المساحة المبنية فيها نحو 400 متر مربع، وتضم مجموعة من ثماني قاعات وفناءين وأبراج للمراقبة. وتعود أصول القلعة إلى العصر الساساني، لكنها شهدت توسعات وترميمات في عهد الأتابكة اللُّرّ، ثم في العصرين الصفوي والقاجاري.
شُيّدت جدران القلعة العالية والسميكة من الحجر وملاط الساروج، فيما تتيح أبراجها الدائرية رؤية واسعة للمدينة والوادي المحيط بها. ولا تكمن عبقرية فلك الأفلاك في ضخامة بنائها ومتانته فحسب، بل في ذكاء تصميمها أيضًا؛ إذ كانت تضم نظامًا متطورًا لإمدادات المياه، ينقل مياه الينابيع المحيطة إلى داخل القلعة، ما أتاح لسكانها الصمود أشهرًا طويلة في أوقات الحصار. وقد تحولت فلك الأفلاك اليوم إلى متحف للأنثروبولوجيا الشعبية في لرستان ومتحف للآثار، وتحتضن مجموعة من القطع الأثرية النفيسة التي تعود إلى العصور العيلامية والأخمينية والساسانية والإسلامية.
لكن خرم آباد ليست مدينة القلاع وحدها، بل هي أيضًا مدينة «الجسور». ويُعدّ جسر گَپ، المعروف كذلك باسم جسر شابوري، إحدى روائع الهندسة والعمارة في إيران، وقد شُيّد فوق نهر خرم آباد. وتعود أصول هذا الجسر إلى العصر الساساني، وربما إلى ما قبله، إذ يضم 28 فتحة، ويبلغ طوله نحو 330 مترًا، ما يجعله من أطول الجسور التاريخية في إيران. وقد بُنيت دعاماته الحجرية الضخمة باستخدام ملاط الساروج، فيما تساعد الدعامات المثلثة على تخفيف ضغط السيول الجارفة للنهر.
خضع جسر گَپ للترميم مرات عديدة على امتداد القرون، لكن بنيته الأساسية لا تزال صامدة وثابتة. وهو ليس مجرد ممرّ للعبور، بل رمز لاستمرار الحياة والحضارة في هذه المنطقة. وبالقرب منه يقع الجسر المكسور، المعروف باسم جسر شابوري الثاني، الذي تحكي أطلاله ما تبقّى من عظمة الماضي.
أما مئذنة خرم آباد الآجرية، فهي من المعالم البارزة الأخرى في المدينة، ومن آثارها التي تحيط بها أجواء من الغموض. تقع المئذنة بالقرب من قلعة فلك الأفلاك، ضمن النسيج العمراني القديم للمدينة، ويبلغ ارتفاعها نحو 30 مترًا، وتتخذ شكلًا أسطوانيًا. ويُرجَّح أنها تعود إلى عهد البويهيين أو السلاجقة. وقد زُيّنت بنقوش آجرية وكتابات بالخط الكوفي، وربما كانت جزءًا من مسجد أو مجمّع ديني لم يبقَ منه شيء اليوم. وتنهض هذه المئذنة شامخة فوق المدينة، شاهدةً على حضور الإسلام في المنطقة واستمرار الحياة الحضارية في خرم آباد.
وتُعدّ النقوش الصخرية في خرم آباد من المعالم التاريخية الأخرى التي تستحق الاهتمام. فقد نُقش على صخرة بالقرب من قلعة فلك الأفلاك نصٌّ بالخط الكوفي يعود إلى العصر السلجوقي، ويتناول الأحكام والقوانين المتعلقة بالضرائب في تلك الحقبة. وتمثّل هذه النقوش وثيقة قيّمة لفهم التاريخ القانوني والاجتماعي لإيران في القرن السادس الهجري.
ولا يزال النسيج التاريخي لخرم آباد يحتفظ بنبض الحياة، بما يضمه من أزقة ضيقة ومتعرجة، وبيوت مبنية من الحجر واللبِن، وسوق تقليدية عريقة. ويشكّل السوق التقليدي للمدينة، بأقواسه الآجرية ودكاكينه الصغيرة وممراته التجارية المتعددة، فضاءً للتجارة والتواصل وتبادل الأحاديث بين الناس. وتُعرض فيه منتجات الحرف اليدوية في لرستان، مثل المصنوعات النحاسية والبرونزية، والسجاد الصغير الذي ينسجه البدو الرحّل، فضلًا عن المنتجات المحلية.
وخرم آباد أيضًا مدينة «الينابيع» و«الشلالات». فنبع گلستان، ونبع گرداب، والشلالات المتعددة المنتشرة في محيطها، جعلت منها إحدى الوجهات الرئيسية للسياحة الطبيعية في إيران. وتنبع هذه المياه من أعماق جبال زاغروس، وتشكّل مصدرًا أساسيًا لتزويد المدينة والحدائق المحيطة بها بالمياه.
تجسّد عمارة خرم آباد مزيجًا من التقاليد المحلية لجبال زاغروس، وتأثيرات العصور التاريخية المتعاقبة، والتوظيف الذكي للمواد المحلية، مثل الحجر والآجر. وتُظهر هذه المدينة كيف استطاع مركز حضاري أن يبدع، في قلب جبال زاغروس الوعرة، وبالاعتماد على المعرفة المحلية ومواد البناء المتاحة، آثارًا صمدت قرونًا في وجه قسوة الطبيعة وتقلبات التاريخ.
وتقدّم خرم آباد للمعماريين ومخططي المدن المعاصرين دروسًا قيّمة في مجالات العمارة الدفاعية والعسكرية، وتصميم الجسور المتينة القادرة على مقاومة السيول، واستخدام المواد المحلية كالحجر، وتحقيق الانسجام مع البيئة الجبلية. وتُبيّن المدينة كيف يمكن، من خلال الفهم العميق للجغرافيا والمناخ، تشييد آثار خالدة ومهيبة في قلب زاغروس. ولا تزال خرم آباد، مدينة القلاع والجسور، تهمس في ظلال قلعة فلك الأفلاك وفوق جسورها العتيقة، بحكايات المجد والقوة والصمود التي تجسّد عراقة الحضارة في لرستان.