الهندسه المعمارية

بيت البروجردي: التناظر والضوء والحب

وتُذكّرنا القصة العاطفية وراء بناء هذا البيت بأن أعظم روائع العمارة قد لا تولد من القوة والثروة وحدهما، بل قد تكون ثمرة الحب والمنافسة النبيلة والدوافع الإنسانية. ويجسّد بيت البروجردي، بكل ما يحمله من فخامة وتناظر ورهافة، حقيقة أن العمارة يمكن أن تتحول إلى تجسيد مادي للحب؛ حبّ المعشوق، وحبّ الفن، وحبّ البناء والإبداع.

 

في جوار بيت الطباطبائيين، وفي الزقاق الضيق المتواضع نفسه في حيّ السلطان أمير أحمد بمدينة كاشان، يقع بيت آخر ارتبطت قصة تشييده بأسطورة رومانسية. يُروى أن الحاج سيد حسن النطنزي، أحد تجار كاشان المعروفين والأثرياء، والذي اشتهرت أسرته لاحقًا باسم «البروجرديين»، وقع في حب ابنة الحاج سيد جعفر الطباطبائي وتقدّم لخطبتها. وكان الحاج سيد جعفر، صاحب بيت الطباطبائيين الفخم، قد اشترط عليه أن يبني بيتًا يضاهي بيته في الفخامة والعظمة والجمال، فإذا استطاع تحقيق ذلك، وافق على زواجه من ابنته. وكانت ثمرة هذا الشرط الرومانسي وهذه المنافسة المعمارية بيت البروجرديين، الذي شُيّد مرة أخرى على يد الأستاذ علي مريم الكاشاني، المعماري العبقري في العصر القاجاري، وذلك نحو عام 1280هـ. وعلى الرغم من أوجه التشابه الكثيرة بين هذا البيت وبيت جاره الشهير، فإن لبيت البروجرديين شخصيته المستقلة وخصائصه الفريدة ولمساته الجمالية الخاصة.

ويبدأ بيت البروجرديين، شأنه شأن نظيره، بـ «خدعة فضائية» ذكية ومحكمة. فمن الزقاق الضيق وشبه المعتم، يدخل الزائر إلى دهليز صغير لا يكشف عن أي مظهر من مظاهر الفخامة الداخلية. ويتميز هذا الدهليز بسقف مزين بالمقرنصات وفتحة إنارة مركزية، ويشكّل فضاءً للتوقف والانتقال والعزلة عن صخب الخارج. وبعد عبور ممر متعرج وطويل نسبيًا، يقود الزائر بزاوية لطيفة نحو الفناء، يجد نفسه فجأة في قلب فناء مركزي واسع ومضيء وفخم. وهذا الانتقال المفاجئ من «الظلام والانغلاق» إلى «النور والانفتاح» هو التجربة المبهرة نفسها التي نجدها في بيت الطباطبائيين، غير أن الفناء هنا يستقبل الزائر بتماثل أكثر وضوحًا ونظام هندسي أكثر دقة.

وعلى خلاف الفناء الطويل والممتد في بيت الطباطبائيين، يقترب فناء بيت البروجرديين من شكل مستطيل كامل ومتناسق، وقد روعي فيه «التماثل المحوري» بدرجة أكبر من الدقة والعناية. ويقع الحوض الكبير المستطيل في مركز الفناء تمامًا، بينما يمتد المحور الرئيسي للمبنى من المدخل إلى قاعة الاستقبال الفخمة في تناظر وتوازن كاملين. ويمنح هذا التماثل المحسوب المكان إحساسًا بالنظام والسكينة والوقار والتوازن البصري، في مشهد فريد من نوعه. وكان الفناء، بما يضمه من أحواض نباتية خضراء متناظرة وأشجار مثمرة وأزهار موسمية وشجيرات الآس، بمثابة «جنة خاصة» محاطة بالخصوصية لأسرة البروجرديين. وعلى جانبي الفناء، تنتصب أروقة ذات أعمدة وأقواس مدببة وزخارف آجُرّية، وفرت فضاءً شبه مفتوح ومظللًا ومريحًا للجلوس والحوار والاستمتاع بنسمات أمسيات الصحراء الباردة.

أما ذروة الفخامة والبراعة الفنية في بيت البروجرديين فتتمثل في قاعة طنبي، أو قاعة الاستقبال الرئيسية، الواقعة في الجهة الشمالية. وتُعد هذه القاعة من أفخم قاعات العصر القاجاري وأكثرها تناظرًا وإشراقًا في إيران. فهي تتميز بسقف مرتفع من طابقين، ونوافذ أرسي كبيرة ومبهرة، وجدران مكسوة بالجص العميق والبارز، والرسوم الجدارية الملونة، والزخارف المرآتية الدقيقة والمتقنة، لتشكل ذروة فخامة أسرة البروجرديين وثروتها. غير أن ما يميز هذه القاعة عن قاعة بيت الطباطبائيين هو «التماثل الكامل» و**«الإضاءة الأكثر تعقيدًا»**. فنوافذ الأرسي في قاعة البروجرديين أكبر وأعلى وأكثر زخرفة من نوافذ بيت الطباطبائيين، وقد زُيّنت بزجاج ملوّن بدرجات متنوعة، منها الأحمر الياقوتي، والأصفر الذهبي، والأزرق اللازوردي، والأخضر الزمردي، والبنفسجي. وفي الصباحات المشمسة، تتسلل أشعة الضوء عبر هذه النوافذ إلى الداخل، فتخلق فضاءً أشبه بعالم سريالي ساحر وروحاني، يأسر الناظر ويأخذ بلبّه.

وزُيّن سقف القاعة بمقرنصات جصية معقدة، ورسوم جدارية لمجالس الصيد، وزخارف دقيقة للزهور والطيور، ونقوش إسلامية نباتية. وفي وسط السقف، توجد «كلاه فرنگي»، أي قبة أو فتحة إنارة مركزية، تسمح بدخول الضوء من الأعلى وتزيد من إشراق المكان وتألقه. وفي وسط القاعة أيضًا يوجد حوض حجري صغير يضاعف انعكاس الضوء والألوان ويسهم في إضفاء البرودة والنضارة على المكان. وتحيط بالقاعة من جميع الجهات مصاطب للجلوس مزينة بزخارف جصية دقيقة، كان الضيوف يجلسون عليها للاستمتاع بفخامة المكان وروعة تفاصيله.

ويضم بيت البروجرديين برجين مرتفعين للرياح، جميلين ورباعيي الاتجاهات، ينتصبان على جانبي القاعة الرئيسية وفوق سطح المبنى. وعلى خلاف أبراج الرياح البسيطة أحادية الاتجاه في بعض البيوت الصحراوية، فإن هذه الأبراج من النوع «رباعي الاتجاهات»، مما يتيح لها التقاط الرياح مهما كان اتجاه هبوبها. وكان الهواء الحار والجاف القادم من الخارج يُوجَّه عبر هذه الأبراج إلى السراديب الواقعة أسفل المنزل، ثم يمر فوق أحواض المياه، فيبرد ويصبح أكثر اعتدالًا، قبل أن يتدفق إلى القاعة والغرف. وقد شكّل هذا النظام «مكيفًا طبيعيًا» متكاملًا يعمل من دون استهلاك للطاقة، وكان قادرًا في ذروة الصيف الصحراوي على إبقاء درجة حرارة البيت أقل بنحو 15 درجة مئوية من الخارج. كما كانت السراديب الموجودة أسفل البيت، بما تضمه من أقواس آجُرّية وجدران سميكة وأحواض مياه، ملاذًا باردًا وهادئًا خلال أيام الصيف القاسية.

وتتكون زخارف بيت البروجرديين، شأنها شأن زخارف بيت الطباطبائيين، من مزيج متناغم من الجص العميق، والرسوم الجدارية، والزخارف المرآتية، والبلاطات الخزفية الدقيقة. غير أن الألوان الدافئة والأكثر ثراءً حضرت هنا بدرجة أوضح، كما نُفذت الزخارف النباتية والأشكال التي تجمع بين الزهور والطيور بمزيد من التفصيل والدقة. وقد غُطيت جدران القاعة والأروقة بزخارف جصية بارزة وعميقة، خلقت تدرجات ضوئية وظلالًا بديعة. أما الرسوم الجدارية، فتتناول موضوعات الصيد، ومجالس اللهو، والقصص الغرامية، والمناظر الطبيعية، مما أضفى على المكان أجواءً نابضة بالحياة وغنية بالألوان. كما تعكس الزخارف المرآتية، بأشكالها وأحجامها المختلفة، الضوء آلاف المرات، فتزيد المكان تألقًا وفخامة.

ويمثل بيت البروجرديين، إلى جانب بيت الطباطبائيين، «توأمًا معماريًا» يبرهن على قدرة معماري عبقري على توظيف المبادئ والمواد والتقنيات ذاتها لابتكار فضاءين مختلفين يتمتع كل منهما بشخصية مستقلة. فإذا كان بيت الطباطبائيين، بفنائه الطويل والممتد، يوحي بالإبهار والاتساع، فإن بيت البروجرديين، بفنائه المتناظر وشبه المربع، يعرض إحساسًا بالنظام والسكينة والكمال الهندسي.

ويقدم هذا البيت للمعماريين اليوم دروسًا قيّمة في «التماثل والتوازن»، و**«الإضاءة الطبيعية المدروسة والمضبوطة»، و«التقنيات المناخية السلبية»**. كما تذكّرنا قصة بنائه العاطفية بأن أعظم التحف المعمارية قد لا تولد من القوة والثروة وحدهما، بل قد تكون ثمرة الحب والمنافسة الإيجابية والدوافع الإنسانية. فبيت البروجرديين، بكل ما يجسده من فخامة وتماثل ورهافة، يمثل صورة مادية للحب المتجسد في العمارة: الحب بالمحبوبة، والحب بالفن، والحب بصناعة الجمال والبناء.