في أفق طهران، وبين كثافة الأبراج والمباني الشاهقة، تنتصب بنية باسقة وفريدة، ليست فقط أعلى برج في إيران، بل سادس أعلى برج للاتصالات في العالم، وأحد رموز طهران الحديثة. وبرج ميلاد، بارتفاع يبلغ 435 مترًا، ليس مجرد برج للاتصالات، بل هو مجمّع ضخم ثقافي وسياحي وتجاري، يرتفع في قلب العاصمة فوق تلال كوي نصر، ويفتح أمام زواره إطلالة استثنائية على المدينة وجبال البرز والصحراء. ولعلّ الأجدر أن يُسمّى برج ميلاد «رمز طهران الحديثة»؛ فهو منشأة امتزجت فيها الهندسة المتقدمة، والعمارة الإيرانية-الإسلامية، وأحدث تقنيات العالم، على نحو صاغ هوية جديدة لعاصمة إيران في القرن الحادي والعشرين.
بدأت قصة برج ميلاد بحلم طموح. ففي أوائل عقد التسعينيات من القرن الرابع عشر الهجري الشمسي، برزت الحاجة إلى برج اتصالات حديث لتغطية الإشارات الإذاعية والتلفزيونية في طهران الكبرى، إلى جانب إنشاء معلم حضري للعاصمة الإيرانية. فقد أدى التوسع العمراني المتسارع وازدياد ارتفاع المباني إلى ضعف استقبال الموجات الإذاعية والتلفزيونية، وأصبحت طهران بحاجة إلى برج شاهق لتركيب هوائيات الاتصالات. ومن جهة أخرى، كانت العاصمة الإيرانية تفتقر إلى معلم حضري حديث يستطيع أن يعكس هوية طهران الجديدة على الساحة العالمية.
ولهذا، نظّمت بلدية طهران مسابقة لتصميم البرج، ودعت المهندسين والمعماريين الإيرانيين والأجانب إلى تقديم تصاميمهم. وفي النهاية، اختير تصميم المهندس محمد رضا حافظي وفريقه من المتعاونين معه. وبدأ بناء البرج عام 1376 هـ.ش، وبعد أحد عشر عامًا من العمل المتواصل ليلًا ونهارًا، دخل الخدمة أخيرًا عام 1387 هـ.ش. وقد قُدّرت التكلفة النهائية لهذا المشروع الضخم بأكثر من 400 مليار تومان.
واجه برج ميلاد، خلال مراحل بنائه، تحديات هندسية عديدة. تمثّل التحدي الأول في إنشاء الأساسات الضخمة فوق تلال كوي نصر غير المستوية. ولتثبيت البرج فوق هذه التلال، صمّم المهندسون أساسات خرسانية بعمق يقارب 20 مترًا، باستخدام تقنية الركائز العميقة التي تنقل الأحمال الهائلة للمنشأة إلى طبقات الأرض الأكثر صلابة.
أما التحدي الثاني فكان تشييد الجذع الخرساني للبرج حتى ارتفاع 315 مترًا، وقد نُفّذ ذلك باستخدام تقنية «القوالب المنزلقة»، وهي طريقة تتحرك فيها القوالب باستمرار إلى الأعلى من دون توقف، بينما تُصب الخرسانة بصورة متواصلة. وتمثّل التحدي الثالث في تركيب سارية الهوائيات البالغ ارتفاعها 120 مترًا على ارتفاع شاهق يثير الدوار، وقد نُفّذ ذلك باستخدام رافعات متخصصة وحسابات هندسية دقيقة. غير أن المهندسين الإيرانيين، بالاستفادة من أحدث المعارف العالمية وخبرات بناء الأبراج المماثلة في مختلف أنحاء العالم، تمكنوا من تجاوز جميع هذه التحديات.
ويتألف هيكل برج ميلاد من ثلاثة أجزاء رئيسية: القاعدة أو الجذع الخرساني، ومبنى الرأس أو «الرأس المخروطي»، وسارية الهوائيات. والجذع الخرساني للبرج عبارة عن منشأة ضخمة مثمنة الأضلاع، شُيّدت من الخرسانة المسلحة، وتمتد حتى ارتفاع 315 مترًا. ويشكّل هذا الجذع العمود الفقري للبرج، إذ يحمل كامل وزن مبنى الرأس وسارية الهوائيات. وإلى جانب جماله البصري، يسهم التصميم المثمن للجذع في تعزيز استقرار المنشأة أمام الرياح الشديدة والزلازل.
ويقع مبنى الرأس أو «الرأس المخروطي» للبرج على ارتفاع يتراوح بين 250 و315 مترًا، وتبلغ مساحته المبنية 12 ألف متر مربع، ما يجعله واحدًا من أكبر مباني رؤوس الأبراج في العالم. ويتألف هذا المبنى من 12 طابقًا، ويضم مجموعة متنوعة من المرافق، منها منصات للمشاهدة المفتوحة والمغلقة، ومطعم دوّار، وصالات عرض فنية، ومتحف مشاهير إيران، ومتحف هدايا بلدية طهران، إلى جانب مرافق إدارية وفنية.
ويجمع تصميم هذا المبنى بذكاء بين الأشكال الحديثة والزخارف التقليدية الإيرانية. وقد زُيّن الهيكل الزجاجي لمبنى الرأس بأنماط هندسية مستوحاة من فن «گرهچینی» الإيراني، أي الزخارف الهندسية المتشابكة، فيما تضفي عليه الإضاءة الملوّنة ليلًا منظرًا آسرًا في سماء طهران.
وتنتصب سارية هوائيات برج ميلاد، البالغ ارتفاعها 120 مترًا، فوق مبنى الرأس، وتتمثل مهمتها الرئيسية في بث الموجات الإذاعية والتلفزيونية لتغطية طهران الكبرى. وقد صُنعت هذه السارية من فولاذ عالي المقاومة، وهي مصممة لمقاومة الرياح الشديدة والزلازل، كما أن تصميمها الانسيابي يقلل إلى أدنى حد من مقاومتها لتدفق الهواء.
ومن أكثر أجزاء برج ميلاد جذبًا للزوار منصتا المشاهدة المفتوحة والمغلقة. وتقع منصة المشاهدة المفتوحة على ارتفاع 280 مترًا، حيث يستطيع الزوار، من خلف الحواجز الزجاجية، الاستمتاع بإطلالة بزاوية 360 درجة على طهران وجبال البرز وحتى الصحراء. أما منصة المشاهدة المغلقة، فتوفّر من خلال أرضياتها الزجاجية تجربة مثيرة للوقوف على ارتفاع شاهق فوق المدينة.
ويقع المطعم الدوّار للبرج على ارتفاع 276 مترًا، ويتيح لضيوفه، بفضل دورانه بزاوية 360 درجة خلال ساعة واحدة، أن يشاهدوا المدينة بأكملها من تحتهم أثناء تناول الطعام.
ولا يقتصر مجمّع برج ميلاد على البرج نفسه، بل يضم هذا المجمع الضخم مجموعة واسعة من المرافق الجانبية، منها مركز المؤتمرات الدولي الذي يتسع لـ1500 شخص، وحديقة الدلافين، والحدائق والمعارض، إلى جانب مرافق ترفيهية ورياضية. وقد حوّل هذا المجمع برج ميلاد من برج مخصص للاتصالات فحسب إلى «قطب ثقافي وسياحي» في العاصمة.
ومن الناحية الهندسية أيضًا، يُعدّ برج ميلاد إنجازًا بارزًا؛ فقد صُمّم لمقاومة الزلازل الشديدة، التي تصل قوتها إلى 8 درجات على مقياس ريختر، ولتحمّل رياح تصل سرعتها إلى 200 كيلومتر في الساعة. كما جُهّز البرج بأنظمة متقدمة للإنذار والإطفاء ضد الحرائق، ومصاعد فائقة السرعة، وأنظمة تحكم ذكية.
وقد أوجد برج ميلاد، من خلال توظيف تقنيات تصميم المنشآت الشاهقة في المناطق المعرضة للزلازل، ودمج التكنولوجيا الحديثة مع الهوية الإيرانية، رمزًا حضريًا متعدد الوظائف. ويُظهر هذا البرج كيف يمكن تحويل بنية تحتية للاتصالات إلى فضاء عام نابض بالحياة ومعلم سياحي في آنٍ واحد. وبرج ميلاد، هذا الرمز لطهران الحديثة، يتلألأ في ليالي العاصمة بإضاءاته الملوّنة.