الهندسه المعمارية

مسجد جامع أصفهان: المتحف الحيّ للعمارة الإيرانية

ما يجعل مسجد جامع أصفهان، بالنسبة إلى إنسان اليوم، سواء أكان معماريًا أم مؤرخًا أم سائحًا، مبنى لا يُنسى ودرسًا عميقًا، هو اجتماع «الاستمرار والتغيير» فيه في آنٍ واحد. فهذا المبنى يمثل بيانًا مضادًا لفكرة العمارة «المكتملة» و«الكاملة» و«التي لم تمسّ». ويُظهر مسجد جامع أصفهان أن التحفة المعمارية ليست بالضرورة نتاج عصر ذهبي بعينه أو عبقرية معماري واحد، بل يمكن أن تكون ثمرة حوار جماعي، وتطور تدريجي، وإبداع مشترك امتد عبر قرون.

 

بين جميع المباني التاريخية في إيران، هناك مبنى واحد لا يُعدّ مجرد بناء، بل كتابًا؛ كتابًا ضخمًا صفحاته من اللبن والآجر والبلاط، وقد سطّر على جسده، بكل أمانة ودون أن يغفل شيئًا، قصة ألف عام من العمارة الإيرانية. إنه مسجد جامع أصفهان؛ شيخ مساجد إيران وأعرقها، الواقع في قلب النسيج التاريخي لهذه المدينة. وعلى خلاف المساجد الفخمة التي تنتمي إلى حقبة واحدة، فتبدو وكأنها تجمّدت في لحظة تاريخية محددة، فإن مسجد جامع أصفهان أشبه بكائن حي يتنفس، ظلّ يُبنى ويُهدم ويُعاد بناؤه ويتوسع على امتداد اثني عشر قرنًا. وهنا يمكن للمرء، بمجرد الوقوف في نقطة واحدة، أن يستعرض تاريخ العمارة الإيرانية من العصر العباسي إلى العصور السلجوقية والإيلخانية والتيمورية والصفوية، بل وحتى القاجارية، من دون الحاجة إلى أي دليل سياحي.

تبدأ قصة مسجد جامع أصفهان، شأنه شأن العديد من المساجد الإيرانية القديمة، بعملية «تحوّل». فقبل دخول الإسلام، كان في هذا الموقع معبد نار ساساني، أقيم بدوره على أسس معبد أقدم منه. وفي القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي)، بنى العرب المسلمون على أنقاض معبد النار هذا مسجدًا بسيطًا ذا شبستان قائم على الأعمدة؛ وهو مسجد من طراز «المسجد العربي ذي الأروقة»، كانت فيه صفوف متعددة من الأعمدة تحمل سقفًا خشبيًا فوق فضاء واسع. ولم يبقَ من هذا المسجد الأول اليوم سوى بقايا محدودة، تشمل قواعد بعض الأعمدة وأجزاء من الجدران، إلا أن هذه البقايا تكشف أن المسجد كان منذ البداية أضخم مباني المدينة.

لكن التحول الكبير حدث في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، في العصر السلجوقي؛ وهو العصر الذي يمكن وصفه بأنه «العصر الذهبي للابتكار الفضائي» في العمارة الإيرانية. فقد كان السلاجقة، الذين قدموا من سهوب آسيا الوسطى، يتطلعون إلى ابتكار فضاءات مهيبة تتناسب مع قوتهم المتنامية. فحوّلوا مخطط المسجد العربي ذي الأروقة، الذي كان فضاءً متجانسًا يفتقر إلى مركز واضح، إلى نموذج «المسجد الإيراني ذي الإيوانات الأربعة». وفي هذا المخطط المبتكر، تنتظم أربعة إيوانات، وهي قاعات مفتوحة ذات عقود وقباب مرتفعة، حول فناء مركزي مستطيل الشكل، ويقود كل منها إلى فضاء مختلف يقع خلفه. وقد مثّل هذا التحول «ثورة فضائية» حقيقية نقلت المسجد من فضاء أفقي غير موجّه إلى فضاء عمودي ذي اتجاه واضح نحو القبلة. وكان الإيوان الجنوبي، المعروف بـ**«إيوان صفه»** أو «إيوان عمر»، بمقرنصاته الجصية المذهلة وعقده المدبب المرتفع، أول وأقوى تعبير عن هذا التحول. وقد أثبت المخطط ذي الإيوانات الأربعة قوة وكفاءة كبيرتين، حتى أصبح النموذج الأساسي لمعظم المساجد الجامعة في إيران، ثم انتشر في أنحاء آسيا الوسطى وأفغانستان، بل وحتى الهند.

ولعل أكثر أجزاء مسجد جامع أصفهان جرأة وإثارة للدهشة هو قبتاه، اللتان تقعان في الجانبين الشمالي والجنوبي من المسجد، وتقيمان فيما بينهما حوارًا صامتًا لكنه بالغ الدلالة. تقع «قبة نظام الملك» في الجهة الجنوبية، وقد شُيّدت بأمر الوزير السلجوقي الشهير والقوي، خواجه نظام الملك الطوسي، في أواخر القرن الحادي عشر الميلادي. وهذه القبة الآجرية الضخمة، التي أقيمت فوق فضاء مربع الشكل، تُعد تحفة هندسية وبيانًا سياسيًا ودينيًا في آن واحد. وقد تمكّن معماري هذه القبة، الذي ضاع اسمه للأسف في التاريخ، باستخدام تقنية مبتكرة تُعرف بـ**«الفيلگوش»**، أي التحويل التدريجي للفضاء المربع في القاعدة إلى شكل مثمّن، ثم إلى شكل ذي ستة عشر ضلعًا، وصولًا في النهاية إلى دائرة كاملة تحمل القبة، من إنشاء قبة ضخمة وفريدة فوق فضاء خالٍ، من دون الحاجة إلى سقالات معقدة. ولا تتميز هذه القبة بأبعادها وارتفاعها فحسب، بل أيضًا بنقاء فضائها ونسبها الرياضية والإحساس بالتعليق الذي تمنحه، وهي بذلك تمثل محطة مفصلية في تاريخ العمارة العالمية. والوقوف تحت هذه القبة تجربة غامرة في فضاء واسع وهادئ ومركّز، تجذب النظر بصورة لا إرادية إلى الأعلى، نحو قمة القبة.

وفي الجهة المقابلة تمامًا، في الجانب الشمالي من المسجد، تقع «قبة تاج الملك»، التي شُيّدت بعد نحو ثلاثين عامًا فقط من قبة نظام الملك، بأمر منافسه السياسي، تاج الملك. وتُعرف هذه القبة أيضًا باسم «القبة الترابية»، وهي أصغر حجمًا وأكثر إحكامًا، لكنها في الوقت نفسه أكثر دقة وتعقيدًا على نحو يخطف الأنظار. فإذا كانت قبة نظام الملك استعراضًا للقوة والعظمة، فإن قبة تاج الملك هي استعراض للرقة والكمال الهندسي. وقد نُفذت الفيلگوشات في هذه القبة بزخارف آجُرية بالغة التعقيد والدقة، حتى ليبدو كأن المعماري أراد أن ينظم شعرًا باستخدام الرياضيات والهندسة. وتشكل القبتان، المتقابلتان والواقعتان على مسافة تقل عن مئتي متر، «حوارًا معماريًا» فريدًا في تاريخ العالم: حوارًا بين القوة والرقة، والجرأة والدقة، والسياسة والفن.

لكن قصة مسجد جامع أصفهان لم تنتهِ عند العصر السلجوقي. ففي العصور اللاحقة، تركت كل سلالة حكمت إيران بصمتها على هذا المسجد، وحوّلته إلى مخطوطة متعددة الطبقات. ففي القرن الرابع عشر الميلادي، أضاف المغول الإيلخانيون «محراب أولجايتو» في الجانب الغربي من الإيوان الجنوبي. وهذا المحراب الجصي، الذي أُنشئ بأمر السلطان محمد خدابنده (أولجايتو)، يُعد واحدًا من روائع فن الجص في العالم الإسلامي. ففي هذا المحراب لم يُستخدم الجص بوصفه مادة بناء بسيطة فحسب، بل تحول إلى سطح تُخلق عليه أكثر الزخارف تعقيدًا، من الأرابيسك والأزهار والنباتات إلى النقوش بالخطين الكوفي والثلث. ويتميز محراب أولجايتو بدقة زخارفه وكثافتها إلى حد يبدو معه وكأن شبكة من الضوء والزخارف قد نُسجت على الجدار.

وفي العصر التيموري، ثم الصفوي، غطّت بلاطات الفسيفساء الملوّنة ذات الألوان الفيروزية واللازوردية والصفراء والبيضاء الإيوانات والمآذن، فتحوّل المسجد إلى لوحة فنية هائلة. ويُعد الإيوان الغربي، المعروف باسم «إيوان الأستاذ»، بزخارفه الخزفية من العصر الصفوي، نموذجًا ساطعًا لهذا التراكم التاريخي. وحتى في العصر القاجاري أضيفت أحواض الوضوء الحجرية، والحجرات، وزخارف جديدة، لتواصل الحكاية حتى عتبة العصر الحديث.

إن ما يجعل مسجد جامع أصفهان، بالنسبة إلى إنسان اليوم، سواء أكان معماريًا أم مؤرخًا أم سائحًا، مبنى لا يُنسى وعميق الدلالة، هو هذا التعايش المتزامن بين «الاستمرار والتغيير». فهذا المبنى يمثل بيانًا مضادًا لفكرة العمارة «المكتملة» و«الكاملة» و«التي لم تمسّ». ويُظهر مسجد جامع أصفهان أن التحفة المعمارية ليست بالضرورة نتاج عصر ذهبي واحد أو عبقرية فرد واحد، بل يمكن أن تكون ثمرة حوار جماعي، وتطور تدريجي، وإبداع مشترك امتد عبر قرون. وهنا، قالت كل أجيال المعماريين كلمتها، مع احترامها لإرث السابقين، من دون أن تطمس أصواتهم أو تمحو آثارهم. وهذه «العمارة الديمقراطية»، التي تتراكم فيها طبقات التاريخ فوق بعضها بعضًا كما تتراكم طبقات الرواسب، تقدم درسًا بالغ الأهمية لعصرنا الذي كثيرًا ما نمحو ذاكرتنا التاريخية بالإفراط في الهدم والتجديد. ويذكّرنا مسجد جامع أصفهان بأن المبنى العظيم لا يكون «مكتملًا» أبدًا، بل يظل دائمًا في حالة «صيرورة».