في غرب إيران، وعلى السفوح الخضراء والباردة لجبل الوند، تقع مدينة امتزج تاريخها بالأساطير والحكايات، وأصبحت حجارتها العريقة شاهدةً على حضارة تمتد جذورها آلاف السنين. همدان، هذه المدينة القديمة الشامخة، تُعدّ واحدة من أقدم مدن إيران، ويرى كثير من المؤرخين أنها كانت أول عاصمة في تاريخ إيران، في عهد الميديين. ولعلّ من الأجدر أن تُسمّى همدان «مدينة الحجر والتاريخ»؛ فهي مدينة استُخدمت فيها العمارة لا للسكن فحسب، بل لتخليد الذكرى الجماعية لشعب وتسجيلها في صفحات التاريخ. فمن النقوش الأخمينية المحفورة في قلب الجبل، إلى أضرحة الشخصيات البارزة ذات الطابع المهيب، ومن القباب السلجوقية إلى العمارة الحديثة المستلهمة من التقاليد، تبدو همدان مدينةً يقلب فيها كل حجر وكل بناء صفحة من الكتاب الكبير لتاريخ إيران.
ترتبط قصة همدان بموقعها الاستراتيجي على طريق خراسان الكبرى وطريق الحرير. وتقع المدينة على ارتفاع يقارب 1800 متر فوق مستوى سطح البحر، وقد جعلها مناخها الجبلي المعتدل، إلى جانب وفرة الينابيع فيها، مقصدًا ملائمًا للاستقرار منذ أقدم العصور. وكان الاسم القديم لهمدان «هَگْمَتانه» أو «أكباتان»، ويُفسَّر بمعنى «مكان التجمع» أو «مدينة الأصدقاء». ووفقًا للمصادر التاريخية، اختار دياكو، أول ملوك الميديين، المدينة عاصمةً له. وقد وصف المؤرخ اليوناني هيرودوت هَگْمَتانه بأنها مدينة ذات سبعة أسوار ملوّنة، يتوسطها قصر فخم. وعلى الرغم من أن ما تبقى اليوم من ذلك المجد القديم لا يتجاوز تلة أثرية تُعرف باسم «تلة هَگْمَتانه»، فإن التنقيبات الأثرية فيها كشفت عن بقايا معمارية تعود إلى العصور الميدية والأخمينية والأشكَانية.
غير أن همدان لا تستند في عظمتها إلى مجدها القديم فحسب، بل هي مدينة حفظت التاريخ في طبقات متعددة من ذاكرتها العمرانية. ففي قلب جبل الوند، بالقرب من همدان، نُقشت «كنجنامه»، وهما نقشـان حجريان مهيبان يعودان إلى العصر الأخميني. وقد كُتبت هاتان النقشتان بالخط المسماري بثلاث لغات هي الفارسية القديمة، والعيلامية، والبابلية، وتضمّان نصوصًا للملك داريوس الكبير وخشايارشا، تتناول تمجيد أهورامزدا وذكر فتوحاتهما. وتقع هذه النقوش إلى جوار شلال جميل وفي قلب طبيعة جبلية بكر، لتشكّل نموذجًا بديعًا لتكامل «العمارة والطبيعة والقوة السياسية» في العالم القديم.
ومن أكثر مباني همدان إثارةً للدهشة وتفرّدًا «قبة العلويين»، وهي من آثار العصر السلجوقي، وتُعدّ بفضل زخارفها الجصية العميقة والمعقدة واحدةً من روائع الفن والعمارة في إيران. وقد كان هذا المبنى في الأصل مسجدًا، ثم تحوّل لاحقًا إلى ضريح لعائلة العلويين. وهو مبنى مستطيل الشكل مشيّد بالطوب، كانت تعلوه قبة انهارت للأسف ولم تعد قائمة اليوم.
غير أن ما يجعل هذا المبنى فريدًا بحق هو زخارفه الجصية الداخلية. فقد غُطّيت جدران قبة العلويين وأسقفها بطبقة كثيفة من الزخارف الجصية البارزة، تضمّ زخارف إسلامية نباتية متشابكة، وأغصانًا وأزهارًا دقيقة، ونقوشًا قرآنية بالخطين الكوفي والثلث، إلى جانب مجموعة متنوعة من الأنماط الهندسية. وقد نُفذت هذه الزخارف بعمق ودقة وكثافة بالغة، حتى تبدو وكأنها شبكة من الضوء والظل قد نُسجت على الجدران. وتُعدّ قبة العلويين، بهذه الزخارف الجصية المذهلة، نموذجًا بديعًا لذروة الفن الزخرفي في العصر السلجوقي.
وهمدان هي أيضًا مدينة الأضرحة. ويُعدّ ضريح ابن سينا، الفيلسوف والطبيب والعالم الإيراني الكبير، واحدًا من أكثر معالم المدينة رمزية. وقد صُمّم هذا الضريح وشُيّد في عقد الخمسينيات من القرن الرابع عشر الهجري الشمسي، ليكون نموذجًا بارزًا لـ«العمارة الإيرانية الحديثة»، إذ استلهم تقاليد العمارة القديمة وابتكر بناءً ينسجم مع روح العصر.
وقد استلهم مصمم المبنى، المهندس هوشنغ سيحون، تصميمه من برج قابوس في غنبد قابوس وغيرها من أبراج الأضرحة في إيران، فصمّم برجًا مرتفعًا مخروطي الشكل يستند إلى اثني عشر عمودًا خرسانيًا. ويعلو هذا البرج قاعدةً حجرية، ليغدو رمزًا لعظمة فكر ابن سينا وخلود إرثه. أما الحديقة المحيطة بالضريح، بما تضمّه من أحواض مائية وأشجار خضراء، فتوفّر للزائرين فضاءً هادئًا وروحانيًا.
وبالقرب من ضريح ابن سينا، يقع ضريح عارف القزويني، الشاعر وملحن الأغاني الوطنية المؤيد للحركة الدستورية في إيران. ويتميز هذا الضريح، على بساطته ووقاره، بقوس من الطوب وفضاء شبه مفتوح، ليشكّل نموذجًا من نماذج العمارة التذكارية الحديثة في إيران.
كما تحتضن همدان ضريح باباطاهر، الشاعر والعارف الإيراني المعروف برباعياته الشعرية. ويقع هذا الضريح في ميدان واسع تحيط به الأشجار في وسط المدينة، ويتكوّن من برج مثمّن تعلوه قبة فيروزية، ليخلق فضاءً شاعريًا وروحانيًا مميزًا.
لكن من أكثر معالم همدان إثارةً للدهشة وأقلها شهرةً «ضريح إستير ومردخاي». ويقع هذا الضريح في النسيج القديم للمدينة، ويُعدّ مقبرة لشخصيتين مقدستين لدى اليهود، كما يُعتبر واحدًا من أهم المزارات اليهودية في العالم.
ويتكوّن مبنى الضريح من برج بسيط مشيّد بالطوب، تعلوه قبة مخروطية، ويعود تاريخه إلى العصر الإيلخاني. أما داخله، فقد زُيّن بالأحجار الرخامية والنقوش العبرية، وتغلب عليه أجواء روحانية هادئة. ويكشف وجود هذا الضريح في قلب همدان عن تاريخ طويل من التعايش بين الأديان والثقافات في هذه المدينة العريقة.
وتُعرف همدان أيضًا بأنها مدينة «الأسد الحجري». ويُعدّ هذا التمثال الحجري، القائم في أحد ميادين وسط المدينة، أثرًا باقيًا من العصور القديمة، ويُرجَّح أن يعود إلى العصر الميدي أو الأخميني. وكان الأسد الحجري في الماضي قائمًا عند إحدى بوابات المدينة، بوصفه رمزًا للقوة والعظمة التي كانت تتمتع بها همدان القديمة، أما اليوم فقد أصبح واحدًا من أبرز رموز المدينة.
وتقدّم همدان نموذجًا حيًا لـ«الاستمرارية التاريخية»، و«العمارة التذكارية»، و«التكامل بين التقليد والحداثة»، و«أهمية المواد المحلية، ولا سيما الحجر، في العمارة». وتُظهر هذه المدينة كيف يمكن لمدينة أن تحافظ على هويتها على مدى آلاف السنين، وفي الوقت نفسه تظل منفتحة على التغيير والابتكار.