الهندسه المعمارية

سوق وكيل في شيراز: تحفة العمارة الزندية؛ حين تتجاور التجارة والفن

لفهم سوق وكيل، لا بد أولًا من التعرف إلى كريم خان زند وحلمه بمدينة شيراز. ففي خضم الاضطرابات التي أعقبت انهيار الدولة الأفشارية ومقتل نادر شاه، تمكن كريم خان من توحيد أجزاء واسعة من إيران، واختار شيراز عاصمةً له. وعلى خلاف كثير من الحكام الذين سبقوه أو جاؤوا بعده، لم يتوّج كريم خان نفسه قط، ولم يطلق على نفسه لقب «الشاه»، بل اختار لنفسه لقب «وكيل الرعايا»، وهو لقب متواضع يعني ممثل الشعب ووكيله. وقد انعكست هذه الروح المتواضعة والمتمحورة حول خدمة الناس في عمارة العصر الزندي أيضًا؛ فلم تُشيّد مباني هذه الحقبة لاستعراض السلطة الملكية وإذلال الناظر أو إبهاره، وإنما لخدمة الناس، وتنشيط الاقتصاد الحضري، وتوفير الراحة في الحياة اليومية

 

سوق وكيل في شيراز: تحفة العمارة الزندية وروح المدينة

في قلب شيراز التاريخية، بالقرب من قلعة كريم خان ومسجد وكيل، يقع سوق يُعدّ واحدًا من أكثر الفضاءات التجارية الإيرانية انسجامًا ونقاءً وحسنًا في التخطيط. وقد شُيّد سوق وكيل في النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي بأمر من كريم خان زند. وعلى خلاف الأسواق الكبرى والمعقدة والمتشعبة، كسوق تبريز، فإن سوق وكيل أصغر نسبيًا، لكنه يتميز بدرجة استثنائية من التناسق والفخامة والشاعرية. ويجسّد هذا السوق روح كريم خان نفسه؛ ذلك الحاكم الذي أطلق على نفسه لقب «وكيل الرعايا»، والذي فضّل، بدل تشييد القصور الفخمة الباهظة، بناء الأسواق والمساجد والحمّامات وخزانات المياه والخانات لخدمة الناس.

ولفهم سوق وكيل، لا بد أولًا من التعرف إلى شخصية كريم خان زند وحلمه لمدينة شيراز. ففي خضم الاضطرابات التي أعقبت انهيار الدولة الأفشارية ومقتل نادر شاه، تمكن كريم خان من توحيد أجزاء واسعة من إيران، واختار شيراز عاصمةً له. وعلى خلاف كثير من الحكام الذين سبقوه أو جاؤوا بعده، لم يتوّج كريم خان نفسه ملكًا، ولم يطلق على نفسه لقب «الشاه»، بل اختار لقب «وكيل الرعايا»، أي ممثل الشعب ووكيله. وقد انعكست هذه الروح المتواضعة والمتمحورة حول خدمة الناس في عمارة العصر الزندي؛ فلم تُشيّد مباني هذه الحقبة لاستعراض السلطة الملكية وإبهار الناظر، وإنما لخدمة السكان، وتنشيط الاقتصاد الحضري، وتوفير الراحة في الحياة اليومية. وكان سوق وكيل ومسجد وكيل وحمّام وكيل وخزان مياه وكيل جميعها جزءًا من مشروع واسع لإعادة إعمار شيراز وتطويرها، وهو المشروع الذي أطلق عليه كريم خان «خطة إعمار شيراز».

يتكوّن سوق وكيل من سوق رئيسية طويلة وعريضة وفخمة، تغطيها عقود آجُرّية مرتفعة وفتحات سقفية صُممت بذكاء لإدخال الضوء. وتتصل هذه السوق الرئيسية، بزاوية تقترب من تسعين درجة، بسوق فرعية تُعرف باسم «سوق السيوف». وعند نقطة التقاء السوقين، تقوم «چهارسوق» فخمة ذات قبة شاهقة ومقرنصات آجُرّية مدهشة، تشكل نقطة التركيز والقلب النابض للسوق. وتخلق هذه الـ«چهارسوق» فضاءً دراميًا مهيبًا ومتناسقًا، كان التجار والمتسوقون يلتقون فيه من الجهات الأربع، وكانت أهم المعاملات التجارية تُعقد تحت قبتها.

ومن أبرز ما يميز سوق وكيل عن كثير من الأسواق الإيرانية الأخرى «الاتساع الكبير» لسوقه الرئيسية. فعلى خلاف الأسواق الضيقة والمكتظة وشبه المعتمة في المناطق الصحراوية، مثل يزد وكاشان، يبلغ عرض السوق الرئيسية في سوق وكيل نحو 11 مترًا، مما يوفر فضاءً رحبًا ومضيئًا ومريحًا وجاذبًا. ويسهم هذا الاتساع، إلى جانب العقود العالية وفتحات السقف المتعددة والمنظمة، في إزالة الشعور بالضيق والاختناق والازدحام، وتحويل تجربة التجول في السوق إلى نزهة ممتعة وهادئة ومريحة. وكأن معماري سوق وكيل أراد أن يخلق فضاءً تصبح فيه التجارة، بدل أن تكون نشاطًا متوترًا ومتسارعًا، «طقسًا مدنيًا» راقيًا وممتعًا.

وتنتظم الحوانيت على جانبي الأسواق، وتفصلها عن الممر الرئيسي مصاطب حجرية مرتفعة تُعرف محليًا باسم «پاخوره». وكانت هذه المصاطب تُستخدم من جهة أماكن لجلوس التجار والزبائن أثناء المساومة والحوار، ومن جهة أخرى لرفع مستوى الحوانيت عن رطوبة الأرض والغبار والوحل، وبذلك حماية البضائع من التلف. ولكل حانوت رواق صغير يطل على السوق، تؤطره قنطرة مدببة وزخارف آجُرّية بسيطة، لكنها دقيقة ومتناسقة. ولم تكن هذه الأروقة توفر الظل للمتسوقين فحسب، بل كانت تضفي أيضًا إيقاعًا وانسجامًا بصريًا على الواجهة الداخلية للسوق.

وتتميز زخارف سوق وكيل، على خلاف الأسواق القاجارية التي غالبًا ما تكتظ بالقاشاني ذي الألوان السبعة والزخارف البراقة، بالبساطة والرصانة والوقار والانسجام. وتُعدّ الآجرّ المادة الأساسية في البناء، وقد رُصفت وحداته وفق أنماط هندسية متنوعة ودقيقة، مثل النجوم الثمانية والنجوم ذات الستة عشر ضلعًا والأشكال المتعرجة، لتزيين أسطح الجدران والعقود والأروقة. وفي بعض المواضع المهمة، ولا سيما في الـ«چهارسوق» والمداخل ومحراب المسجد الصغير في السوق، استُخدمت القاشانيات الفسيفسائية الفيروزية واللازوردية ذات الزخارف النباتية الإسلامية، ورسوم الزهور والطيور، والكتابات القرآنية. وقد خلق هذا المزج الذكي والجذاب بين «دفء الآجر وبرودة القاشاني» تباينًا لطيفًا ومتوازنًا لا يرهق العين، ويمنح الفضاء عمقًا وغنىً بصريًا.

كما صُمم الإضاءة الطبيعية في السوق بذكاء وإتقان. ففتحات السقف الموزعة على مسافات منتظمة ومدروسة على امتداد العقود، تسمح لأشعة الشمس بالنفاذ إلى الداخل، فتخلق تدرجات لطيفة وناعمة ومتغيرة من الضوء والظل على الآجر والسجاد المعلّق والبضائع الملونة في الحوانيت، مما يمنح السوق أجواءً حية وديناميكية ومتجددة باستمرار. ومع اختلاف ساعات النهار، يتغير اتجاه الضوء وشدته، فيتخذ السوق في كل مرة ملامح مختلفة. ففي الصباح، تنساب أشعة الشمس المائلة والذهبية من جهة الشرق، فتغمر السوق الرئيسية بدفء الضوء، بينما تتسلل أشعة المساء من الغرب، فتُلقي بظلال طويلة على الجدران. وتمثل هذه «عمارة الضوء»، التي لم يُستخدم فيها الضوء الطبيعي للإضاءة فحسب، بل لصناعة تجربة مكانية وحسية، واحدة من أبرز الجوانب المضيئة في تصميم سوق وكيل.

وكحال الأسواق التقليدية في إيران، لم يكن سوق وكيل مجرد مركز للتسوق، بل كان «فضاءً مدنيًا» متكاملًا و«مركزًا اجتماعيًا» نابضًا بالحياة. وبالقرب من السوق وعلى اتصال مباشر به، كان مسجد وكيل وحمّام وكيل وخزان مياه وكيل وعدد من الخانات تشكل معًا مجمعًا متكاملًا ومكتفيًا ذاتيًا. وكان بإمكان التجار والمسافرين تفريغ بضائعهم وتخزينها في الخانات، والاستحمام في حمّام وكيل والتخلص من عناء السفر، وأداء الصلاة والعبادة في مسجد وكيل، والشرب من مياه خزان المياه، ثم ممارسة التجارة وعقد الصفقات في السوق. وقد حوّل هذا التكامل الذكي بين «التجارة والإقامة والاستحمام والعبادة وتوفير المياه» في مجمع واحد مترابط، سوق وكيل إلى «مركز حضري» متكامل و«قلب نابض» للحياة اليومية لسكان شيراز.

أما اليوم، فلا يزال سوق وكيل، بعد أكثر من قرنين على إنشائه، نشطًا ومزدهرًا وحافلًا بالحياة، ويُعدّ أحد المقاصد الرئيسية للسياح المحليين والأجانب في شيراز. وتُباع فيه السجاد اليدوي الشيرازي الفاخر، بزخارفه الشهيرة من الزهور والطيور والتصاميم المحرابية، والأقمشة التقليدية المطبوعة بطريقة القلمكار، والتوابل الملونة ذات الروائح الزكية، والمشروبات والمستخلصات العشبية العطرية، مثل ماء زهر البرتقال وماء الورد، إلى جانب الحرف اليدوية الدقيقة، كخاتم‌كاري والمنبت‌كاري. وعلى خلاف كثير من الأسواق التاريخية التي تحولت إلى متاحف جامدة أو فضاءات سياحية بحتة، لا يزال سوق وكيل متداخلًا مع الحياة اليومية لسكان شيراز، ولا يزال نبض الاقتصاد والثقافة والسياحة يخفق في أروقته.

ويمثل سوق وكيل بالنسبة إلى المعماريين ومخططي المدن المعاصرين درسًا خالدًا في «المقاييس الإنسانية»، و«البساطة المهيبة»، و«الانسجام مع النسيج الحضري». فهو يبرهن على أن نجاح الفضاء التجاري لا يتطلب بالضرورة أن يكون الأكبر أو الأعلى أو الأكثر بهرجة. فقد تكون «صحة» النسب، و«ملاءمة» العرض والارتفاع، و«انسجام» المواد والزخارف بعضها مع بعض ومع الروح العامة للمبنى، أكثر قيمة واستدامة من كل مظاهر الترف والمبالغة والاستعراض. ويجسد سوق وكيل روح كريم خان زند وعمارة العصر الزندي: عمارة متواضعة، متمحورة حول الإنسان، متناسقة، ومكرّسة لخدمة الحياة اليومية.