الهندسه المعمارية

حديقة دولت آباد في يزد: حديقة أبراج الرياح؛ تناغم الماء والهواء والعمارة في قلب الصحراء

تُجسّد حديقة دولت آباد، هذه الحديقة التي تتزيّن بأبراج الرياح، في قلب صحراء يزد، من خلال برج الرياح الشاهق وجداولها الفيروزية، عبقرية أهل الصحراء وإبداعهم وقدرتهم على الصمود في وجه قسوة البيئة.

 

 

في قلب مدينة يزد العريقة المبنية من الطين، وبين أزقتها الضيقة وأبراج الرياح الشاهقة، تقع حديقة تتلألأ كجوهرة خضراء وادعة في قلب الصحراء. حديقة دولت آباد، هذه التحفة الفريدة في فن إنشاء الحدائق الإيرانية وأحد مواقع التراث العالمي لليونسكو، ليست مجرد حديقة، بل هي «مختبر للهندسة المناخية»، و«سمفونية من الماء والهواء»، و«بيان للتعايش مع الطبيعة القاسية للصحراء».

ولعلّ الأجدر أن تُسمّى حديقة دولت آباد «حديقة أبراج الرياح»؛ فهي الحديقة التي ينتصب فوقها أعلى برج رياح مصنوع من الطين في العالم، بارتفاع يبلغ 33 مترًا، شامخًا كحارس باسق فوق عمارة الهشتي، ليصطاد نسائم الصحراء ويوجّهها إلى داخل الحديقة والعمارة. وهذه الحديقة ليست مجرد أثر تاريخي بالغ القيمة، بل هي أيضًا «درس حيّ» في العمارة المستدامة والتعايش الذكي مع الطبيعة، إذ تُظهر كيف أمكن، في واحدة من أكثر مناطق العالم حرارةً وجفافًا، ابتكار فضاء بارد ومريح باعث على السكينة، من دون استهلاك أي نوع من الطاقة الأحفورية أو الكهربائية.

تبدأ حكاية حديقة دولت آباد مع محمد تقي خان البافقي، حاكم يزد القوي وبعيد النظر في العهد الزندي. ففي أواخر القرن الثاني عشر الهجري، وتحديدًا نحو عام 1160 هـ، أصدر أمرًا ببناء هذه الحديقة لتكون مقرًا للحكم، ومتنزّهًا شخصيًا، ورمزًا إلى قوته وثروته. وكان محمد تقي خان رجلًا محبًا للعمران والإعمار، أراد أن ينشئ حديقة لا تكون مجرد مكان للراحة واستقبال الضيوف الرسميين، بل نموذجًا لفن إنشاء الحدائق في الصحراء، وتجسيدًا لقدرة الإنسان على التغلّب على قسوة الطبيعة. وكانت حديقة دولت آباد في ذلك العصر تقع في أطراف مدينة يزد، وسط حدائق ومزارع خضراء، أما اليوم، ومع التوسع المتواصل للمدينة، فقد أصبحت في قلب النسيج الحضري لمدينة يزد، ولا تزال تتلألأ كجوهرة خضراء آسرة للعين.

ولتأمين المياه لهذه الحديقة في قلب الصحراء العطشى، أمر محمد تقي خان بإنشاء قناة جوفية «قناة» يبلغ طولها نحو 60 كيلومترًا، تنقل المياه من جبال مهريز الواقعة جنوب يزد إلى الحديقة. وهذه القناة، التي تُعرف باسم «قناة دولت آباد» أو «قناة مون»، تمثل بدورها تحفة هندسية، إذ تنقل المياه من أعماق الجبال البعيدة إلى سطح الأرض من خلال انحدار محسوب بدقة وحفر عدد كبير من الآبار العميقة. وكانت قناة دولت آباد الشريان الحيوي للحديقة، ولولاها لما كان من الممكن أن تقوم هذه الجنة الخضراء في قلب الصحراء.

وبعد دخول مياه القناة إلى الحديقة، تبدأ المياه، بفعل الانحدار الطبيعي للأرض ومن دون أي مضخة أو قوة ميكانيكية، بالدوران في الجداول والأحواض، ثم تتجه بعد ذلك إلى المزارع والحدائق المحيطة. وتكشف دورة إمداد المياه الذكية هذه عن استدامة إدارة الموارد المائية في العمارة الإيرانية التقليدية، وعن إدراك عميق للقيمة الحيوية لكل قطرة ماء في الصحراء.

تمتد حديقة دولت آباد على مساحة تقارب 40 ألف متر مربع، وهي نموذج متكامل ونقي للحديقة الإيرانية وفق نمط «چهارباغ» أو الحديقة الرباعية. وتحيط بالحديقة جدران طينية شاهقة، بحيث لا يظهر من الخارج أي أثر لخضرتها ونضارتها الداخلية. وهذه «العزلة» و«الانطواء على الداخل» من المبادئ الأساسية للحديقة الإيرانية؛ فالحديقة ينبغي أن تكون عالمًا آخر، منفصلًا عن العالم الخارجي، وملاذًا آمنًا وهادئًا وباردًا في مواجهة الحر الشديد وغبار الصحراء.

يقع المدخل الرئيسي للحديقة في الجهة الجنوبية، ويدعوكم إلى الداخل من خلال بوابة بسيطة لكنها مهيبة، تعلوها قوس مدببة وتتزيّن بزخارف آجُرّية دقيقة. وما إن تعبروا هذه البوابة وتسلكوا ممرًا قصيرًا شبه مظلم، حتى تجدوا أنفسكم فجأة في الفضاء المفتوح والأخضر للحديقة. وهذا الانتقال المفاجئ من «الخارج الجاف والحار بلون التراب» إلى «الداخل الأخضر والبارد والغني بالماء» تجربة صُمّمت الحديقة الإيرانية من أجلها؛ فالغاية منها أن تدهش الزائر وتأسره.

ويتمثل المحور الرئيسي للحديقة في جدول طويل وضيق يمتد من مدخل الحديقة حتى عمارة الهشتي في نهايتها. وهذا الجدول، المغطى بالبلاط الفيروزي، ينقل مياه قناة دولت آباد إلى داخل الحديقة. وتجري المياه في هذا الجدول بفعل الانحدار الطبيعي للأرض ومن دون أي مضخة، عابرةً بين أشجار السرو والصنوبر العتيقة، لتضفي على المكان النضارة والبرودة.

ويمتزج صوت المياه الهادئ والعذب الجاري في الجداول بأصوات الطيور وحفيف أوراق الأشجار تحت نسائم الصحراء اللطيفة، فيخلق سمفونية من السكينة والحياة. وعلى جانبي الجدول، زُرعت أحواض تضم أشجارًا مثمرة، منها الرمان والعنب والتين والتوت، إلى جانب أزهار زينة مثل إبرة الراعي والياسمين والورد، فتنتشر روائحها العطرة في أرجاء المكان. كما تنتشر على امتداد الجدول أحواض مائية صغيرة وكبيرة تعكس في مياهها صورة السماء والأشجار، فتضفي مزيدًا من الجمال والنضارة على الفضاء.

أما الجوهرة المتلألئة والرمز الأبرز لحديقة دولت آباد بلا منازع، فهي «عمارة الهشتي» أو «الكشك الرئيسي»، الواقعة في نهاية المحور الرئيسي للحديقة. وتتألف هذه العمارة من طابقين، وتتخذ مخططًا ثماني الأضلاع، وهي نموذج بديع للعمارة في العصر الزندي. وقد زُيّنت عمارة الهشتي بأروقة ذات أعمدة، وقاعات مزدانة بالرسوم، ونوافذ «أُرُسي» ذات زجاج ملوّن بالأحمر والأصفر والأزرق والأخضر، إلى جانب زخارف جصية دقيقة بالغة المهارة.

لكن أكثر عناصر هذه العمارة إثارةً للدهشة وتفرّدًا هو برج الرياح المرتفع رباعي الجهات، الذي يبلغ ارتفاعه 33 مترًا، ويُعدّ أعلى برج رياح مصنوع من الطين في العالم. وقد شُيّد هذا البرج من الطين واللبِن، وكان يلتقط الرياح مهما كان اتجاه هبوبها، ثم يوجّهها عبر قنوات عمودية إلى داخل العمارة، ومنها إلى الحوض الواقع تحت الأرض، أو «الحوضخانه». وبعد أن يمر الهواء الحار والجاف للصحراء فوق مياه الحوض الباردة، يبرد ويصبح لطيفًا ومنعشًا، ثم يتدفق إلى داخل القاعات والغرف في العمارة. وكان هذا «المكيّف الطبيعي»، الذي يعمل من دون أي طاقة كهربائية أو أحفورية، يحافظ على درجة حرارة داخل العمارة تقل بما يصل إلى 15 درجة مئوية عن درجة الحرارة في الخارج.

وتحت عمارة الهشتي يقع «الحوضخانه» أو «السرداب»، وهو فضاء بارد وشبه مظلم يتوسطه حوض كبير، وتحيط به مصاطب مخصصة للجلوس والاستراحة. وكان هذا المكان ملاذًا مثاليًا خلال أيام الصيف الحارة.

وتُعدّ حديقة دولت آباد كتابًا دراسيًا متكاملًا في «التصميم المناخي والمستدام»، و«استخدام أبراج الرياح بوصفها نظامًا طبيعيًا للتبريد»، و«الإدارة الذكية للمياه في المناطق الجافة»، و«ابتكار مناخ محلي مصغّر في قلب الصحراء». وتُظهر هذه الحديقة كيف أمكن، في واحدة من أكثر مدن العالم حرارةً وجفافًا، ابتكار فضاء بارد ومريح وباعث على السكينة، من خلال توظيف الماء والهواء والنبات والعمارة الذكية.

وتجسّد حديقة دولت آباد، هذه الحديقة التي تتزيّن بأبراج الرياح، في قلب صحراء يزد، من خلال برج الرياح الشاهق وجداولها الفيروزية، عبقرية أهل الصحراء وإبداعهم وقدرتهم على الصمود في وجه قسوة البيئة.