الهندسه المعمارية

بيرجند مدينة أبراج الرياح ذات الطابقين والحدائق الصحراوية؛ جوهرة خراسان الجنوبية

في شرق إيران، وفي المنطقة الواقعة بين صحراء لوت والسهول الشاسعة لأفغانستان، تقع مدينةٌ تضمّ، رغم محدودية شهرتها مقارنةً بمدن كبرى مثل أصفهان ويزد وشيراز، كنوزًا مدهشة من العمارة الصحراوية والحدائق الفخمة وأبراج الرياح الفريدة. إنها بيرجند، عاصمة محافظة خراسان الجنوبية.

 

 

في شرق إيران، وفي المنطقة الواقعة بين صحراء لوت والسهول الشاسعة لأفغانستان، تقع مدينة تضمّ، رغم محدودية شهرتها مقارنةً بمدن كبرى مثل أصفهان ويزد وشيراز، كنوزًا مدهشة من العمارة الصحراوية والحدائق الفخمة وأبراج الرياح الفريدة. إنها بيرجند، عاصمة محافظة خراسان الجنوبية، المدينة التي بلغت ذروة ازدهارها وعظمتها خلال العهد القاجاري، ولا سيما في فترة حكم أسرة علم، حتى اشتهرت باسم «مدينة أبراج الرياح ذات الطابقين». ولعلّ خير وصف لبيرجند أنها «جوهرة الصحراء الشرقية»؛ ففيها لم تُوظَّف العمارة لتوفير المأوى فحسب، بل أيضًا لابتكار «جنّة في قلب الصحراء»، فيما ترتفع أبراج الرياح ذات الطابقين فوق أسطح المدينة، رمزًا للعبقرية والإبداع والمكانة الاجتماعية.

ترتبط حكاية بيرجند بموقعها الاستراتيجي على طريق الحرير، عند ملتقى الطرق التي كانت تصل الهند بإيران وآسيا الوسطى. وقد عُرفت المدينة، التي يُقال إن اسمها يعني «مدينة البرق» أو «مدينة النور»، منذ القرون الإسلامية الأولى بوصفها مستوطنة صغيرة على طريق القوافل، ثم تحولت تدريجيًا إلى إحدى المحطات المهمة على هذا الشريان التجاري. غير أن ذروة ازدهار بيرجند تحققت في العصر الصفوي، ولا سيما خلال العهد القاجاري. ففي تلك الفترة، اتخذت أسرة علم، التي كانت من الأسر الحاكمة المحلية القوية والنافذة والمهتمة بالثقافة، من بيرجند مركزًا لحكمها، وأسهمت، من خلال دعم التجارة والزراعة والأدب والفنون، في تحويل المدينة إلى أحد أهم المراكز التجارية والثقافية في شرق إيران. وكان الزعفران الفاخر والبرباريس ذو اللون الزاهي والسجاد اليدوي النفيس والحرير من أبرز السلع التجارية التي اشتهرت بها بيرجند، إذ كانت تُصدَّر عبر طريق الحرير إلى الهند وأفغانستان وآسيا الوسطى، بل وحتى أوروبا، لتدرّ ثروات طائلة على تجار المدينة وحكّامها.

تُعدّ حديقة أكبرية الجوهرة المتألقة وأبرز المعالم التاريخية في بيرجند، وهي نموذج بديع للحدائق الفارسية التقليدية وإحدى المواقع الإيرانية المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو. وقد أُنشئت هذه الحديقة في أواخر العهد الزندي وبدايات العهد القاجاري على يد علي أكبر خان خزيمة، أحد أجداد أسرة علم، ثم وسّعها أحفاده وأكملوا بناءها. وهي تشكّل مجمّعًا متكاملًا مكتفيًا بذاته، يضمّ قصرًا رئيسيًا فخمًا، وأفنية متعددة متناسقة الأبعاد، وحدائق غنّاء، وأبراج رياح شاهقة تخطف الأنظار.

وتتميّز عمارة القصر الرئيسي في حديقة أكبرية برواق مرتفع وأعمدة حجرية متجانسة منحوتة بإتقان، وقاعات تزدان بزخارف المرايا الدقيقة والمبهرة، والنقوش الجصية العميقة الغنية بالتفاصيل، والرسوم الجدارية التي تصوّر مشاهد الصيد ومجالس اللهو والمناظر الطبيعية، فضلًا عن نوافذ «الأُرُسي» التقليدية المزودة بزجاج ملوّن بالأحمر والأصفر والأزرق والأخضر. ويجسّد هذا الصرح نموذجًا متألقًا لامتزاج العمارة الإيرانية الرسمية والبلاطية بالتقاليد المحلية للمنطقة.

أما أشجار الصنوبر والسرو المعمّرة التي تناطح السماء، وأحواض المياه الصافية الباردة، والجداول التي تجري بانحدار الأرض الطبيعي من دون الحاجة إلى أي مضخات، فتجعل من حديقة أكبرية «جنّة من صنع الإنسان» و«مناخًا محليًا مصغرًا» يوفّر أجواءً منعشة في قلب الصحراء. وتُستمدّ مياه الحديقة من قنوات الري التقليدية المعروفة باسم القنوات أو «القَناة»، ثم تتدفق عبر الجداول والنوافير مستفيدةً من الانحدار الطبيعي للأرض.

غير أن ما يميّز بيرجند عن سائر المدن الإيرانية هو «أبراج الرياح ذات الطابقين». فعلى خلاف أبراج الرياح ذات الطابق الواحد، الشائعة في يزد وكرمان، شُيّدت أبراج بيرجند على طابقين، وزُوّدت بصفّين من الفتحات. وترتفع هذه الأبراج فوق أسطح المنازل الفخمة والحدائق والقصور المهيبة، وتؤدي وظيفتين أساسيتين.

تتمثل الوظيفة الأولى في تحسين كفاءة التهوية بدرجة كبيرة؛ إذ يوجّه الطابق السفلي من البرج الهواء إلى الغرف الواقعة في الطابق الأرضي وإلى الأقبية الباردة، المعروفة باسم «السرداب»، بينما يوفّر الطابق العلوي تدفق الهواء إلى الغرف الموجودة في الطابق الأعلى والأروقة المفتوحة. ويتيح هذا التصميم الذكي تهوية طابقين في الوقت نفسه.

أما الوظيفة الثانية، فتتمثل في التعبير عن المكانة الاجتماعية والثروة؛ إذ كان ارتفاع برج الرياح وعدد طوابقه يعكسان ثروة صاحب المنزل ونفوذه وموقعه الاجتماعي. ولأن أبراج الرياح ذات الطابقين لم تكن تظهر إلا في منازل الأعيان والأثرياء، فقد أصبحت رمزًا لقوة الأسر الميسورة في بيرجند وعظمتها، وإشارة واضحة إلى مكانة أصحاب تلك المنازل ونفوذهم.

وتُعدّ قلعة كلاه‌فرنكي في بيرجند من المعالم المعمارية البارزة والرموز المميزة للمدينة. وقد شُيّدت خلال العهد القاجاري في مركز المدينة، وهي مبنى فريد ذو ستة أضلاع، تعلوه قبة ذات طراز «كلاه‌فرنكي»، أي ذات هيئة مستوحاة من العمارة الأوروبية، ويتوسط حديقة خضراء آسرة. وتتميّز القلعة بزخارفها الآجرية الجميلة ونقوشها الجصية الرقيقة ونوافذها التقليدية ذات الزجاج الملوّن، وهي نموذج للعمارة القاجارية التي جمعت بين الوظائف العسكرية والسكنية؛ فقد أدّت دورًا دفاعيًا، وكانت في الوقت نفسه مقرًا لإقامة الحكّام واستقبال ضيوفهم. وقد تحوّل هذا المبنى المهيب اليوم إلى متحف للآثار والإثنوغرافيا، يعرض مقتنيات قيّمة من تاريخ المنطقة وثقافتها.

ولا تزال الحياة تنبض في النسيج التاريخي لبيرجند، بشوارعه الضيقة والمتعرجة، ومنازله المبنية من الطوب الطيني والآجر ذات الجدران السميكة، وممراته المسقوفة المعروفة باسم «الساباط»، التي توفّر الظل والبرودة. والساباطات ممرات مغطاة تعلوها أقبية آجريّة، فتمنح الأزقة ظلًا دائمًا وأجواءً أكثر اعتدالًا. ومن أمثلة العمارة السكنية الصحراوية في المدينة المنازل التاريخية، مثل منزل بردلي، الذي يضمّ برج رياح رائعًا ذا طابقين، ومنزل رحيمي، الذي يتميز بفناء مركزي وحوض للمياه، ومنزل فروزانفر، الذي تزدان واجهاته بالزخارف الجصية والآجرية.

وتُعدّ مدرسة شوكتيّة، المعروفة أيضًا باسم «مدرسة شوكتي»، من أبرز المعالم التاريخية والثقافية في بيرجند. وقد أُنشئت في أواخر العهد القاجاري على يد محمد إبراهيم خان شوكت الملك، أحد حكّام بيرجند المستنيرين والداعين إلى التحديث، وكانت من أوائل المدارس الحديثة في شرق إيران. ويجسّد تصميمها، الذي يضمّ فناءً مركزيًا وحجرات للطلاب موزعة على طابقين ورواقًا مهيبًا، تفاعل العمارة الإيرانية التقليدية مع متطلبات التعليم الحديث.

وبيرجند أيضًا مدينة صهاريج المياه والقنوات التقليدية. فصهاريجها المتعددة، ذات القباب الطينية الضخمة وأبراج الرياح المرتفعة، وقنواتها القديمة التي تنقل المياه من سفوح الجبال المحيطة إلى المدينة، تكشف عن الأهمية الحيوية للمياه في هذه المنطقة الصحراوية. ويُعدّ صهريج مياه سوق بيرجند، بقُبته الضخمة وأبراج الرياح العالية، أحد أبرز نماذج هذه المنشآت في المدينة.

وتقدّم بيرجند للمعماريين ومخططي المدن المعاصرين دروسًا قيّمة في التصميم المناخي المستدام للمناطق الصحراوية، والابتكار في تصميم أبراج الرياح، والمزج بين العمارة الرسمية والتقاليد المحلية، فضلًا عن أهمية إنشاء الحدائق في البيئات الجافة. وتُظهر هذه المدينة كيف يمكن، في قلب الصحراء، الاستفادة من المعرفة المحلية ومواد البناء المتاحة والفهم العميق للطبيعة، لابتكار فضاءات جميلة ومريحة ومستدامة للحياة.

وما تزال بيرجند، مدينة أبراج الرياح ذات الطابقين، تروي في ظلال حديقة أكبرية، وبين نسمات الهواء الباردة التي تنساب عبر أبراجها، حكاية العظمة والعبقرية والاستدامة التي تختزنها حضارة شرق إيران العريقة.