الهندسه المعمارية

مجمع ملت السينمائي في طهران

ما يميّز مجمع ملت السينمائي، منذ النظرة الأولى، عن سائر دور السينما في إيران، بل وعن العديد من المجمعات السينمائية في المنطقة، هو تصميمه المعماري الفريد والرمزي والمفعم بروح سينمائية عميقة. وقد استُلهم الشكل العام للمبنى من مفهومي «الحركة» و«الانسيابية»؛ وكأن المبنى نفسه، مثل الفيلم، يحمل قصةً يرويها، ويجذب المشاهد إلى أعماقه.

في قلب العاصمة، وعلى الجانب الشمالي من منتزه ملت الكبير الغني بالخضرة، يقوم صرحٌ ليس مجرد دار للسينما، بل هو «مجمع سينمائي حالم»، و«مانيفستو للعمارة الحديثة»، ورمزٌ لتحوّل السينما الإيرانية وتجددها في القرن الجديد. ويضم مجمع ملت السينمائي مساحة مبنية تبلغ 15 ألف متر مربع، وأربع قاعات عرض مجهزة بأحدث التقنيات المتطورة، ما يجعله واحداً من أكثر المجمعات السينمائية حداثةً وتجهيزاً في إيران والشرق الأوسط. ويكشف هذا الصرح، بتصميمه الجريء والانسيابي والديناميكي، عن مزيج ذكي من العمارة الحديثة، والتقنيات السينمائية المتقدمة، وتصميم المشهد الحضري، ليخلق للجمهور تجربة جديدة ولا تُنسى في ارتياد السينما. فمجمع ملت ليس مجرد مكان لمشاهدة الأفلام، بل هو وجهة ثقافية متكاملة تمتزج فيها العمارة والفن والتكنولوجيا والحياة الحضرية.

بدأت حكاية مجمع ملت برؤية طموحة: إنشاء فضاء يحوّل ارتياد السينما من نشاط بسيط وعابر واستهلاكي إلى «تجربة ثقافية شاملة» و«حدث حضري لا يُنسى». ففي السنوات التي لم تعد فيها دور السينما الإيرانية القديمة والتقليدية، بقاعاتها الصغيرة والضيقة، ومقاعدها المتهالكة وغير المريحة، وتجهيزاتها الصوتية والبصرية القديمة والمعطلة، وفضاءاتها المعتمة والكئيبة، قادرةً على تلبية احتياجات الجيل الجديد من الجمهور وتطلعاته، ظهرت فكرة إنشاء مجمع سينمائي حديث وفق المعايير العالمية. وكان من المفترض ألا يكون هذا المجمع مجرد مكان لمشاهدة الأفلام، بل أن يؤدي دوره بوصفه «وجهة ثقافية» و«فضاءً عاماً جذاباً وحيوياً» لقضاء أوقات الفراغ بالنسبة إلى سكان المدينة. وقد بدأ إنشاء هذا المجمع في منتصف عقد 1380هـ.ش، وبعد سنوات من الجهود المتواصلة والتخطيط الدقيق والتغلب على التحديات الفنية والتنفيذية، دخل حيز التشغيل في أوائل عقد 1390هـ.ش، وسرعان ما أصبح واحداً من أكثر المراكز الثقافية شعبيةً واكتظاظاً بالزوار في العاصمة.

ما يميّز مجمع ملت، منذ النظرة الأولى، عن سائر دور السينما في إيران، بل وعن العديد من المجمعات السينمائية في المنطقة، هو تصميمه المعماري الفريد والرمزي والمفعم بروح سينمائية عميقة. وقد استُلهم الشكل العام للمبنى من مفهومي «الحركة» و«الانسيابية»؛ وكأن المبنى نفسه، مثل الفيلم، يحمل قصةً يرويها، ويجذب المشاهد إلى أعماقه. وقد غُلّفت الواجهة الخارجية للمبنى بقشرة من الزجاج والمعدن، تتخللها خطوط منحنية ومتموجة وديناميكية، توحي بالحركة والتحول الدائم والتدفق المتواصل للحياة. وهذه الواجهة، التي تتوهج ليلاً بإضاءة ذكية ومدروسة ومتعددة الألوان، تتحول في حد ذاتها إلى «شاشة سينمائية حضرية» هائلة ومبهرة، تعرض على سطحها الصور والألوان وانعكاسات الضوء. ويستقطب هذا التلاعب بالضوء واللون على واجهة المبنى أنظار العابرين والمارة، ويدعوهم إلى الاقتراب منه، واعداً إياهم بتجربة مختلفة.

أما الدخول إلى الفضاء الداخلي لمجمع ملت، فيمثّل تجربة غامرة وساحرة في عالم السينما. إذ تخلق الردهة الرئيسية، بسقفها المرتفع والمهيب، فضاءً مفتوحاً ورحباً ومرحّباً، يحتضن الزائر فور دخوله. كما تساهم الإضاءة الناعمة وغير المباشرة بألوانها الدافئة، إلى جانب الأرضيات الحجرية المصقولة والجدران المكسوة بملصقات أحدث الأفلام، في خلق أجواء احترافية وحميمة في آنٍ واحد. وتعزز السلالم المعلّقة والممرات الزجاجية التي تصل بين الطوابق المختلفة، بأشكالها الانسيابية والديناميكية، إحساس الحركة والاستكشاف لدى الزائر.

وتضم قاعات العرض الأربع في مجمع ملت، التي تختلف كل منها في سعتها وتصميمها الخاص، أحدث التقنيات السينمائية المتطورة في العالم. فالمقاعد المريحة والمصممة وفق مبادئ الهندسة البشرية، وأنظمة الصوت المحيطي «دولبي ديجيتال» عالية الجودة، والشاشات العريضة ذات جودة الصورة الفائقة، والإضاءة الدقيقة والاحترافية، تتكامل جميعها لتوفير تجربة سينمائية للجمهور وفق المعايير الدولية. وتستوعب القاعة الرئيسية للمجمع أكثر من ألف شخص، وتُعد واحدة من أكبر قاعات السينما وأكثرها تجهيزاً في إيران.

وإلى جانب قاعات العرض، يضم مجمع ملت العديد من المرافق والفضاءات الجانبية التي تحوّله إلى «مجمع ثقافي وترفيهي» متكامل. فالمقاهي والمطاعم الحديثة، بتصاميمها الأنيقة والمريحة، توفر فضاءً للحوار والاستراحة. كما تُعد متاجر المنتجات الثقافية وصالات العرض الفنية المخصصة لعرض الأعمال البصرية والصور الفوتوغرافية، من بين المرافق الأخرى التي يضمها المجمع.

ويستفيد مجمع ملت السينمائي، بفضل موقعه المدروس إلى جوار منتزه ملت، من «مشهد حضري» فريد من نوعه. إذ تطل النوافذ الكبيرة والتراسات المفتوحة للمبنى على منظر ساحر للأشجار الخضراء في الحديقة، فتربط الفضاء الداخلي بالمشهد الطبيعي المحيط في تناغم بصري لافت.

ويمثل مجمع ملت بالنسبة إلى المعماريين والمصممين المعاصرين درساً عملياً وملهماً في «تصميم الفضاءات الثقافية متعددة الوظائف»، و«خلق تجربة فضائية ديناميكية وسينمائية»، و«دمج العمارة بالتقنيات المتقدمة»، و«أهمية الضوء والحركة والمشهد الحضري في التصميم». ولا يزال مجمع ملت السينمائي، هذه السمفونية من الضوء والحركة، في قلب العاصمة، بواجهته المتألقة وقاعاته التي يتردد فيها صدى الأفلام، يروي، همساً، حكاية الحلم بسينما إيرانية جديدة.