الهندسه المعمارية

حديقة شازده ماهان: جنّة في قلب الصحراء؛ معجزة الماء في أرض قاحلة

لقد تحوّلت حديقة شازده، بفضل «خلق التباين والدراما البصرية»، و«الهندسة الهيدروليكية وإمداد المياه بقوة الجاذبية»، و«تصميم المناظر الطبيعية ونظام الزراعة على المنحدرات»، و«أهمية الماء بوصفه العنصر الأساسي في التصميم»، إلى جنّة أرضية. وتُظهر هذه الحديقة كيف يمكن، في قلب واحد من أكثر المناخات جفافًا في العالم، أن يُبتكر فضاء لا يروي العين فحسب، بل يروي روح الإنسان أيضًا، من خلال الاستخدام الذكي للماء وانحدار الأرض والنبات.

 

على سفوح الجبال الجافة والصخرية في جنوب شرقي إيران، بالقرب من مدينة ماهان وعلى تخوم صحراء لوت، حيث تتشقق الأرض من شدة العطش، وتسلّط الشمس التي لا ترحم أشعتها الحارقة على الصخور، تقع حديقةٌ تبدو رؤيتها كأنها معجزة خضراء يانعة في قلب القحط، فتداعب عيني كل من يراها وروحه. حديقة شازده، أو حديقة الأمير ماهان، هذه الجوهرة المتلألئة بين الحدائق الإيرانية وأحد مواقع التراث العالمي لليونسكو، ليست مجرد حديقة، بل هي «معجزة الماء في أرض قاحلة»، و«سمفونية من التناقض»، و«بيان لإرادة الإنسان في خلق الجنّة في قلب الصحراء».

ولعلّ الأجدر أن تُسمّى حديقة شازده «جنّة في قلب الصحراء»؛ فهي الحديقة التي تنساب فيها المياه، بفعل الانحدار الطبيعي للأرض، من النوافير والجداول، وتبسط أشجار السرو والصنوبر العتيقة ظلالًا باردة فوق بساطها الأخضر، فيما يخلق التناقض المذهل بين خضرة الحديقة وقحولة الصحراء المحيطة تجربة لا تُنسى.

تبدأ حكاية حديقة شازده مع عبد الحميد ميرزا ناصر الدولة، أحد أمراء القاجار وحاكم كرمان في أواخر العهد القاجاري. ففي أواخر القرن الثالث عشر الهجري، نحو عام 1276 هـ، أصدر أمرًا ببناء هذه الحديقة لتكون مقرًا صيفيًا ومتنزّهًا شخصيًا له. وكان عبد الحميد ميرزا، الذي كان من المقربين إلى ناصر الدين شاه، يرغب في إنشاء حديقة لا تكون مجرد مكان للراحة واستقبال الضيوف الرسميين ورجال البلاط، بل رمزًا لقوته وثروته وذوقه الرفيع في هذه المنطقة النائية عن العاصمة.

ويُقال إن بناء الحديقة استغرق نحو اثني عشر عامًا، وإن وفاة عبد الحميد ميرزا المفاجئة حالت دون اكتمالها. وتروي حكاية شهيرة، وإن كانت غير مؤكدة، أن خبر وفاة الحاكم وصل إلى ماهان بينما كان البستانيون منشغلين بإتمام بوابة مدخل الحديقة، فتركت منذ ذلك الحين غير مكتملة. وقد لا تعدو هذه الرواية أن تكون أسطورة، لكنها أضفت على الحديقة قدرًا خاصًا من الرومانسية والأجواء الساحرة.

شُيّدت حديقة شازده على سفوح جبال تيغران، فوق منحدر طبيعي يمثّل المفتاح الأساسي في تصميم الحديقة الذكي. وتمتد الحديقة على مساحة تقارب 5.5 هكتارات، وتتخذ شكل مستطيل طويل وممتد، تحيط به جدران طينية شاهقة. وهذه «العزلة» واحدة من المبادئ الأساسية للحديقة الإيرانية؛ فالحديقة ينبغي أن تنفصل عن العالم الخارجي، وأن تحيط بها الجدران، ليُخلق في داخلها عالم آخر، عالم أخضر وبارد وهادئ.

غير أن ما يميز حديقة شازده عن سائر الحدائق الإيرانية هو التناقض المذهل والدرامي بين «داخلها» و«خارجها». ففي الخارج تمتد صحراء جافة قاحلة صخرية حارقة، لا تكاد تُرى فيها أي علامة على الحياة؛ أما في داخل الحديقة، فهناك عالم أخضر غزير المياه، بارد وحيوي، ترتفع فيه الأشجار نحو السماء، وتجري المياه بإيقاع عذب. وهذا التناقض، الذي يمكن رؤيته بوضوح من سطح الحديقة أو من أعلى المنحدر، يُعدّ من أكثر التجارب البصرية إثارةً للدهشة والتي يصعب نسيانها في العمارة الإيرانية.

أما القلب النابض لحديقة شازده فهو «الماء». فالماء هنا ليس مجرد عنصر للزينة، بل هو «الشخصية الرئيسية» و«روح الحديقة». تدخل مياه قناة تيغران من سفوح الجبال المحيطة عبر الجزء العلوي من الحديقة، ثم تنساب بفعل الانحدار الطبيعي للأرض، ومن دون أي مضخة أو قوة ميكانيكية، في الجداول والنوافير. وتمتد هذه الجداول، التي تكسوها الحجارة الرخامية والبلاطات الفيروزية، من أعلى نقطة في الحديقة إلى أدنى نقطة فيها، قاطعةً مسارًا طويلًا يتخلل الأشجار وأحواض الزهور.

ويمتزج صوت المياه الهادئ والعذب وهي تجري في الجداول بأصوات الطيور وحفيف أوراق الأشجار تحت نسائم الصحراء اللطيفة، فيخلق سمفونية من السكينة والحياة.

ومن أروع سمات حديقة شازده «النوافير المتدرجة». فعلى امتداد المحور الرئيسي للحديقة، تنتشر نوافير متعددة تدفع المياه إلى الأعلى بضغطها الطبيعي. وتعمل هذه النوافير بفعل الجاذبية وفارق الارتفاع، وتمثّل تحفة في الهندسة الهيدروليكية. فقد تمكّن المعماريون في العصر القاجاري، من خلال الحساب الدقيق لفارق الارتفاع بين مصدر المياه، أي القناة، ومخارج النوافير، من ابتكار نوافير ذات ضغط طبيعي يقذف المياه إلى ارتفاع محدد. وقد صُفّت هذه النوافير على امتداد المحور الرئيسي للحديقة وبشكل متدرج، لتخلق مشهدًا آسرًا نابضًا بالحركة.

ويمتد المحور الرئيسي للحديقة في صورة ممر طويل تحفّه الأشجار، من بوابة المدخل في الجزء السفلي من الحديقة إلى العمارة الرئيسية في أعلاها. وعلى جانبي هذا الممر، زُرعت أشجار السرو والصنوبر والدلب العتيقة، فأوجدت ظلالًا باردة ودائمة. كما زُرعت أشجار مثمرة، مثل الرمان والعنب والتين والمشمش، في الأحواض المحيطة.

وتقع العمارة الرئيسية، أو «الكشك»، في أعلى نقطة من حديقة شازده، في نهاية محورها الرئيسي. وتتألف هذه العمارة من طابقين، وتضم أروقة ذات أعمدة وقاعات مزدانة بالرسوم ونوافذ «أُرُسي» ذات زجاج ملوّن، وهي نموذج للعمارة في العصر القاجاري. ومن رواق هذه العمارة، يمكن الإشراف على الحديقة بأكملها وتأمل المشهد المذهل للتناقض بين خضرة الحديقة وقحولة الصحراء المحيطة. وهذا المشهد، الذي يظهر بوضوح من أعلى الحديقة، هو إحدى أكثر صور حديقة شازده رسوخًا في الذاكرة: بحر من الخضرة وسط محيط من التراب والصخور.

وتضم حديقة شازده أيضًا حمّامًا تاريخيًا وإسطبلًا ومرافق خدمية تقع في أركان الحديقة. أما بوابة المدخل، الواقعة في أدنى نقطة منها، فتتزيّن بالبلاطات ذات الألوان السبعة والزخارف الآجرية.

لقد تحوّلت حديقة شازده، بفضل «خلق التباين والدراما البصرية»، و«الهندسة الهيدروليكية وإمداد المياه بقوة الجاذبية»، و«تصميم المناظر الطبيعية ونظام الزراعة على المنحدرات»، و«أهمية الماء بوصفه العنصر الأساسي في التصميم»، إلى جنّة أرضية. وتُظهر هذه الحديقة كيف يمكن، في قلب واحد من أكثر المناخات جفافًا في العالم، أن يُبتكر فضاء لا يروي العين فحسب، بل يروي روح الإنسان أيضًا، من خلال الاستخدام الذكي للماء وانحدار الأرض والنبات.

ولا تزال حديقة شازده، هذه الجنّة في قلب الصحراء، بعد أكثر من قرن، تروي من خلال نوافيرها المتدرجة وأشجارها الشامخة حكاية معجزة الماء وإرادة الإنسان في خلق الجمال وسط القحط.