الهندسه المعمارية

أرومية مدينة الأديان والقوميات؛ جوهرة أذربيجان الغربية

تُمثّل أرومية بالنسبة إلى المعماريين ومخططي المدن المعاصرين درسًا قيّمًا في «العمارة بوصفها مرآةً للتنوع الثقافي والديني»، و«التعايش السلمي بين الأديان في النسيج العمراني للمدينة»، و«أهمية الحفاظ على الأحياء التاريخية متعددة الثقافات وإحيائها». وتُظهر هذه المدينة كيف يمكن لمركز حضاري أن يحتضن، على مدى آلاف السنين، ثقافات وأديانًا متنوعة، وأن يجعل من هذا التنوع فرصةً لإثراء هويته، لا تهديدًا لها. ولا تزال أرومية، مدينة الأديان والقوميات، تروي بصوت خافت، في ظلال كنيسة ننه مريم وعلى وقع الأذان المنبعث من المسجد الجامع، حكاية التعايش والتسامح والثراء الثقافي في إيران.

 

 

في شمال غرب إيران، وعلى سهل خصيب أخضر يمتد من جهة نحو جبال زاغروس الشاهقة المكللة بالثلوج، ومن جهة أخرى نحو الامتداد الأزرق لبحيرة أرومية، تقع مدينة ارتبط تاريخها بالتعايش السلمي بين الأديان والقوميات والثقافات. وتُعدّ أرومية، مركز محافظة أذربيجان الغربية، واحدة من أقدم مدن إيران، ويعتقد كثير من المؤرخين أنها مسقط رأس زرادشت، نبي إيران القديمة. ويمكن وصف أرومية بأنها «مدينة الأديان والقوميات»؛ فهي مدينة تقف فيها المساجد والكنائس والمعابد اليهودية جنبًا إلى جنب منذ قرون، وتعكس عمارتها، كأنها مرآة، التنوع الثقافي والديني لهذه الأرض.

وفي اللغة الآشورية، تعني كلمة «أور» المدينة، وهي الكلمة نفسها الواردة في اسم أورشليم، الذي يُفسَّر بـ«مدينة السلام»، بينما تعني كلمة «ميه» الماء، وهي ذات صلة اشتقاقية بكلمة «ماء» العربية. وبذلك، يُفسَّر اسم أرومية في اللغة الآشورية بمعنى «مدينة الماء».

ترتبط حكاية أرومية بموقعها الاستراتيجي على طريق الحرير، وبوقوعها عند ملتقى الحدود بين إيران والدولة العثمانية ومنطقة القوقاز. وقد شهدت هذه المدينة، التي عُرفت في العصور القديمة باسم «أورارتو»، ثم باسم «رومية»، تعاقب شعوب وثقافات متعددة على مر التاريخ؛ إذ ترك الآشوريون والأورارتيون والميديون والأخمينيون والسلوقيون والفرثيون والساسانيون والعرب والسلاجقة والمغول والصفويون والعثمانيون والقاجاريون آثارهم وبصماتهم فيها.

وقد جعل هذا التنوع التاريخي من أرومية أحد أغنى المراكز الحضارية في إيران وأكثرها تعددًا في طبقاته الثقافية والتاريخية. وخلال العصر الصفوي، اكتسبت المدينة أهمية استراتيجية بسبب قربها من الحدود العثمانية، ثم تحولت في العهد القاجاري، مع وصول المبشرين المسيحيين وتأسيس مدارس وكنائس جديدة، إلى أحد المراكز المهمة للتبادل الثقافي والديني في إيران.

السوق التاريخي في أرومية: القلب النابض للمدينة

يُعدّ السوق التاريخي في أرومية، الذي يشكّل القلب النابض للمدينة، واحدًا من أقدم الأسواق وأجملها في شمال غرب إيران. وتعود نواته الأولى إلى العصر الصفوي، فيما شهد توسعًا واستكمالًا خلال العهد القاجاري. ولا يزال السوق، بأقبيته الآجرية المرتفعة وممراته التجارية المتعددة وأسواقه الداخلية المسقوفة وخاناته الفخمة، يحتفظ بحيويته التجارية ويؤدي دورًا محوريًا في الحياة اليومية للمدينة.

ويغطي الممر الرئيسي للسوقَ سقفٌ من الأقواس الآجرية المتقاطعة، تتخلله فتحات علوية تسمح بدخول الضوء، فيما تصطف على جانبيه محال التجار ذات المصاطب الحجرية.

أما السوق الداخلي الكبير في أرومية، فيتميز بقبة مرتفعة وزخارف من الآجر والبلاط متعدد الألوان، ويوفر فضاءً رحبًا لتجارة السلع الثمينة، مثل السجاد الأذربيجاني المنسوج يدويًا والمجوهرات والأقمشة المطرزة بخيوط الذهب.

وفي أرجاء هذا السوق، تمتزج روائح التوابل الملونة، وجمال السجاد اليدوي المزدان بالتصميمات الهِراتية والزخارف المركزية، والصوت الإيقاعي لمطارق النحاسين، لتخلق تجربة لا تُنسى تجسّد روح الأسواق الإيرانية التقليدية.

المسجد الجامع في أرومية: جوهرة العمارة الدينية

يُعدّ المسجد الجامع في أرومية، أحد أروع معالم العمارة الدينية في المدينة، تحفة معمارية من العصر الإيلخاني، ومن أقدم المساجد في إيران.

وقد شُيّد المسجد فوق أساسات معبد ناري يعود إلى العصر الساساني، ويضم قاعة صلاة واسعة ذات أعمدة ضخمة وأقواس مقببة، فضلًا عن محراب يتميز بزخارف جصية استثنائية تعود إلى العصر الإيلخاني.

ويعود تاريخ محراب المسجد الجامع في أرومية إلى القرن السابع الهجري، وهو مزدان بنقوش جصية دقيقة وعميقة، وزخارف نباتية حلزونية متشابكة، وكتابات بالخطين الكوفي والثلث، إلى جانب أنماط هندسية متنوعة.

ويُعدّ هذا المحراب من روائع فن النقش على الجص في إيران، إذ تتسم زخارفه بكثافة التفاصيل ودقتها، حتى تبدو وكأنها شبكة من الضوء والظلال مرسومة على الجدار.

ويضم المسجد أيضًا قاعة صلاة شتوية ذات سقف أكثر انخفاضًا وجدران أكثر سماكة، كانت توفر للمصلين فضاءً دافئًا ومريحًا خلال أيام الشتاء الباردة والمثلجة. أما صحن المسجد، فيتوسطه حوض مائي كبير تحيط به أشجار معمرة، ما يخلق أجواء هادئة وروحانية للمصلين.

كنيسة ننه مريم: شاهد على الحضور المسيحي العريق

غير أن أرومية ليست مدينة المساجد وحدها؛ ففي قلبها، وسط نسيجها العمراني التاريخي، تقع كنيسة ننه مريم، التي تُعدّ من أقدم الكنائس في العالم.

وبحسب روايات تاريخية ودينية، شُيّدت الكنيسة فوق موضع يُعتقد أنه يضم مرقد مريم العذراء. وهي مبنى حجري بسيط، يتميز بأقواسه الآجرية ومحرابه الصغير.

وتعود أصول الكنيسة، وفق بعض الروايات، إلى العصر الساساني، بل إلى حقب أقدم من ذلك. وتصفها بعض المصادر بأنها ثاني أقدم كنيسة في العالم بعد كنيسة بيت لحم.

وبعمارتها البسيطة والمتواضعة والخالية من الزخارف المتكلفة، تمثّل كنيسة ننه مريم رمزًا للحضور التاريخي العريق للمسيحيين الآشوريين والأرمن في هذه المنطقة.

أما فضاؤها الداخلي، بأضوائه الخافتة وشموعه المشتعلة وصوره الدينية ورائحة البخور، فيوفر أجواء هادئة وروحانية للصلاة والتأمل.

وتحمي جدرانها الحجرية السميكة المبنى من برد الشتاء وحرارة الصيف، وتسهم في الحفاظ على اعتدال أجوائه الداخلية طوال العام.

وبالقرب من كنيسة ننه مريم، يقع معبد يهود أرومية، وهو مبنى بسيط ومتواضع يشهد على الوجود التاريخي الطويل لليهود في المدينة.

إن وجود المسجد الجامع وكنيسة ننه مريم والمعبد اليهودي على مسافات متقاربة يجعل من أرومية نموذجًا حيًا وملموسًا للتعايش بين الأديان في إيران.

مدرسة هدايت: نموذج للعمارة التعليمية القاجارية

تُعدّ مدرسة هدايت، المعروفة أيضًا باسم «مدرسة أرومية القديمة»، نموذجًا بارزًا للعمارة التعليمية في العهد القاجاري.

وقد شُيّدت المدرسة في أواخر العصر القاجاري بدعم من التجار والمحسنين المحليين، وتتميز بفنائها المركزي وحجرات طلاب العلوم الدينية الموزعة على طابقين، وإيوانها المهيب، ما يوفر فضاءً هادئًا ومنظمًا للتعلم والتعليم.

وتضفي الزخارف الآجرية والبلاطات متعددة الألوان، المزينة بالنقوش النباتية الحلزونية والأشكال الهندسية، على المبنى مظهرًا مبهجًا وجذابًا. كما كان الحوض المائي الذي يتوسط الفناء، بما يصدره من خرير هادئ، يساعد الطلاب على التركيز والتأمل.

أرومية: مدينة الماء والحدائق

أرومية هي أيضًا مدينة الماء. فبحيرة أرومية، التي كانت يومًا واحدة من أكبر البحيرات المالحة في العالم وموئلًا للطيور المهاجرة، لا تزال تحتل مكانة خاصة في الذاكرة الجماعية لسكان المدينة، على الرغم من أزمة الجفاف التي تواجهها في الوقت الحاضر.

وتنتشر حول المدينة بساتين التفاح والعنب الكثيفة، فيما تنحدر الجداول المائية من جبال زاغروس، لتسهم في جعل أرومية واحدة من أكثر المدن الإيرانية خضرةً واعتدالًا في المناخ.

العمارة في أرومية: ملتقى التقاليد الأذربيجانية والتأثيرات القوقازية والعثمانية

تجمع العمارة في أرومية بين التقاليد الأذربيجانية والتأثيرات القوقازية والعثمانية، إلى جانب الأساليب الرسمية للعمارة الإيرانية.

ويُعدّ استخدام الآجر والحجر بوصفهما مادتين أساسيتين للبناء، والإيوانات المرتفعة القائمة على الأعمدة، والأقواس المدببة، والزخارف المصنوعة من البلاط والجص، من أبرز السمات التي تميز العمارة في هذه المدينة.

أرومية: العمارة مرآة التنوع الثقافي والديني

تمثّل أرومية بالنسبة إلى المعماريين ومخططي المدن المعاصرين درسًا قيّمًا في «العمارة بوصفها مرآةً للتنوع الثقافي والديني»، و«التعايش السلمي بين الأديان في النسيج العمراني للمدينة»، و«أهمية الحفاظ على الأحياء التاريخية متعددة الثقافات وإحيائها».

وتُظهر هذه المدينة كيف يمكن لمركز حضاري أن يحتضن، على مدى آلاف السنين، ثقافات وأديانًا متنوعة، وأن يجعل من هذا التنوع فرصةً لإثراء هويته، لا تهديدًا لها.

ولا تزال أرومية، مدينة الأديان والقوميات، تروي بصوت خافت، في ظلال كنيسة ننه مريم وعلى وقع الأذان المنبعث من المسجد الجامع، حكاية التعايش والتسامح والثراء الثقافي في إيران.