الهندسه المعمارية

أصفهان: مدينة القباب الفيروزية؛ سمفونية الماء والضوء والهندسة

قصة أصفهان هي قصة «ولادة جديدة». فهذه المدينة، التي تمتد جذورها إلى العصور القديمة بل وإلى الأساطير الإيرانية، دخلت عصرها الذهبي في القرن العاشر الهجري، حين اختارها الشاه عباس الأول عاصمةً للدولة الصفوية. وكان الشاه عباس يحلم ببناء مدينة لا تكون مجرد مركز سياسي واقتصادي، بل «صورة أرضية من الجنة». فجمع أمهر المعماريين والمهندسين والخطاطين والبلاطين والفنانين من مختلف أنحاء إيران، وكانت ثمرة هذا التجمع الاستثنائي مدينةً لا تزال، بعد مرور أربعة قرون، تثير الدهشة وتبعث على الإلهام.

 

من بين جميع مدن إيران، ثمة مدينة ارتبط اسمها ارتباطًا لا ينفصم بالفخامة والجمال والكمال. إنها أصفهان، هذه «نصف العالم» الأسطورية، المدينة التي لم تُستخدم فيها العمارة للسكن والعبادة فحسب، بل لتشييد «جنة على الأرض». ولا ينبغي فهم أصفهان بمنطق المخططات الحضرية الجامد، بل بمنطق الشعر والموسيقى والعرفان. إنها سمفونية من الماء والضوء واللون والهندسة، كل مبنى فيها آلة موسيقية، وكل ميدان حركة موسيقية، وكل قبة نغمة عالية خالدة. فإذا كانت يزد مدينة الريح والتراب، وشيراز مدينة الشعر والحدائق، فإن أصفهان تستحق أن تُسمّى «مدينة القباب الفيروزية» و«عاصمة العمارة الإيرانية الكلاسيكية»؛ المدينة التي بلغت فيها العمارة ذروة التناسب والفخامة والكمال.

قصة أصفهان هي قصة «ولادة جديدة». فهذه المدينة، التي تمتد جذورها إلى العصور القديمة بل وإلى الأساطير الإيرانية، دخلت عصرها الذهبي في القرن العاشر الهجري، حين اختارها الشاه عباس الأول عاصمةً للدولة الصفوية. وكان الشاه عباس يحلم ببناء مدينة لا تكون مجرد مركز سياسي واقتصادي، بل «صورة أرضية من الجنة». فجمع أمهر المعماريين والمهندسين والخطاطين والبلاطين والفنانين من مختلف أنحاء إيران، وكانت ثمرة هذا التجمع الاستثنائي مدينةً لا تزال، بعد مرور أربعة قرون، تثير الدهشة وتبعث على الإلهام.

وقلب أصفهان النابض هو ميدان نقش جهان. فهذا الميدان المستطيل الهائل، الذي يبلغ طوله 512 مترًا وعرضه 163 مترًا، ويُعدّ واحدًا من أكبر الميادين الحضرية في العالم، ليس مجرد فضاء مفتوح، بل هو «بيان سياسي واقتصادي وديني». وفي أضلاعه الأربعة تقوم أربعة مبانٍ رمزية تمثل الأركان الرئيسية للدولة الصفوية: مسجد الإمام في الضلع الجنوبي، رمز القوة الدينية والشرعية الإلهية للحكم؛ ومسجد الشيخ لطف الله في الضلع الشرقي، رمز الخلوة والعبادة الخاصة الملكية؛ وقصر عالي قاپو في الضلع الغربي، رمز القوة السياسية ومراسم البلاط؛ وسوق القيصرية في الضلع الشمالي، رمز القوة الاقتصادية والتجارية. وقد حوّل هذا التكوين الذكي ميدان نقش جهان إلى «مركز حضري» متكامل وفريد.

غير أن ما يميز نقش جهان عن سائر ميادين العالم لا يكمن في عظمته وتماثله فحسب، بل أيضًا في «النسب الذهبية» التي تحكم تصميمه. فأبعاد الميدان، وارتفاع الإيوانات، والمسافات بين المباني، وحتى حجم الحوض الكبير في وسطه، صُممت جميعها وفق أنظمة دقيقة من التناسب والهندسة. وهذه النسب، التي تضرب جذورها في علوم الرياضيات والهندسة الإيرانية-الإسلامية، متناسقة وجذابة إلى حد يجعل المشاهد، من دون أن يكون بالضرورة على دراية بالمعادلات الرياضية الكامنة وراءها، يشعر بـ«صواب» الفضاء و«جماله» بكل كيانه.

ومسجد الإمام، أو الجامع العباسي، هو الجوهرة المتلألئة في هذا المجمع. فهذا المسجد، بإيوانه المدخل الهائل، ومنارتيه الشاهقتين المتناظرتين، وقبته الفيروزية مزدوجة القشرة المهيبة، وبلاطاته المعرّقة ذات الألوان السبعة، يُعدّ واحدًا من روائع العمارة الفريدة في العالم الإسلامي. ويبلغ ارتفاع قبة المسجد 52 مترًا، وهي مكسوة بالبلاطات الفيروزية واللازوردية، وقد أُقيمت فوق فضاء مربع باستخدام فيلگوشات ضخمة ومعقدة. كما يُعدّ محرابه الرخامي ومنبره الخشبي من روائع فن العصر الصفوي. لكن أكثر ما يثير الدهشة في هذا المسجد هو «الصوتيات» أو التصميم الصوتي. ففي مركز القبة مكان محدد، إذا وقفت فيه وتحدثت، انتشر صوتك في أرجاء الفضاء بوضوح وصدى روحاني. وهذا التصميم الصوتي، الذي أُنجز قبل قرون من دون أي تقنيات حديثة، يكشف عن عبقرية استثنائية لدى معماريي العصر الصفوي.

وفي الجهة المقابلة تمامًا لمسجد الإمام، في الضلع الشرقي من الميدان، يقع مسجد الشيخ لطف الله. وهذا المسجد، بخلاف نظيره المهيب، لا منارة له ولا صحن مركزي ولا إيوان مدخل. فقد كان مسجد الشيخ لطف الله مصلى خاصًا للشاه وأسرته الملكية، ولذلك حوّله معماره إلى فضاء داخلي هادئ وروحاني. والدخول إلى هذا المسجد أشبه برحلة روحية؛ فمن ضياء الميدان الساطع، تنتقل إلى ممر متعرج شبه مظلم، ثم تدخل فجأة إلى قبةٍ مركزية تغطي جدرانها وسقفها بلاطات المعرّق والزخارف الإسليمية. وتسمح القبة المنخفضة الرشيقة، التي تبدو وكأنها معلقة في الفضاء، عبر نافذتها المشبكة، بدخول ضوء ناعم ومتعدد الألوان، فيمنح المكان في ساعات النهار المختلفة مشاهد متجددة.

لكن أصفهان ليست ميدان نقش جهان وحده. ففي الجانب الآخر من المدينة يقع الجامع العتيق في أصفهان، ذلك المعمّر الذي نقش على جسده قصة ألف عام من تاريخ العمارة الإيرانية. ويعود النواة الأولى لهذا المسجد إلى القرن الثاني الهجري، وقد توسع وتطور على مدى قرون، حتى أصبح «متحفًا حيًا للعمارة». وتعرض قبة نظام الملك وقبة تاج الملك، وهما تحفتان من العصر السلجوقي، حوارًا صامتًا بين القوة والرقة. أما محراب أولجايتو، وهو تحفة من أعمال الجص في العصر الإيلخاني، بزخارفه الإسليمية وكتاباته الكوفية، فيُعدّ واحدًا من أجمل المحاريب في العالم الإسلامي.

وأصفهان أيضًا مدينة الجسور. فقد شُيّد جسر سي وسه پل وجسر خواجو، وهما تحفتان في الهندسة والعمارة من العصر الصفوي، فوق نهر زاينده رود. أما سي وسه پل، بفتحاتِه الثلاث والثلاثين وطوله البالغ 295 مترًا، فهو بمثابة «شارع فوق الماء»، تتيح أقواسه الإيقاعية وممراته المسقوفة فضاءً للتنزه والحوار وتأمل المياه. أما جسر خواجو، الذي تتوسطه عمارة بيگلربیگی، فهو بمثابة «قصر ترفيهي» فوق الماء، كان الشاه عباس الثاني وحاشيته يجلسون فيه لمشاهدة مسابقات القوارب والألعاب النارية.

ويروي حي جلفا قصة التعايش السلمي بين الأديان والثقافات في أصفهان الصفوية. فقد أُنشئ هذا الحي في عهد الشاه عباس الأول لإسكان الأرمن المهاجرين، وأصبح، بفضل كنائسه المهيبة، رمزًا للتسامح الديني والتبادل الثقافي. وتُعدّ كاتدرائية فانك، بقبتها الإيرانية، ورسومها الجدارية الأوروبية، وبلاطاتها المعرّقة، تحفةً في «العمارة الهجينة»، حيث يجلس الشرق والغرب، والإسلام والمسيحية، جنبًا إلى جنب في تناغم كامل.

أصفهان كتاب دراسي كامل لا ينفد. فهي تقدم دروسًا في «التخطيط الحضري المتكامل»، و«تصميم المحاور البصرية والفضائية»، و«دمج الوظائف المختلفة في مجمع واحد»، و«أهمية الماء والضوء في التصميم الحضري»، و«فن إنشاء فضاءات عامة جاذبة وخالدة». وتُظهر أصفهان أن المدينة يمكن أن تكون في آن واحد «وظيفية» و«جميلة» و«زاخرة بالمعنى»؛ وأن تلبي الاحتياجات اليومية للحياة، وتغذي أرواح سكانها وزوارها، وتؤدي في الوقت نفسه دور رمز لفخامة أمة وحضارتها. وأصفهان، هذه «نصف العالم»، لا تزال، بعد أربعة قرون، بقبابها الفيروزية وجسورها المهيبة وميادينها النابضة بالأصداء، تحكي عن حلم أسلافنا بمدينة تشبه الجنة.