في الضواحي الشمالية الغربية لمدينة مشهد، وفي وسط حديقة فسيحة خضراء تتخللها أشجار عتيقة وجداول مياه جارية، يقوم صرحٌ يُعدّ واحداً من ألمع نماذج عمارة الأضرحة في العصر الصفوي، ومن أجمل «البساتين الضريحية» في إيران. ويُعدّ ضريح خواجه ربيع، هذه «الجوهرة الفيروزية الصفوية»، بمخططه الثماني الفريد، وقبته الفيروزية المهيبة، وزخارفه النفيسة من البلاط والنقوش الجدارية، أكثر من مجرد ضريح؛ فهو «تحفة في الهندسة والفن»، ونموذج متألق للمزاوجة بين العمارة التذكارية والبستان الإيراني. ويمكن وصف خواجه ربيع بأنه «مزيج من الهندسة والبستان والعرفان»؛ إذ تتشابك فيه التناسبات الرياضية الدقيقة، وفخامة الفن الصفوي ورهافته، والسكينة العميقة للبستان الإيراني، في تناغم يخلق للزائرين والمصلّين فضاءً روحانياً لا يُنسى، عميق التأمل.
كان خواجه ربيع بن خثيم من أصحاب الإمام علي (ع) وأنصاره الأوفياء، ومن الشخصيات البارزة التي حظيت بمكانة رفيعة واحترام كبير في صدر الإسلام. وقد نال، لما عُرف عنه من الزهد والتقوى وكثرة العبادة والابتعاد عن التعلّق بالدنيا، مكانةً مرموقة لدى الشيعة، بل ولدى أهل السنة أيضاً. واشتهر باسم «خواجه ربيع»، وكان من التابعين، أي أولئك الذين أدركوا صحابة النبي ولم يلتقوا النبي نفسه. وقد شارك في معركة صفين إلى جانب الإمام علي (ع). ويُقال إن الإمام علي (ع) عيّنه قائداً على جزء من جيشه، فشارك خواجه ربيع في تلك المعركة التاريخية بشجاعة وإيمان. وتوفي خواجه ربيع سنة 63هـ، ووفقاً للروايات التاريخية، دُفن جسده في هذا الموضع الواقع في ضواحي طوس، مشهد الحالية. أما البناء الفخم الذي نعرفه اليوم باسم ضريح خواجه ربيع، فهو صرح شُيّد في أوائل القرن الحادي عشر الهجري، في عهد الشاه عباس الأول الصفوي، بأمر القائد الصفوي الشهير والقوي الله وردي خان، وعلى يد نخبة من المعماريين والفنانين البارزين من أصفهان. وكان الله وردي خان من قادة الشاه عباس الأوفياء والأكفاء والمحسنين، وقد خلّف وراءه عدداً من المنشآت الخالدة، من أبرزها جسر سي وسه پل الشهير في أصفهان.
وأولى السمات المميزة لضريح خواجه ربيع وأكثرها بروزاً هي «المخطط الثماني». فعلى خلاف العديد من الأضرحة الإيرانية التي شُيّدت وفق مخططات مربعة أو مستطيلة، يقوم هذا البناء على قاعدة ثمانية الأضلاع منتظمة، يبلغ طول كل ضلع منها نحو سبعة أمتار. وقد أتاح هذا الاختيار الذكي، وغير المألوف إلى حد ما، عدة مزايا مهمة؛ أولها إضفاء التنوع والحيوية البصرية على الواجهة الخارجية والحيلولة دون الرتابة. وثانيها تسهيل الانتقال من الفضاء المربع في القاعدة إلى القبة الدائرية، إذ إن الشكل الثماني أقرب إلى الدائرة، مما يجعل هذا الانتقال أكثر سلاسة وانسيابية. وثالثها إنشاء ثمانية أواوين أو طاقّات جدارية في الاتجاهات الرئيسية والفرعية، يطل كل منها على مشهد مختلف وآسر للبستان الأخضر المحيط، ويسمح بدخول الضوء والنسيم إلى داخل البناء من جهات متعددة. ويرمز هذا المخطط الثماني أيضاً إلى «أبواب الجنة الثمانية» في المعتقدات الإسلامية، إذ يُعتقد أن للجنة ثمانية أبواب، يدخل المؤمنون من أيٍّ منها يشاؤون.
أما القبة الفيروزية للضريح، القائمة فوق البناء الثماني، فتبلغ نحو 18 متراً في ارتفاعها عن سطح الأرض، وتُعدّ واحدة من أجمل قباب العصر الصفوي وأكثرها تناسقاً. وهي من نوع «القبة مزدوجة القشرة المنفصلة»، أي أنها تتألف من قشرتين مستقلتين، تؤدي المساحة الفارغة بينهما، إلى جانب خفض الوزن الإجمالي للقبة بصورة ملحوظة، دور عازل حراري قوي، يحول دون ارتفاع حرارة الفضاء الداخلي خلال صيف مشهد الحار، كما يحدّ من برودته في شتائها القارس. وقد كُسيت القشرة الخارجية للقبة ببلاطات فيروزية ولازوردية تحمل نقوشاً إسليمية وهندسية، فتتألّق تحت أشعة الشمس كأنها جوهرة تتوسط البستان. أما القشرة الداخلية للقبة، فقد زُيّنت برسوم جدارية نفيسة ومتعددة الألوان من العصر الصفوي، تعرض مشاهد من الطبيعة، وتشكيلات نباتية ملونة، ونقوشاً إسليمية.
وزُيّنت الواجهة الخارجية للبناء ببلاطات الفسيفساء ذات الألوان السبعة، تحمل نقوشاً إسليمية، ورسوم «الزهور والطيور»، وكتابات بخطي الثلث والنسخ. وتتضمن هذه الكتابات آيات قرآنية وأحاديث نبوية وأشعاراً في مدح خواجه ربيع وبناة الصرح والقائمين على تشييده. وفي كل ضلع من أضلاع البناء الثمانية، صُممت طاقّات جدارية ذات عقود مدببة، وأُطّرت ببلاطات فيروزية ولازوردية، مما يضفي على الواجهة إيقاعاً بصرياً وعمقاً معمارياً.
أما الفضاء الداخلي للضريح، فقد زُيّن برسوم جدارية مهيبة من العصر الصفوي. وغُطّيت الأسقف والجدران بنقوش إسليمية، وتشكيلات نباتية ملونة، ومشاهد من الطبيعة والصيد. وتُعد هذه الرسوم، المنفذة بألوان دافئة وحية، نماذج متألقة من فن المنمنمات الصفوي. ويتوسط شاهد قبر خواجه ربيع الفضاء الداخلي، وقد زُيّن ببلاطات الفسيفساء والكتابات القرآنية.
غير أن ما يحوّل ضريح خواجه ربيع إلى «باغٍ ضريحي» هو الحديقة الفسيحة الخضراء التي تحيط بالبناء. وتضم هذه الحديقة أشجاراً عتيقة من الدلب والصنوبر والسرو، وجداول مياه جارية وأحواضاً مائية، فتوفّر فضاءً هادئاً وروحانياً للزائرين والوافدين. ويمكن للزائرين التجوّل في أرجاء الحديقة، والجلوس على المصاطب الحجرية، والاستمتاع بسكينة المكان وجماله.
ويمثّل ضريح خواجه ربيع بالنسبة إلى المعماريين والمصممين المعاصرين درساً في «تصميم المخططات الهندسية غير التقليدية»، و«المزاوجة الذكية بين البستان والضريح»، و«أهمية الزخارف والرسوم الجدارية في العمارة التذكارية»، و«خلق الفضاءات الروحانية من خلال الضوء واللون». ويُظهر هذا الصرح كيف يمكن، من خلال توظيف الهندسة واللون والطبيعة، خلق فضاء يكون في آنٍ واحد تخليداً لشخصية جليلة، ومكاناً للتأمل وسكينة الروح. ولا يزال ضريح خواجه ربيع، هذه الجوهرة الفيروزية الصفوية، يتلألأ في ضواحي مشهد، ويروي، في همسٍ عميق، حكاية فخامة العصر الصفوي وفنه وروحانيته.