الهندسه المعمارية

زنجان مد ينة القباب الفيروزية والأسواق التاريخية؛ بوابة أذربيجان

تقدّم زنجان للمعماريين ومخططي المدن المعاصرين دروسًا قيّمة في تصميم الأسواق الممتدة والمتكاملة، ودمج الوظائف التجارية والدينية والخدمية ضمن مجمّع واحد، وإبراز أهمية المرافق العامة ذات النفع المشترك، مثل المغسلة العامة التقليدية، فضلًا عن استخدام مواد البناء المحلية، كالأجرّ والقيشاني. وتُظهر هذه المدينة كيف استطاع مركز حضاري، على مدى قرون، أن يحافظ على هويته ويبدع، بالاعتماد على المعرفة المحلية، فضاءات جميلة وعملية ودائمة. ولا تزال زنجان، مدينة القباب الفيروزية والأسواق التاريخية، تروي همسًا حكايات مجدها وفنها وتاريخها العريق، بين الأقواس الآجرية في سوقها الكبير وتحت ظلال قبة سلطانية المهيبة.

 

 

على الطريق الرابط بين طهران وأذربيجان، وفي سهل مرتفع يتمتع بمناخ معتدل، تحدّه جبال البرز من الشمال وتمتد السهول الشاسعة جنوبًا، تقع مدينة كانت يومًا إحدى أهم محطات طريق الحرير وبوابة العبور إلى أذربيجان. إنّ زنجان، مركز محافظة زنجان، مدينة ارتبط تاريخها بالتجارة والدين والفن، فيما تجمع عمارتها بين التقاليد الأذرية والطراز الإيراني الرسمي. ولعلّ خير وصفٍ لها هو «مدينة القباب الفيروزية والأسواق التاريخية»؛ ففي قلب نسيجها العمراني القديم، ينبض أطول سوق مسقوف في إيران كأنه شريان حيوي، بينما تروي قباب سلطانية المهيبة، الواقعة على مقربة منها، حكاية العظمة والمجد في العصر الإيلخاني.

ترتبط حكاية زنجان بموقعها الاستراتيجي على طريق الحرير، وعلى المسار الذي يصل عواصم إيران بأذربيجان والقوقاز. وكانت المدينة تُعرف في العصور القديمة باسم «زنگان» أو «زنديگان»، وقد أعاد أردشير بابكان إعمارها في العصر الساساني، فأصبحت ذات أهمية بوصفها قاعدة عسكرية ومركزًا تجاريًا. غير أنّ أوج ازدهارها تحقق في العصر الصفوي، ولا سيما في العهد القاجاري. ففي العصر الصفوي، شهدت زنجان ازدهارًا كبيرًا بفضل موقعها على الطريق الرابط بين تبريز، العاصمة الأولى للصفويين، وقزوين وأصفهان، فشُيّدت فيها الخانات والأسواق المتعددة. أما في العصر القاجاري، فقد تحولت إلى أحد المراكز التجارية والدينية والثقافية المهمة في إيران، وأُقيمت فيها منشآت مهيبة، من أبرزها السوق الكبير والمسجد الجامع والمدارس الدينية.

يُعدّ السوق الكبير في زنجان القلب النابض للمدينة، وهو أطول سوق مسقوف في إيران وأحد أروع أسواقها التاريخية. شُيّد هذا السوق في العصر القاجاري، في عهد فتح علي شاه ومحمد شاه القاجاريين، ويمتد من غرب المدينة إلى شرقها بطول يزيد على ألف متر، ويضم ممرات تجارية متعددة، وتيمچهات، وخانات، ومساجد، وحمّامات، وقوافل خانة. ويُغطّى الممر الرئيسي للسوق بأقواس آجُرّية متقاطعة مرتفعة، تتخللها فتحات علوية تسمح بدخول الضوء، فيما تصطف على جانبيه دكاكين التجار المزودة بمقاعد حجرية.

وتتميّز التيمچهات الفخمة في السوق، مثل تيمچه حاج علي قلي والتيمچه المسقوفة، بقبابها المرتفعة وزخارفها الآجرية وتزييناتها الخزفية، وقد وفّرت فضاءات رحبة لتجارة السلع الثمينة، مثل السجاد المنسوج يدويًا والمجوهرات والأقمشة المطرّزة بخيوط الذهب. وما يميّز سوق زنجان عن كثير من الأسواق الإيرانية الأخرى هو اتساعه وطوله وتماسك نسيجه العمراني. ولا يزال هذا السوق يحتفظ بنبض التجارة والحياة اليومية، حتى بات أشبه بـ«مدينة داخل مدينة»، يجد فيها الزائر كل شيء، من التوابل الملوّنة والحلويات التقليدية إلى الحرف اليدوية، مثل صياغة الفضة وصناعة السكاكين وحياكة الأحذية التقليدية المعروفة باسم «چاروق».

أما المسجد الجامع في زنجان، المعروف أيضًا باسم «مسجد السيد»، فهو أحد أجمل المساجد وأكثرها فخامة من العصر القاجاري. شُيّد في مطلع هذا العصر على يد عبد الله ميرزا دارا، ابن فتح علي شاه القاجاري، ويضم قاعة صلاة واسعة ذات أعمدة ملتفة، وقبة فيروزية، ومحرابًا مزينًا ببلاطات خزفية متعددة الألوان ومقرنصات جصية. وتوفّر قاعة الصلاة، بأعمدتها الحجرية الثمانية والأربعين الملتفة وأقواسها الآجرية، فضاءً باردًا تسوده السكينة والروحانية، ملائمًا للعبادة. أما المحراب، فقد زُيّن بالبلاطات الخزفية متعددة الألوان والآيات القرآنية المكتوبة بالخط الثلث، في حين يُعدّ المنبر الخشبي المحفور بزخارف دقيقة إحدى روائع فن الحفر على الخشب في العصر القاجاري. ويمنح صحن المسجد، الذي تتوسطه بركة كبيرة وتحيط به أشجار معمّرة، المصلّين فضاءً هادئًا ومريحًا.

لكنّ أشهر المعالم المعمارية وأكثرها إدهاشًا في محيط زنجان هو بلا شك قبة سلطانية، التحفة الفريدة من العصر الإيلخاني، الواقعة على بُعد أربعين كيلومترًا إلى الجنوب الشرقي من المدينة. شُيّدت هذه القبة في مطلع القرن الثامن الهجري بأمر من السلطان محمد خدابنده، المعروف باسم أُلجايتو، ويبلغ ارتفاعها 48 مترًا وقطر فتحتها 25 مترًا. وهي واحدة من أكبر القباب الآجرية في العالم، وتُصنّف ضمن أضخم القباب التاريخية، بعد قبة آيا صوفيا وقبة كاتدرائية فلورنسا. وتعلو القبة مبنى مثمّن الأضلاع، وتكسوها بلاطات خزفية باللونين الفيروزي واللازوردي، بحيث يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة في السهول المحيطة.

وتتميّز قبة سلطانية بكونها «قبة مزدوجة القشرة»، أي إنها تتألف من قشرتين منفصلتين، وتعمل المساحة الفاصلة بينهما على تقليل الوزن الإجمالي للبناء وتوفير العزل الحراري. وقد بلغ هذا الابتكار الهندسي درجة متقدمة من التطور في العصر الإيلخاني، وألهم لاحقًا تشييد قباب كبيرة أخرى في إيران ومناطق مختلفة من العالم. أما الزخارف الداخلية للقبة، فتشمل الجصّيات الغائرة، والبلاطات الخزفية المعرّقة، والرسوم الجدارية، والكتابات القرآنية، ما يجعلها واحدة من روائع الفن والعمارة في العالم الإسلامي.

وتُعدّ مغسلة زنجان العامة، المعروفة باسم «بازار رختشويخانه»، من المنشآت الفريدة الأخرى في المدينة. شُيّدت في العصر القاجاري على يد أخوين محسنين، هما مشهدي أكبر ومشهدي إسماعيل، لتكون مرفقًا عامًا مخصصًا لغسل ملابس السكان. وتضم المغسلة أقواسًا آجُرّية وأحواضًا للمياه ومقاعد حجرية، وقد صُممت لتوفير فضاء مسقوف ودافئ للغسل خلال فصول الشتاء الباردة في زنجان. وقد تحوّل هذا المبنى اليوم إلى متحف للأنثروبولوجيا، ليشكّل نموذجًا بارزًا للعمارة المخصصة لخدمة المجتمع، وتجسيدًا للاهتمام باحتياجات السكان اليومية في العصر القاجاري.

وتُعرف زنجان أيضًا بصناعتي «المليله‌كاري» و«صناعة السكاكين». ففن المليله‌كاري في زنجان، القائم على صنع القطع الزخرفية من أسلاك الفضة الدقيقة، يُعدّ من أرقى الحرف اليدوية في إيران وأكثرها شهرة، وقد اكتسب صيتًا عالميًا. كما تُعدّ السكاكين المصنوعة يدويًا من أبرز المنتجات التي تشتهر بها المدينة.

وتقدّم زنجان للمعماريين ومخططي المدن المعاصرين دروسًا قيّمة في تصميم الأسواق الطويلة والمتكاملة، ودمج الوظائف التجارية والدينية والخدمية ضمن مجمّع واحد، وإبراز أهمية المرافق العامة ذات النفع المشترك، مثل المغسلة العامة التقليدية، فضلًا عن استخدام مواد البناء المحلية، كالأجرّ والقيشاني. وتُظهر هذه المدينة كيف استطاع مركز حضاري، على مدى قرون، أن يحافظ على هويته ويبدع، بالاعتماد على المعرفة المحلية، فضاءات جميلة وعملية ودائمة.

ولا تزال زنجان، مدينة القباب الفيروزية والأسواق التاريخية، تروي همسًا حكايات مجدها وفنها وتاريخها العريق، بين الأقواس الآجرية في سوقها الكبير وتحت ظلال قبة سلطانية المهيبة.